العنوان الزبير بن العوام
الكاتب الدكتور محمد الشويعر
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أغسطس-1976
مشاهدات 56
نشر في العدد 311
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 03-أغسطس-1976
التاريخ سجل حافل بأحداث الحياة المختلفة.. فتؤخذ منه العظات والعبر.. ومن أعمال أبطاله القدوة والاحتذاء.. ولذا يهتم المؤرخون بالجوانب المختلفة من سير الرجال الذين كان لهم دور كبير في الحياة العامة.
والصفوة الأولى من أبناء مدرسة الرسالة المحمدية هم الصفحة المشرقة في تاريخ الإنسانية جمعاء والدرة اللامعة في سجل الحياة، بما ألزموا به أنفسهم من نهج سليم وقيادة حكيمة.. ومسارعة في الخير لأجل الخير.
ولئن كان المؤرخون قد أهملوا بعضًا من جوانب حياتهم العامة والخاصة فذلك لأن الرواة والحفاظ لم يوصلوا إليهم منها إلا هذا النزر اليسير.
فهو قليل في مجموعه ولكنه كثير في مدلوله وما يستفيده اللاحقون من جهود قيمة، وأعمال جليلة أضاءت تاريخ البشرية جمعاء.. فكانت أعمالهم وسيرهم شمعة مضيئة في هذا التاريخ ونجمًا ساطعًا في أفقه.
وشخصية هذه الحلقة رجل فذ تربطه برسول الله صلى الله عليه وسلم قرابات نسب متعددة.. وأهم من هذا وذاك رابطة العقيدة الخالصة والمحبة الصادقة.. تلك الرابطة هيأت له بشارات متعددة.
ذلك البطل الذي عرف بالمحبة إلى الإسلام في الأيام الأولى من بدء الدعوة حيث كان اسمه يحمل الرقم الرابع في لوحة شرف الانتماء للإسلام واتباع الدعوة، فبادر الزبير بن العوام رضي الله عنه وأزهار عمره تتفتح ونموه الجسماني لم يكتمل حيث قيل إن عمره ثمان سنوات فقط.. بوضع يده في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمًا مؤمنًا متبعًا لما جاء به.
وكان سلاحه أول سيف يسل في سبيل الله- دفاعًا عن رسول الله- ذلك أن أبا عبد الله وهذه كنيته رضي الله عنه قد طرقت مسامعه أراجيف الشيطان بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل.. فغلى الدم في عروقه.. وهاجت نفسه حمية لله.. ودفاعًا عن حامل لواء الدعوة..
ولم يلتفت إلى أنه في مجتمع يكن لرسول الله العداوة والبغضاء.. وبكيد زعماؤه لأتباع الرسالة بكل حقد وضغينة.. حيث يتربصون الدوائر.. غاب هذا كله عن ذهنه مع فورة الغضب وحدة الحماس.. فأقبل يشق الناس بسيفه المصلت متجها لأعلى مكة مكان متعبد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستجلي الخبر ويتأكد من هذه الشائعات.
وهو يردد في قرارة نفسه ألا بد من الانتقام والثأر من أعداء الله ورسوله.
وإذا كان الموت يترصد له عندما ألقى بنفسه في المخاطر فإن روحه الجريئة ونفسه الشجاعة تترقبان هذه الفرصة وتتحينان ذلك اللقاء فلا خير في حياة تبقى بعد رسول الله... ولا قيمة العيش دون إشراقة الإسلام التي أنارت قلبه منذ بزوغ فجرها.
ولكن أنفاسه ارتدت إليه.. وجأشه هدأ عندما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكانه لم يصب بأذى وسليمًا معافى.
من هذا الموقف الفذ الذي برز فيه المعدن الأصيل عن صدق الزبير ومحبته لله ورسوله.
ومن مواقفه المتعددة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته الكثيرة جاءته البشارة بالجنة كواحد من العشرة الذين شهد لهم الصادق المصدوق بها.. ومكرمة أخرى هي اختياره للشورى في أمور المسلمين التي يضطلع بها ستة من خيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته كأولية من أوليات الإسلام والزبير واحدا منهم.
ولعل أهم من ذلك ما التصق به وبذريته من بعده من لقب انفرد به عن غيره في الإسلام.. وأسبغه عليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ألا وهو حواري رسول الله.
فكان للزبير رضي الله عنه في حياته مواقف كثيرة نشف منها قوة الإيمان ومكانته في الإسلام حيث كان يمثل بأعماله قوة الرجال وصلابتهم المستمدة من قوة الإيمان ورسوخ العقيدة والدفاع عن دين الله حتى يظهر على الحق أو يموت دونه.. ولعل أبرز هذه المواقف ما روي أن الملائكة نزلت تقاتل في بدر على خيل ملق عليها عمائم صفر.. وكان على الزبير يومئذ عمامة صفراء.. فأخبر عليه السلام أنها نزلت على .... الزبير «۱» ولم يكن في جيش المسلمين في بدر من الفرسان إلا رجلان أحدهما كان الزبير بن العوام.
ولم يتخلف عن موقعة خاضها رسول الله صلى الله عليه وسلم بل كان ركنا من أركان الدين «2».
لقد استمد الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي القرشي الذي يلتقي نسبه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جده الخامس قصي بن كلاب.. هذه الشجاعة من مجتمعه وأسرته.. ورضعها من ثدي أمه صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله، ذات المواقف البطولية التي يحق لبنات حواء أن يفتخرن بها.. بعدما أسلمت.
ومن أسلوبها في تربية ابنها الذي توفى والده وهو طفل صغير وقام بأموره عمه نوفل بن خويلد فرأى من
صفية غلظة على ابنها الزبير وضربًا شديدًا، فعاتبها وقال ما هكذا يضرب الولد إنك لتضربينه ضرب مبغضة.
فقالت في ذلك شعرا يتضمن وجهة نظرها في الزبير وإنها تعده لمقارعة الرجال والصولة والجولة لخوض غمار الحروب، فصدق حدسها وما خاب ظنها.
وظهرت بوادر شجاعته وقوته في الحق عليه وهو غض الأهاب عندما كان عمه يعلقه في حصير ويدخن عليه «۳»، ليشعره برغبته في إحراقه إذا لم يرجع إلى الكفر ويترك هذا الدين الجديد تخويفا له وترهيبا.. ولكنه يتجلد ويصبر ويتحمل في هذا السبيل فوق ما يتحمل الرجال- بالرغم من صغر سنه- ويصر على موقفه ويقول: لا أكفر أبدا.
فكان نموذجا للشجاعة المبكرة.. والثبات على المبدأ والصلابة على الحق.
وقد دفعه ما يلقاه من الأذى إلى الهجرة للحبشة مرتين للبحث عن مكان آمن يؤدي فيه فرائض ربه ويأمن حقد الأعداء.. ثم هاجر المدينة ولحقت به زوجته أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم جميعا حيث حطوا رحالهم في مأمن الإسلام الأخير وعرينه المكين ووضعت أول مولود في دار الهجرة هو عبد الله بن الزبير الذي هلل المسلمون وكبروا لمقدمه لما في ذلك من إبطال لمزاعم اليهود بأنه لن يعيش محمد وأتباعه عقب في المدينة.
وفي رحلتنا القصيرة مع هذا الصحابي الجليل سنقف عند هذا الجانب لأن مقالا كهذا لا يستوعب استعراض ما أورده التاريخ في دراسة مستفيضة من الصفوة الأولى من رواد مدرسة الرسالة ومنهم الزبير.. ولعله يتاح لنا مجال أوسع لإيفاء ذلك حقه.
ولكننا فيما تبقى لدينا سنحاول الإلمام بالجانب الاقتصادي والبذل المادي في حياة الزبير كما رسمنا في الحلقة الأولى بأن تكون الدراسة قاصرة على أولئك الذين سخروا ما أفاء الله عليهم من مال لمساعدة الآخرين والبذل منه بسخاء في سبيل الله في الأوجه التي حث عليها الدين.
1 - فقد كان الزبير تاجرا محدودا في تجارته.. لا يجعل هذه التجارة تتغلب على عاطفته بل يسعى فيها ويجمعها من طرقها المشروعة ويتخلى عنها عندما يدعوه واجب الدين وداعي الجهاد، وقد سئل يوما بم أدركت في التجارة ما أدركت؟ فكانت إجابته تنبئ عن فهم اقتصادي ومعرفة بالطرق التجارية.. مع إيمان بأن الله هو الرازق المعطي وأن دور الإنسان في جمع المال لا يعدوا الأخذ بالأسباب إذ قال: لأنني لم أشتر غبنا ولم أرد ربحا والله يبارك لمن يشاء «4».
كلمات مقتضبة وعبارات موجزة.. ولكنها تحمل معاني كبيرة في العرف التجاري فهو يتحين فرص العرض والطلب في شرائه وبيعه.
ولم يضع في حسبانه الاحتكار التجاري أو الإضرار بالمحتاج ولم يكن ليرسم نسبة مكسبة قبل إقدامه على الشراء، لكنه يدرك أن البركة من الله وأن الاعتماد عليه وحده.. وأن هدفه في العمل التجاري تنشيط المجتمع وإسعاده.
وما تهيأ بعد ذلك من بركة ونماء فهو توفيق الله الذي يرزق من يشاء بغير حساب.
٢ - ومع أنه لم يل إمارة قط.. أو مرفقا من المرافق المالية في دولة الإسلام كالجباية والخراج فإن نزاهته وأمانته وعفته عما لدى الآخرين أكسبته سمعة في جميع الأوساط وانتقلت هذه الميزة الطيبة معه حيثما انتقل من الكوفة والبصرة إلى المدينة مكان مستودع أموالهم.. والوصي على ممتلكاتهم وورثتهم.. ينفق عليهم بالمعروف وينمي أموالهم.
وقد انتهج لنفسه دربا مثاليا يدفعه لذلك ما عرفه من كتاب الله من تغليظ في الأمانات وتحملها ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (الأحزاب:72) «٥». «أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون منه الصلاة» «٦».
فكان لا يرد كل من جاء يستودعه مالا بل يأخذه ويقول لا أريده وديعة بل هو سلف إني أخشى عليه الضيعة «٧» ويكتب على نفسه إقرارا به.
هذا فيما يتعلق بالآخرين أما هو فقد محا نفسه من ديوان الخراج بعد قتل عمر رضي الله عنه «۸» عفة منه وزهدا فهو يرى أن لديه من المال ما يكفيه.
فكان بحق من المستجيبين لله الممتثلين لأمره كما قالت عائشة رضي الله عنها لعروة ابن الزبير: أبواك والله من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح. «۹».
۲ - ولم يكن رضي الله عنه ليحتل هذه المنزلة بين المسلمين في نزاهته و أمانته إلا بما جلبت عليه نفسه من حب للخير.. وما فطرت عليه شخصيته من وعي اقتصادي.. وما يدركه ويحيط به لكل ما له وما عليه.. فقد عرف هذا عنه أولا نفر من إخوانه في العقيدة وزملائه في العمل التجاري وقرنائه في البذل والعطاء وتلمس أوجه الإنفاق دون مطلب أو جزاء إلا من الله كعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، أوصى إليه نفر من الصحابة منهم هذان الرجلان فكان يحفظ أموالهم وينفق على أولادهم.
ولم يكن ليأخذ أجرا وعمولة عن هذه الأعمال، وما كانت هذه نظرة رواد مدرسة الرسالة فيما أعطاهم الله من مال وجهد ودراية، إذ يرون ضرورة استخدامها لصالح المجموعة وإعانة الآخرين.. هدفهم في ذلك قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» «۱۰».
هذه نظرتهم لبني جلدتهم وإخوانهم في العقيدة حب وتعاطف ومودة ومساعدة لأنهم فهموا الإسلام على حقيقة وطبقوه حسبما جاء في التشريع.
4- ولم تكن عفته هذه ونزاهته عن مال الآخرين فقط، بل يرى أن الله أعطاه المال ابتلاء وامتحانا: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (الأنبياء:35) «۱۱».. ولذا فإن الزبير رضي الله عنه لم يجمع المال لحب المال بل كان ينفق منه بسخاء من لا يخشى الفقر ولا يركن إلى كنز المال وهذا مثل واحد نستطلع منه شخصية الزبير ومحبته في إسعاد الآخرين وأن راحته فيما يبذله من ماله برضا نفس وسخاء بد فقد كان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج فكان لا يدخل خزينته منه شيئا بل يتصدق به كله. «12».
إن المجتمع الإسلامي قد ألزم أبنائه بالتكافل والتعاون.. فتعاليمه تحث على ذلك وتشريعاته قد رسمت الطريق.. ولذا سعدت المجتمعات الأولى من تاريخ الإسلام لأن كل فرد جعل من نفسه رقيبا عليها، ليبذل ما يستطيع من جهده ورأيه، وماله ونفسه.
أدرك الغربيون هذا السر عن الإسلام عندما درسوا تعاليمه للاستفادة منها في النهضة الحديثة بأوروبا ووجدوا هذا التكافل في هيئة أنظمة للضمان الاجتماعي والتعاونيات المختلفة.. والتأمين..
فأخذوا المبدأ من الإسلام وأبرزوها بما يتلاءم مع متطلباتهم بل تعمدوا إضافة أشياء لا يرغبها الإسلام ليوهنوا منه ويضعفوا مكانته عندما يتم تطبيقها في بلاد الإسلام التي بلي أبناؤها بحب التقليد والأخذ عن الآخرين وهنا منهم وعجزا.
وأقول لهؤلاء المقلدين ارجعوا أيها الأخوة إلى تشريعات وتعليمات دينكم وانظروا في سير الصفوة العارفة لهذه التعاليم.. فإنكم ستجدون في سجلاتهم واقعا ملموسا لمقومات الحضارة الحديثة من تكافل اجتماعي.. ونظام اقتصادي جيد.. لندرك أن هذه بضاعتنا ردت إلينا.. ونحن أولى بإيفادها عليهم في أسلوب إسلامي ينير الطريق وينقذ الجاهلين، لا أن تستوردها بما يتلاءم مع رغباتهم التي قد يكون من أهدافها تثبيط الهمم عن هذا الدين السمح عداوة له وبغضا.. لأنهم يدركون أن الإسلام لا يغتزى إلا من أبنائه.. ولا يثمر التشكيك فيه إلا من المتسمين باسمه.
1 - طبقات ابن سعد ج ۲ ص ۱۰۲.
2-الإصابة ج 1 ص ٥٢٧ من كلام لعمر بن الخطاب
3-الإصابة ج ١ من ٥٢٦
4- الاستيعاب ج ١ ص ٥٦٣
5-سورة الأحزاب آية ٧٢
6- حديث شريف أثبته الإمام أحمد بن حنبل في رسالته
7 - الطبقات الكبرى ج ۲ ص ۱۰۸
8-السابق من 107 عن الصلاة ص ٤٥٢ من كتاب مجموعة الحديث النجدية لرشيد رضا
9-الطبقات الكبرى ج ۳ ص ١٠٤
10- حديث شريف رواه النعمان بن بشير من الصحيحين وتفسير بن كثير ج ص ۲۱۱، ص204
۱1 - آية 35 سورة الأنبياء.
12- الإصابة ج 1 ص ٥٢٧