العنوان الرياضة والسياسة في الكويت
الكاتب د. إسماعيل الشطي
تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-1983
مشاهدات 77
نشر في العدد 605
نشر في الصفحة 8
الثلاثاء 25-يناير-1983
تتحدث الكويت- هذه الأيام- عن ثلاث قضايا مثيرة.. قضية تنقيح الدستور.. وقضية أزمة سوق المناخ .. وقضية الرياضة في الكويت.. وإذا كانت القضيتان الأوليان موضع اهتمام القوى السياسية والوطنية في الكويت.. فإن القضية الثالثة- الرياضة- بدأت تدخل ضمن دائرة الاهتمام السياسي.
وإذا كنا نحن الإسلاميين لدينا تحفظات ضد الغلو في الرياضة؛ مما يجعلنا نحجم عن الكتابة حولها ولا نشارك في شحن هذا الغلو.. إلا أننا من حيث المبدأ نرى أن الرياضة ضرورة من ضرورات المجتمع المسلم.. وإذا كنا اليوم نتناول هذه القضية على صفحات المجتمع فهذا لا يعني تراجعًا في سياستنا ضد الغلو والاستخدام السيئ للرياضة.. إنما يعود هذا التناول إلى العلاقة الخفية بين السياسة والرياضة.
إسماعيل الشطي
الخلفية التاريخية
يقسم الرياضيون- في الكويت- تاريخ الحركة الرياضية إلى ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى.. وهي المرحلة التاريخية التي بدأت منذ شهر يوليو ١٩٥٢ مع افتتاح النادي الأهلي الرياضي حتى بداية عام ١٩٥٩، والذي صدر فيه قرار من مدير الأمن العام الشيخ عبد الله المبارك بإغلاق جميع الأندية الرياضية وتجميد نشاطها.
المرحلة الثانية.. وهي مرحلة العودة بعد المنع والانقطاع والتجميد، وذلك بعد صدور قانون ٢٤/62 الخاص بتنظيم جمعيات النفع العام والأندية الرياضية.. وتبدأ هذه المرحلة مع بداية الستينيات، أي في عام ١٩٦١ وبعد إشهار الأندية الثلاثة القادسية والكويت والعربي.
المرحلة الثالثة.. وهي مرحلة الاحتواء الحكومي للرياضة.. وفي هذه المرحلة دخلت الكويت النطاق الدولي للرياضة كعنصر فعال ومتحرك.. وتبدأ هذه المرحلة منذ أن قرر الشيخ فهد الأحمد وأبناء عمومته المشاركة في المجال الرياضي.
الكرة في مرمى السياسة
كانت الرياضة- وما زالت- موضع استقطاب جماهيري.. وكانت السياسة- وما زالت- تهدف لتوجيه الرأي العام الجماهيري نحو أهداف معينة.. وما دامت السياسة تبحث دائمًا عن مواضع الاستقطاب الجماهيرية فإنه من الطبيعي أن تنشأ علاقة خفية بينها وبين الرياضة.
ففي المرحلة الأولى من تاريخ الحركة الرياضية- وهي فترة الخمسينيات – لم يكن في الكويت تيارات سياسية منظمة، سوى حركة القوميين العرب والحركة الإسلامية والحركة الماسونية.. أما الحركة الإسلامية فإنها كانت تتحرك ضمن رصيدها الشعبي من خلال المساجد ومواطن الثقافة.. وأما الحركة الماسونية فهي باطنية لا تتحرك إلا من خلال شخصيات فاعلة في المجتمع؛ لذا انصرف اهتمامها للبحث عن الفعاليات.. بينما أخذت حركة القوميين العرب الناشئة تبحث عن واجهات جماهيرية تتحرك من خلالها؛ لذا لجأت إلى تأسيس النوادي الثقافية والرياضية.
ولقد أسست حركة القوميين العرب واجهتها الفكرية من خلال النادي الثقافي القومي، الذي أنشأه السادة المحترمون أحمد زين السقاف ناظر المدرسة الشرقية، والدكتور أحمد الخطيب الطبيب بالمستشفى الأميري، والسيد يوسف إبراهيم الغانم خريج كلية التجارة بجامعة القاهرة والتاجر بالكويت، وعبد الله الصانع مدير إدارة التسجيل بالبلدية، ويوسف مشاري الحسن الموظف بالبلدية، وعبد الرزاق البصير الأديب الكويتي، وعبد الله أحمد حسين سكرتير البلدية.. وأسندت الرياسة الشرفية للشيخ عبد الله المبارك الصباح رئيس دائرة الأمن العام.
