العنوان دراسة السيرة النبوية وأهميتها في المنهج الإسلامي (۲-۲).. الرواية والتجميع والتدوين والتوثيق
الكاتب علاء سعد حسن
تاريخ النشر السبت 07-فبراير-2009
مشاهدات 82
نشر في العدد 1838
نشر في الصفحة 56
السبت 07-فبراير-2009
الباحث في السيرة النبوية يجب أن يتجرد من الأهواء والميول الشخصية
ينبغي ربط دراسة السيرة بأصول الفقه عند استنباط الأحكام والعبر والعظات حداث السيرة تدخل ضمن الحكم المذكورة في القرآن الكريم ولتفسيرها قدسية
تناولنا في العدد الماضي الحديث عن أهمية دراسة السيرة النبوية، وفيما يلي نستعرض أهم ضوابط دراسة السيرة ونسلط الضوء على تطور ومراحل دراستها. ثانيا: ضوابط دراسة السيرة النبوية يجب أن تنضبط دراسة السيرة النبوية المطهرة - على أهميتها القصوى - بضوابط منهجية حتى لا تتحول إلى نوع من التسلية دون تحقيق الأهداف المنهجية المرجوة من دراستها وأهم هذه الضوابط:
1- ضابط التوثيق على المنهج الإسلامي في حفظ وتوثيق الحديث الشريف، ويعتبر أهم هذه الضوابط ويتعلق بالكتب والدراسات القديمة - على وجه الخصوص - لتنقية هذه الكتب من الخرافات والإسرائيليات، والموضوع من الأحاديث...
2- تجرد الباحث في السيرة النبوية من كل الأهواء والميول الشخصية وعدم الخضوع عند تفسير حوادث السيرة واستخراج الدروس للأحكام المسبقة والميول المذهبية والحزبية والفكرية، وهو أهم ضابط يتعلق بالدراسات والكتب الحديثة والمعاصرة.
3- استبعاد كتب ودراسات المستشرقين والمتأثرين بهم تمامًا كمصادر معتمدة للسيرة النبوية لما تمثله مدرستهم من تشكيك في وقائع السيرة من ناحية ومن تفسير وفهم خاطئ للمواقف من ناحية أخرى، وكذا عدم اعتمادهم في الأعم الأغلب على منهج التوثيق الإسلامي الدقيق مع عدم إلمامهم بعلوم الرجال، والجرح والتعديل وغير ذلك من علوم الحديث التي توثق وقائع السيرة النبوية، بالإضافة إلى موقفهم الخاص من قضية الخوارق والمعجزات (1).
ثالثا: تطور دراسة السيرة النبوية عبر العصور:
والذي يهمنا في هذا المقام إبراز أهم المراحل التي تمثل منعطفات أو ركائز أساسية في دراسة ورواية السيرة النبوية، وتستطيع تلخيص هذه المراحل في (٢):
1- مرحلة الرواية إن معظم دراسات السيرة تركز على مرحلة التجميع باعتبارها المرحلة الأولى من مراحل دراسة السيرة النبوية غير أنني ألفت النظر أن التجميع إنما قام ويقوم على الرواية في المقام الأول، ولذا فإن المرحلة الأولى من مراحل دراسة السيرة النبوية كانت مرحلة رواية الأحداث، والتي بدأها الصحابة رضوان الله عليهم من رواة الأحاديث النبوية، وهي الأحاديث التي تتناول المواقف والأحداث، وهي التي تبدأ عادة بمثل قولهم: كنا مع رسول الله ﷺ ، ويلحق بذلك تميم الداري، الذي أجلسه عمر بن الخطاب في مسجد رسول الله ﷺ يقص على الناس يوما في الأسبوع، فلما كانت خلافة عثمان بن عفان رة سمح له بيومين.. وكان ذلك بلا شك في العشرين سنة التالية لوفاة النبي ﷺ.
2- مرحلة التجميع وهي التي قام عليها عروة بن الزبير، وأبان بن عثمان بن عفان ووهب بن منبه وشرحبيل بن سعد وابن شهاب الزهري.
3- مرحلة التدوين ومثلها محمد بن إسحاق المتوفى عام ١٥٢هـ.
4- مرحلة التوثيق والتنقيح والتهذيب ومثلها ابن هشام الذي هذب کتاب بن إسحاق، وأخرجه لنا في واحد من أهم المصادر القديمة للسيرة النبوية على الإطلاق سيرة بن هشام
5- مرحلة المستشرقين وتلاميذهم وهي منعطف خطير في تناول السيرة النبوية بدأ من النصف الثاني من القرن التاسع عشر ميلاديا: الخطورة فهم هؤلاء، وخطورة منهجهم الذي اعتمد ما يعرف بالمنهج الذاتي في تناول التاريخ، وهو منهج يقدم ذاتية الكاتب عن وثائقية الوقائع، بل يكاد يهمل علوم التوثيق جملة وتفصيلا، وهي المرحلة التي أخرجت لنا مفهوم العبقرية المحمدية، وبثت شكوكا حول العلاقات الأخوية المتميزة بين الصحابة رضوان الله عليهم، والتي شككت كذلك في معجزات النبي ﷺ الحسية المختلفة الثابتة بطرق الثبوت الإسلامية المختلفة.