كما أسهمت حركة القوميين العرب بتأسيس أول نادٍ رياضي كويتي وهو النادي الأهلي الكويتي، والذي أسندت فيه الرياسة الشرفية للشيخ عبد الله المبارك، والذي ضم في هيئته الإدارية السادة المحترمين يوسف إبراهيم الغانم والدكتور أحمد الخطيب ويعقوب الحمد، والأخيران كانت مهمتهما الإشراف على اللجنة الثقافية بالنادي.. كما ساهم القوميون العرب بتأسيس اللجنة الأولمبية الكويتية في ٢٩ سبتمبر ١٩٥٧، وترأس أول مجالس إدارتها السيد جاسم القطامي مدير الشرطة في الأمن العام.
ثم تم تأسيس نادي الجزيرة عام ١٩٥٣ تحت اسم «أسد الجزيرة»، وتلاه بعد ذلك نادي النهضة ثم نادي الخليج ثم نادي التعاون.
والحقيقة التي يجب أن تقال إن حركة القوميين العرب أسهمت بشكل جدي وفعال في تنمية الحركة الرياضية في الكويت.. إذ أن معظم رموزها كانت تتصدر قيادة الحركة الرياضية.. وهذا أمر طبيعي لحركة تعتبر الوسط الرياضي أحد مجالات حركتها المهمة.
الثمرة
لقد دخلت حركة القوميين العرب مجال الرياضة لتستثمره لصالح أغراضها السياسية.. وكان كل شيء يساعدها على ذلك.. المناخ السياسي العربي الذي كان يموج بالأفكار الناصرية المتطابقة آنذاك مع أفكار القوميين العرب.. وحداثة الكويتيين بالتجربة السياسية، وارتفاع نسبة الأمية فيهم وخاصة الأمية السياسية. ولقد توجت هذه الحركة نشاطها في الحركة الرياضية بدعوة الهيئات الشعبية؛ لتنظيم مهرجان خطابي بمناسبة ذكرى مرور عام على الوحدة بين مصر وسورية، وذلك على مدرجات ثانوية الشويخ الرياضية.
وكان أبرز ضيوف هذا المهرجان مذيع «صوت العرب» المشهور أحمد سعيد.. وأتذكر أن وجود أحمد سعيد كان عاملًا مهمًّا في تدفق الجماهير الكويتية لحضور المهرجان.. فقد كان صوت أحمد سعيد يدوي في كل بيت فيه مذياع.. وكنت قديمًا أتابع المسلسلات الإذاعية التي تبثها إذاعة القاهرة مثل «أساور» و«الثعلب» و«أبو خنجر» وغيرها، وكان في هذا الوقت يبدأ برنامج أحمد سعيد في إذاعة «صوت العرب»، ليذيع «أكاذيب تكشفها حقائق» أو كما كان يدعي!! وكان والدي رحمه الله- وهو من رجال البحر ومن الأميين- لا يقبل إلا بسماع أحمد سعيد؛ لذلك انطبع في ذهني صوت أحمد سعيد، ودفعني ذلك لأن أنطلق مع الحافلات التي كانت تقل الجماهير من نادي الجزيرة ونادي الأهلي الكائنين في حينا «فریج برزان»؛ لأشاهد أحمد سعيد في مدرجات ثانوية الشويخ.
وما زلت أتذكر هتافات الجماهير بحياة عبد الناصر والقومية العربية عندما دخل أحمد سعيد من الجانب الأيمن للمدرج.. لقد كشف هذا المهرجان مهارة القوميين في استغلال الحركة الرياضية، وقدرتهم على التأثير السياسي على الجماهير الكروية.. وانزعجت السلطات من الشعارات التي انطلقت من هذا المهرجان، وشعرت أنها ستكون مصدر قلق لها؛ لذا أصدر رئيس دائرة الأمن العام الشيخ عبد الله المبارك أمرًا لدائرة الشؤون الاجتماعية والعمل لتصدر قرارًا بإغلاق الأندية الرياضية في ٢٣ فبراير ١٩٥٩.
آثار القرار السياسي
لقد كان لقرار ۲۳ فبراير وقعًا مؤلمًا على حركة القوميين العرب يشابه وقع الأمر الأميري الصادر عام ٧٦ بتعطيل الحياة النيابية؛ فقد كانت حركتهم داخل الجماهير ضمن إطار النوادي الرياضية والثقافية.. فعندما أغلقت هذه النوادي شلت حركتهم.. فلم يجدوا فكاكًا من مهاجمة السلطة علنا وتبني خط المعارضة السياسية صراحة، والتخلي عن سياسة الاحتماء برجال القصر، كما حدث في الرئاسة الشرفية للنادي الثقافي القومي والنادي الأهلي الرياضي.
كما وجدت رموز الحركة صعوبة الاستمرار في الوظيفة الحكومية.. فقد كان مطلوبًا من السيد جاسم القطامي تفريق المتظاهرين باستمرار بصفته مديرًا للشرطة... أي كان مطلوبًا منه ضرب المعارضة وهو من رؤوسها.. فاضطر إلى الاستقالة وهيأ له زملاؤه منصبًا جديدًا وهو مدير شركة الكويت للسينما وهي شركة مساهمة.. كما تفرغ الدكتور الخطيب لعيادته الخاصة الكائنة في شارع الجهراء بالصالحية، وترك وظيفته في المستشفى الأميري.
الرياضة في غيبة الأندية
لقد سلمت السلطة مهمة الرياضة لجهة تتحكم في توجهاتها وهي دائرة المعارف.. فقد تسلمت مدارس الكويت مهمة تحريك النشاط الرياضي.. وانتقل التشجيع من الأندية إلى المدارس.. وبرزت فرق المدارس المتوسطة في دوري مدارس الكويت وفي سداسيات مدرسة الشامية.. وتألقت فرق مدارس الشامية والصديق وصلاح الدين وحولي والعمرية.. وتألقت مجموعة من اللاعبين كجاسم الحميضي وجاسم العمر وأحمد البصري والنكري ويوسف سميط والمسعود وإدريس وعلي الشطي من مدرسة الشامية.. وكالدولة والعصفور والرشدان والعميري وفيصل مطر من المدارس الأخرى.
وعادت الأندية من جديد
إن فترة الستينيات تعتبر فترة التغيرات الأساسية في مظهر الدولة والمجتمع.. فقد برزت مستجدات جديدة ساهمت في عودة الحركة الرياضية إلى الأندية.. ففي الستينيات حدث الآتي:
نالت الكويت استقلالها الرسمي من بريطانيا.
دخلت الكويت المجتمع العربي والدولي من خلال جامعة الدول العربية وهيئة الأمم المتحدة.
تفاقم أزمة عبد الكريم قاسم حاكم العراق السابق، الذي كان يطالب بضم الكويت إلى العراق الشقيق.
بدأت الكويت حياتها الدستورية التي جلبت معها مجلس أمة منتخبًا ليشارك السلطة الفعلية.
بدأ الكويتيون يتلمسون آثار الرفاه المادي الذي جلبه النفط.
تدفقت الأسر الكويتية بشكل جماعي خارج سور الكويت القديمة.
نشأة أقليات الوافدين في الكويت.
رحيل رئيس الأمن العام نهائيًّا من الكويت بعد خلاف مع أمير البلاد الراحل.
لقد اجتمعت هذه المستجدات لتدفع قرار السماح لإعادة افتتاح الأندية الرياضية وجمعيات النفع العام.. ففي ضوء تلك المستجدات قامت مجموعة مكونة من السادة المحترمين خضير المشعان وفهد عبد العزيز المرزوق وخالد الحمد وبدر المقهوي وحامد عبد السلام شعيب بمقابلة رئيس دائرة الشئون الاجتماعية والعمل الشيخ صباح الأحمد، وشرحوا له واقع الحياة الرياضية في الكويت وما آلت إليه... والحاجة الضرورية لإعادة الأندية رسميًّا.. وقد كان الحوار يدور حول الاستغلال السياسي للأندية الرياضية، وطبيعة هذا الاستغلال على ضوء المرحلة السابقة.. لم يرفض الشيخ صباح الأحمد الطلب ولكن قيده بشرطين أساسيين:
عدم استغلال الأندية للأغراض السياسية، وكان يعني تجربة القوميين العرب.
أن تعود الأندية الرياضية وجمعيات النفع العام بأسماء جديدة وفكر جديد.
وهكذا عادت الأندية الرياضية ومعها جمعيات النفع العام بأسماء جديدة.. فقد أُشْهِر اسم نادي العربي في نهاية عام ١٩٦٢، وبعده بستة أشهر تقريبًا أشهر اسم نادي القادسية ثم نادي الكويت وتوالت الأندية الأخرى من بعد.
كما عادت جمعيات النفع العام إلى الظهور، فقد عاد النادي الثقافي القومي تحت اسم نادي الاستقلال، وعادت جمعية الإرشاد الإسلامي تحت اسم جمعية الإصلاح الاجتماعي.
الرياضة بدون سياسة
كان الوفد الذي قابل رئيس دائرة الشؤون الاجتماعية وفدًا رياضيًّا بحتًا.. ولقد جاء من أجل الحركة الرياضية ولم يكن في ذهنه القضية السياسية؛ لذا كانت عودة الأندية الرياضية من أجل الحركة الرياضية فقط.. أما بالنسبة للفئات السياسية فحركة القوميين العرب انشغلت تمامًا بالمستجدات السياسية الجديدة سالفة الذكر.. فقد هيأت هذه المستجدات مناخًا سياسيًّا جديدًا يغنيها عن الوسط الرياضي.. لقد دخل القوميون المجلس التأسيسي للمشاركة في وضع الدستور.. كما نجحوا في دخول أول مجلس أمة كويتي.. لم يكن للقوميين طاقة للعمل داخل الوسط الرياضي.. لقد دخلوا بكل ثقلهم في العمل النيابي والعمل الطلابي والعمل العمالي، وهي الأجواء الأكثر ملائمة لدعوتهم.
أما الحركة الإسلامية فقد كانت تشهد انحسارًا رهيبًا بين الجماهير في تلك الفترة.. ويعود ذلك إلى الضربات المتلاحقة التي كالتها لها الأنظمة العسكرية الجديدة.. ويعود ذلك إلى قوة الإعلام الناصري الذي ركز حربه على الحركة الإسلامية، وخاصة بعد تبنيه خط الاشتراكية العلمية.. لم يكن للحركة الإسلامية أن تكون بديلًا أو شريكًا في الواقع الجديد.
لا فكاك من السياسة
بعد فترة من الزمان.. وخاصة بعد عام ١٩٦٧.. العام الذي زورت فيه انتخابات مجلس الأمة لإقصاء القوميين العرب من المجلس.. بدأت السياسة تعود إلى الأندية.
فقد بدا واضحًا أن النادي العربي موضع تمركز الطائفة الكويتية الشيعية مع بعض عائلات حي «شرق».. كما كان واضحًا أن نادي الكويت هو موضع تمركز المعارضة التقليدية المتمثلة في طبقة التجار مع بعض عائلات حي «قبلة».. أما نادي القادسية فقد بدأ يجذب القوميين العرب، خاصة وأن القوميين العرب كانوا يمرون بأزمة متمثلة بالآتي:
انشقاق داخل صفوف الحركة بعد تبني الخط الماركسي صراحة وعلنًا والتخلي عن القومية العربية والذي انعكس على صفوفها في الداخل.
هزيمة ١٩٦٧ التي قلصت من جماهيرية الحركة وخيبت آمال الناس بالناصرية.
غياب رموز الحركة عن العمل النيابي الذي ركزوا جهودهم فيه.
لقد تحول اليسار الكويتي الجديد- القوميين العرب سابقًا- إلى نادي القادسية لأنه يقع بجوار نادي الاستقلال نسبيًّا.. ويشمل المنطقة الانتخابية لقائمته.. وبدأ اليسار الكويتي الجديد يكتشف الثروة الانتخابية من المواطنين والتي تتمحور حول الكرة.. لقد شعرت الحكومة الكويتية بخطورة استغلال الرياضة للسياسة وكان في ذهنها تجربة الخمسينيات فأخذت تتدارك الأمر.
وفي الحلقة القادمة إن شاء الله نتابع الموضوع وتطوراته في السبعينيات حتى مدخل هذا العقد والله الموفق.