6- مرحلة الصحوة وهي المرحلة التي تعد انقلابا على مرحلة المستشرقين والتي أعادت للسيرة النبوية بهاءها باعتماد المنهج العلمي، ثم تابعت في هذا المضمار إضافة المنهج التحليلي والاستنباطي لاستخراج الدروس والأحكام وهي المرحلة التي يطمئن الدارس والباحث لإنتاجها في مجموعه ويمثل هذه المرحلة - على سبيل المثال - مصطفى السباعي دروس وعبر - الشيخ الخضري مختصر السيرة - البوطي فقه السيرة - المباركفوري الرحيق المختوم عماد الدين خليل دراسات في السيرة محمد أحمد باشميل معارك الإسلام الفاصلة - محمد الغزالي فقه السيرة.. وغيرهم.
رابعا منهج مقترح لتناول السيرة النبوية:
في ضوء ضوابط تجعل دراستها والاهتداء بها ملزمة للمسلمين مثلها مثل فروع الإسلام من تفسير، وحديث، وفقه وعقيدة:
١- جمع سيرة النبي ﷺ من القرآن الكريم أولا، فلقد تعددت المواضع التي تناولت حياة النبي ﷺ وألقت الضوء على صفاته والأحداث التي عاصرته، فنحن نعلم العام الذي ولد فيه النبي من حادثة الفيل التي سجلها القرآن في سورة الفيل، وتعلم أشياء عن البيئة التي نشأ فيها، من وأد البنات، وشرب الخمر، ولعب الميسر، وعبادة الأوثان من آيات القرآن، ونعلم أنه يتيم من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ﴾
(الضحى) ونعلم أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب من قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (العنكبوت:48).
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ﴾ (الأعراف:١٥٧) ونعرف بحوادث ووقائع كثيرة في حياة النبي ﷺ من القرآن الكريم مثل: الإسراء والمعراج - الهجرة - بناء مسجد قباء - غزوة بدر - غزوة أحد - يهود بني النضير - الأحزاب - صلح الحديبية - فتح مكة - غزوة حنين - غزوة تبوك - حادثة الإفك - مواقف المنافقين من النبي - كفالته لزيد بن حارثة - زواجه من زينب بنت جحش - شغب زوجاته عليه في سورة التحريم - استماع الجن للقرآن والرسالة.
2- جمع السيرة ثانيًا من الأحاديث الشريفة مع تحقيقها وفقا لمنهج الكتب الصحاح، وهو أمر حادث في بعض الدراسات الحديثة للسيرة النبوية مثل: فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي، بتحقيق الشيخ الألباني.
3- ملء الفراغات واستكمال الصورة من روايات الصحابة والتابعين الموثقة، ومن أقوال المفسرين في تفسير الآيات وأسباب نزولها.
4- ربط دراسة السيرة بعلم أصول الفقه.. بمعنى استخراج الأحكام والعبر والعظات والدروس من السيرة باعتبارها من أصول التشريع كفرع من السنة النبوية مع الحديث الشريف، وعدم تركها لأهواء الكتاب والدارسين حماية للفهم الإسلامي من الشذوذ أو الغلو أو الخطأ، وحماية للسيرة من التأويل الخاطئ، أو لي أعناق الوقائع والأحداث إلى أحكام أبعد ما تكون عن مقاصدها الحقيقية، ومثال ذلك ما يؤكده الدكتور البوطي عن منهجه في كتابة فقه السيرة، فيقول: ولقد استنبطت من أحداث السيرة النبوية، طبقًا لهذه القواعد أحكامًا كثيرة، منها ما يتعلق بالاعتقاد واليقين، ومنها ما يتعلق بالتشريع والسلوك والمهم في هذا الصدد أن نعلم أنها جاءت منفصلة عن التاريخ وتدوينه بعيدة عن معناه ومضمونه، وإنما كانت نتيجة معاناة علمية أخرى نهضت في حد وجودها على البنيان التاريخي الذي قام بدوره على القواعد العلمية التي ذكرناها (٢). وليؤمن الدارسون والباحثون أن لتفسير أحداث السيرة النبوية قدسية مثل تفسير القرآن الكريم فهي داخلة في الحكمة التي قرنها الله تعالى في أكثر من موضع مع الكتاب الذي أنزله على رسوله، وقد قال المفسرون: إن الحكمة في الآيات هي السنة النبوية ) لقوله ﷺ: «إني أوتيت القرآن ومثله معه..
الهوامش
(۱) للدكتور البوطي تفصيل واف في بحثه الرائع: السيرة النبوية كيف تطورت دراستها وكيف يجب فهمها اليوم... الذي جعله تمهيدًا لكتابه فقه السيرة الطبعة السابعة.
(۲) ما أقدمه هنا هو خلاصة الدراسة عدة كتب تناولت هذا الموضوع من أمثال البوطي والقصة الإسلامية للكيلاني، والرواية العربية عصر التجميع الفاروق خورشيد
(۳) فقه السيرة ص ۲۳
(٤) قاله قتاده وغير واحد ابن كثير جـ ٣ ص (٤٨٧) - قال أهل العلم بالتأويل الكتاب القرآن، والحكمة السنة (تفسير القرطبي جـ ۱، ص ۱۸۳). (0) - تفسير ابن كثير جـا، ص، ويقول ابن كثير تعقيبا على هذا الحديث ذلك أن السنة تتنزل عليه، كما ينزل القرآن غير أنها لا تتلى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل