; الزواج والطلاق عند اليهود | مجلة المجتمع

العنوان الزواج والطلاق عند اليهود

الكاتب الأستاذ عز العرب فؤاد

تاريخ النشر الثلاثاء 11-مارس-1975

مشاهدات 81

نشر في العدد 240

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 11-مارس-1975

عقد الزواج يختلف عقد الزواج في الشرائع اليهودية عن مثيله في الشرائع التي سبقتها بالنضوج والرقي، إذا توفرت شروط لصحته، فلا يكون العقد صحيحًا نافذ المفعول إلا بتوفير هذه الشروط وهي ثلاثة بيانها كالآتي: الأول: الرضا والقبول بين الطرفين- الزوجين. الثاني: بلوغ السن القانوني. الثالث: أن يكونا في درجة قرابة لا يحرم فيها الزواج. الأول: الرضا والقبول بين الطرفين لا يكون العقد معتبرًا ويكون صحيحًا إلا إذا توفر الرضا والقبول بين الطرفين -الزوج والزوجة- بحيث لا يشوب هذا الرضا قيدًا ولا إرهاقًا ولا أي عامل من عوامل الإكراه. فالمرأة اليهودية إذا أجبرت على قبول زوج دون رضائها، كان الزواج باطلًا تلقائيًا، أما إذا أكره الزوج على الزواج فلا يستتبع ذلك بطلاق الزواج لأنه يستطيع في أي وقت من الأوقات أن يتحلل من رباط الزوجية بالطلاق. أما إذا كان هناك عارض من عوارض الأهلية كالعته أو الجنون فلا يعد العقد صحيحًا أي يكون باطلًا لأن الرضا في هذه الحالة يكون من جانب واحد فقط. ولم يرد في الشرائع اليهودية نص يحتم أو يشترط رضاء الوالدين إذا كان الزوجان بالغان إلا أن عادة اليهود جرت أن يتزوج الشاب تمشيًا مع رغبة وإرادة والديه وقلما كان يخرج عن إرادتهما. الثاني: بلوغ السن القانونية ورد في التلمود السن القانوني الذي يعقد فيه الزواج فحدد الزواج بتمام البلوغ، ومما هو معروف أن البلوغ يتم عادة عند البنات بتمام الثانية عشرة من عمرها ويتم عند الذكور بتمام الثالثة عشرة. ولا يعتبر الزواج صحيحًا إذا تم قبل هذا السن بل يعد باطلًا، وللأب الحق في أن يعقد زواج ابنته قبل سن البلوغ، وكان للبنت أيضًا الحق في رفض إتمام الزواج إذا بلغت السن القانونية أي سن البلوغ وإلا أصبح بعد إعلانها الرفض باطلًا. وشريعة موسى -عليه السلام- في هذا الخصوص تعتبر أكثر تقدمًا من شرائع اليونان والرومان. ولكن مع ذلك نلاحظ أنه في الواقع العملي كانت البنت لا تخرج على إرادة أبيها ومشيئته، إذ إن البنات والبنين في الأسرة اليهودية شبوا على طاعة الآباء واحترامهم فلم يحاولوا قط الخروج أو الاعتراض على ما شاء لهم آباؤهم. ومن الملاحظ أيضًا أن الأسرة في الجماعات القديمة كانت هي الوحدة الاجتماعية المتعارف عليها والمعترف بها، والفرد بمفرده خارج الأسرة ليست له أية قيمة بل كان ينظر له نظرة الطريد المنبوذ المحتقر. ومن أجل ذلك حرص اليهود على تزويج البنات وهن صغيرات، إذ كانت البنات تدركن بصفة خاصة أن الزواج فيه الطمأنينة، كما فيه بلوغ المركز الاجتماعي المرموق، وعلى العكس فإن المرأة غير المتزوجة تكون في مركز اجتماعي لا تحسد عليه لأن النساء لم يكن لهن، كيان مستقل لا من الناحية القانونية ولا من الناحية الاقتصادية. درجات القرابة التي يحرم فيها الزواج: جاء في سفر الملاويين المحارم التي لا يجوز لليهودي أن يتزوج منها على النحو التالي: «لا يقترب إنسان إلى قريب جسده ليكشف العورة أنا الرب». عورة أبيك وعورة أمك لا تكشف إنها أمك لا تكشف عورتها، عورة امرأة أبيك لا تكشف إنها عورة أبيك. عورة أختك بنت أبيك أو بنت أمك المولودة في البيت أو المولودة خارجًا لا تكشف عورتها، عورة ابن ابنك أو ابنة بنتك لا تكشف عورتها إنها عورتك. عورة بنت امرأة أبيك لا تكشف عورتها إنها أختك، عورة أخت أبيك لا تكشف إنها قريبة أبيك، عورة أخت أمك لا تكشف إنها قريبة أمك، عورة أخت أبيك لا تكشف إلى امرأته، لا تقترب إنها عمتك، عورة كنتك لا تكشف أنها امرأة ابنك لا تكشف عورتها، عورة امرأة أخيك وبنتها لا تكشف ولا تأخذ ابنة ابنها لا تكشف عورة أخيك. عورة امرأة وبنتها لا تكشف ولا تأخذ ابنة ابنها أو ابنة بنتها لتكشف عورتها إنهما قریبتاها إنه رذيلة، ولا تأخذ امرأة على أختها للضر لتكشف عورتها معها في حياتها «٢». وجاء في سفر الملاويين أيضًا ذكر المحارم التي يعاقب عليها وإذا اضطجع رجل مع امرأة أبيه فقد كشف عورة أبيه أنهما يقتلان كلاهما دمهما عليهما. وإذا أضطجـع رجل مع كنته فإنهما يقتلان كلاهما قد فعل كلاهما رجسًا أنهما يقتلان دمهما عليهما، وإذا أتخذ رجل امرأة وأمها فذلك رذيلة بالنار يحرقونه وإياها لكي لا يكون رذيلة بينكم، وإذا جعل رجل مضطجعه مع بهيمة فإنه يقتل البهيمة والبهيمة تُميته، وإذا اقتربت امرأة إلى بهيمة فإنها تقتل البهيمه والبهيمة لتراها تُميت المرأة، وإذا أخذ رجل أخته بنت أبيه أو بنت أمه ورأى عورتها ورأت هي عورته، فذلك عار يُقطعان من أمام أعين بني شعبيهما قد كشف عورة أخته يحمل ذنبه مع امرأة طامث وكشف عورتها عسر ينبوعها وكشفت هي ينبوع دمها، يُقطعان كليهما من شعبيهما عورة أخت أمك أو أخت أبيك لا تكشف أنه قد عر قريبته يحملان ذنبهما وإذا اضطجع رجل مع امرأة عمه فقد كشف عورة عمه يحملان ذنبهما يموتان عقيمين «۲». ● من الإصحاحين ۱۸، ۲۰ السابقين يتبين لنا أن الرجل لا يتزوج أخته غير الشقيقة أو زوجة ابنه أو خالته أو عمته ولا يتزوج من أرملة أخيه أو من أخت زوجته أثناء حياة زوجه ولا يتزوج الرجل أيضًا من امرأة أبيه ولا من كنته ولا يجمع بين المرأة وأمها ولا يتزوج بامرأة عمه. ولقد ذهب بعض أحبار اليهود إلى أبعد من ذلك في التحريم حتى شمل فروعًا بعيده ودراجات متفاوته من درجات القرابة وإن أجازوا الزواج بين أبناء العم. ● أما ما ورد في التلمود فيزيد على ما ذُكر اتقاء إذ إنه كان يحرم على الرجل أن يتزوج بمطلقته التـي تزوجت مره أخرى تم ترملت أو التي طلعت للمرة الثانية. ولقد فسر البعض في التلمود بأن القصد هو منع تبادل الزوجات إذ كانت من العادات الشائعة في وقت من الأوقات. وكان لا يسمح للرجل كذلك بأن يتزوج من امرأة طلقت لسوء سيرتها من أجل إنجاب المسيح أيضًا، إذ لا يمكن أن يكون من امرأة سيئة الخلق وأخيرًا يُحرم على الرجل الذي يفسق بزوجة رجل آخر أن يتزوج من هذه المرأة بعد طلاقها عقابًا لها على هذه الخيانة الزوجية. استثناء هناك حالة خاصة تفسر ما جاء في سفر اللاويين «1» السالفة الذكر: «عورة امرأة أخيك لا تكشف إنها عورة أخيك» ويفسر هذا النص بأنه لا ينبغي أبدًا أن يقرب الأخ من امرأة أخيه ما دام أخوه على قيد الحياة، أما بعد مماته فإن الأخ يتزوج امرأة أخيه المتوفى والتي أصبحت بعده أرملة، فإن لم يكن للزوج أخ ورثها أقرب الرجال إليه أي تزوجها أقرب الرجال إليه. ويصبح البكر من الأبناء الذيـن يولدون نتيجة لهذا الزواج وريثًا للزوج الإسرائيلي المتوفى ويُعتبر بوجه عام كابن له لأنه ورد في سفر التثنية «1» «إذا سكن إخوة معًا ومات واحد منهم وليس له ابن فلا تصير امرأة الميت إلى خارج لرجل أجنبي، أخو زوجها يدخل عليها ويتخذها لنفسه زوجة ويقوم لها بواجب أخ الزوج». والبكر الذي تلده يقوم باسم أخيه الميت لئلا يمحى اسمه من إسرائيل وقد يرفض الأخ أن يتزوج زوجة أخيه المتوفى فتفزع الزوجة في هذه الحالة إلى الشيوخ وتعلن إليهم أن أخا زوجها يرفض أن يقيم لأخيه اسمًا في إسرائيل وإنه لم يقم لها بواجب أخ الزوج. ولقد نص على هذه الحالة في سفر التثنية «۲» حيث ورد: « وإن لم يرض الرجل أن يأخذ امرأة أخيــه تصعد امرأة أخيه إلى الباب، إلى الشيوخ وتقول: قد أبى أخو زوجی أن يقيم الزوج لأخيه اسمًا في إسرائيل لم يشأ أن يقوم لي بواجب أخ الزوج فيدعوه شيوخ مدينته ويتكلمون معه فإن أصر وقال لا أرضى أن أتخذها تتقدم امرأة أخيه إليه أمام أعين الشيوخ وتخلع نعله من رجله وتبصق في وجهه وتصرخ وتقول: "هكذا يفعل بالرجل الذي لا يبنى بيت أخيه"، فيدعى اسمه في إسرائيل بيت مخلوع النعل». وكان هذا النوع من الزواج عند العبرانيين يُسمى الزواج بالميراث وكان شائعًا في كثير من جهات العالم القديم، ولا تزال هذه العادة البدائية باقية إلى اليوم في صورة معدلة عند كثير من الشعوب. وتتصل هذه العادة بالقانون الزراعي الموسوي الذي كان يهدف إلى حفظ الأرض، كاملة غير مجزأة في يد القبيلة أو الأسرة بأوثق رباط، ويفسر البعض الزواج بالميراث بين الإسرائيليين بأنه بقية باقية من عادة البدائيين في اعتبار المرأة متاعًا من المتاع تورث هي والأبناء والعبيد إلى أقرب قريب لزوجها المتوفى. ويقول بعض المؤرخين: بأن هذه العادة "الزواج بالميراث" قد زالت تمامًا عند الإسرائيليين في زمن المسيح -عليه السلام-. الخطبة والزواج ليس هناك فرق في التشريع الموسوي بين الخطبة والزواج فالمرأة المخطوبة هي زوجة بالفعل وهذا هو التفسير العملي عند اليهود قبل حادث سبيهم في بابل للنص الذي ورد في سفر التثنية «1»: «ومن هو الرجل الذي خطب امرأة ولم يأخذها ليذهب ويرجع إلى بيته لِئلا يموت في الحرب فيأخذها رجل آخر». أما بعد سبيهم في بابل أصبحت الخطبة شيئًا منفصلًا عن الزواج، فكانت هناك خطوبة وحفلة عرس منفصلتين. ولقد رأى البعض أن الزواج عند اليهود لا يخرج عن كونه صفقة مالية يتم بعدها تسليم العروس وتفريعًا على هذا الرأي أقروا بأن الخطوبة والزواج أمر واحد. حفل الخطبة: هو بداية الزواج الفعلي، كما كان الحال عند معظـم الشعوب القديمة ولا يتم دخول الزوج بزوجه إلا بعد ذلك، ومن ثم فإن الفتاة التي تخون خاطبها تُعاقب بنفس العقوبة التي تُعاقب بها الزوجة الزانية. وكان الخاطب يختار إحدى شعيرتين لإتمام الخطوبة. الأولى: تعرف باسم كاسف أي المال. الثانية: تعرف باسم كدوش أي الوثيقة المكتوبة. الأولى: كاسف أي المال ووفقًا للشعيرة الأولى «كاسف» يقوم الخطيب بتقديم قطعة من النقود زهيدة القيمة قائلًا «كوني زوجةً لي» وغالبًا ما كان يقدم لها عملة نحاسية تسمى «بيروت» وهي أقل العملة قيمة. وهذه الشعيرة على بساطتها تحمل معنى خاصًا وهامًا لأنها البقية الباقية عند اليهود من عادة الزواج بالشراء التي كانت شائعة عندهم وعند غيرهم في وقت من الأوقات «۱». وقد تقدم خادم إبراهيم -عليه السلام- بتحف ثمينة لأم رفقة وأخيها لكي يزوجا رفقة لإسحاق بن إبراهيم عليهم السلام. وحينما أضطر يعقوب إلى الفرار من وجه شقيقه عيسو إلى خاله لابان كما سبق بيانه، أضطر يعقوب أن يخدم خاله لابان أربعة عشر عامًا ليتزوج من ابنتيه ليئه وراحيل «2». ويتضح من هذين المثالين أن المرأة في تلك الأيام المتقدمة كان يدفع لها مهر له قيمة مقدرة بالمال، وكان المهر غالبًا ثمينًا يدل على تقديرها في نظر الزوج، لأنه لو كان غير ذلك لكان في استطاعة الزوج أن يبيع زوجه أو تكون الدوطة حقًا من حقوقه. ولكن بعد استيلاء الدولة الرومانية على فلسطين في القرن الأول قبل الميلاد "ميلاد المسيح -عليه السلام-" أصبحت عادة الشراء «شراء الزوجة» مجرد رمز لا غير. ويذهب بعض الكتاب إلى أن نظام الخطوبة عند اليهود بمقتضى شعيرة «الكاسف» لم يكن موجودًا قبل عهد الملك هيرور الذي حكم في الفترة ما بين " ٤٠، ٤ قبل الميلاد"، ولعل اليهود قد اقتبسوا هذا النظام عند الرومان. وقد استبدل اليهود الخاتم "دبلة الخطبة" بالعملة خلال العصور الوسطى وذلك بتأثير العادات الرومانية. الثانية: الكدوش «الوثيقة المكتورية» ووفقًا للشعيرة الثانية «الكدوش» يقدم العريس إلى عروسه وثيقة مكتوبًا بها العبارة التالية: «أنا فلان الفلاني أخطب بمقتضى هذه الوثيقة فلانة الفلانية وفقًا لشريعة موسى وإسرائيل» ثم تُتلى خطبة العرس. ويشترط لتمام الخطوبة أي لصحتها وجود شاهدين عادلين في كلتا الحالتين أي في حالة الخطوبة بإحدى الشعيرتين السابقتين. خطبة العرس: يقوم الكاهن «الحاخام» بتلاوة الخطبة ويدعى خصيصًا لحضور هذا الحفل وفيها تُستنزل البركة على الزوجين ويشير إلى أن الإله – يهوذا- يبارك الزواج ويقدسه، وأحيانًا يتولى ولى الزوجة تلاوة هذه الخطبة. ومما تجدر الإشارة إليه أن الزوج مع هذا كله لا يستطيع الدخول بزوجته إلا بعد حفلة العرس. ونلاحظ أن خطبة العرس هي خطبة دينية أي تتم في الحفل الديني من جهتها الشكلية هذا فضلًا عن الناحية الموضوعية المدنية البحتة، وبكلمة أخرى نستطيع أن نقول: أن خطبة العرس دينية شكلًا ومدنية موضوعًا. وثيقة الزواج: كان الزواج على النحو السالف مُبسطًا إذ كانت وثيقة الزواج موجزة ليست فيها تفصيلات قليلة أو كثيرة ولكن قبل ميلاد المسيح -عليه السلام- بقرن من الزمان تقريبًا تغير الحال فأصبحت هناك وثيقة خاصة بالزواج تحوي كثيرًا من التفصيلات المتعلقة بالحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين، لقد أصدر المجلس الأعلى لليهود ببيت المقدس قانونًا يقضى بوجوب إعداد وثيقة عند الزواج ينص فيها:على حقوق وواجبات الطرفين المتعاقدين أي الزوج والزوجة. ويقوم الزوج بتحرير هذه الوثيقة التي تحتوي على عدة بنود، فالبند الأول يحدد صيغة عقد الزواج، والبند الثاني يبين المهر ودفعه، والبند الثالث يوضح الهبة «الدوطة» أما البند الرابع فمتعلق بنظام الإرث، في حالة انعدام الذرية، والبند الخامس خاص بالطلاق. أما في العهود المتأخرة فقد أضيف إلى الوثيقة بندًا سادسًا يبين العقوبات التي تفرض على الزوج إذا أساء إلى زوجته، وبندًا سابعًا وهو الأخير يحد من تعدد الزوجات. بنود الوثيقة: البند الأول، صيغة عقد الزواج: وهي الصيغة التي كان الوالد في العهود المتقدمة هو الذي يقوم بتلاوتها وفقًا لما جاء في التلمود من أحكام ونصهـا کالآتی: «أشهد إنكِ قد أصبحت خطيبة لي على سنة موسى وإسرائيل». ويلاحظ أن هذه الصيغة ما زال يُعمل بها بين المحافظين من اليهود في الوقت الحاضر. البند الثاني، المهر: في أول الأمر كان يدفع نقدًا لوالد العروس ثم صار يدفع للعروس نفسها، وكان المهر لا يقل عن خمسين «شاقل» والشاقل هو وحدة العملة عندهم ذلك الوقت، كما أن الجنيه هو وحدة العملة عندنا. ويرى الأستاذ أحمد الشنتناوى أن الشاقل يعادل الجنيه المصري تقريبًا «1» يدفع في حالة الزوجة البكر ويدفع نصف هذا المبلغ في حالة الزوجة الثيب. وكانت البكارة عظيمة الشأن عند اليهود ولذلك كان التحقق من بكارة العروس قبل دفع مهرها شيئًا واجبًا لا اعتراض عليه ولا عيب فيه، ولا يُتهم بالعيب، وبمرور الزمن صار الزوج لا يدفع مهرًا بل أصبح يُعد فقط بالدفع أي يدفع مبلغ معين من المال إلى الزوجة عند طلاقها أو عند وفاة الزوج. البند الثالث - الهبة «الدوطة»: جرت عادة اليهود منذ القدم أن يعطى الآباء بناتهم هبة تسمى «الدوطة» عند الزواج، ولقد ورد في التوراة أن سارة زوج إبراهيم -عليه السلام- وأن راحيل وليئه زوجتا يعقوب -عليه السلام-، قد أخذن بعض الجواري كجزء من هباتهن عند الزواج. فلقد أخذت سارة هاجر، كما أخذت راحيل وليئه زلفا وبلها وفي الواقع كانت «الدوطة» تمثل نصيب البنت من ممتلكات أبيها تقدم لها عند زواجها في صورة هدية ولذلك كانت تعتبر ملكًا خاصًا، للزوجة ولا يحق لزوجها الإفادة منها بأي شكل من الأشكال. لكن في القرون الأولى لميلاد المسيح -علیه السلام- صدرت عدة تشريعات حدت من سيطرة الزوجة على ملكها الخاص إذ حرم عليها التصرف في أملاكها بالبيع كما قررت أن يتسلم الزوج ربع أملاكها. أما من الناحية العملية فإن كل ما كانت تملكه الزوجة في ذلك الحين كان يقوم زوجها بالاستيلاء عليـه والتمتع به، أي كانت له فيه ملكية الإنتفاع فقط، إذ كان لا يجوز للزوج بأي حال أن يبيع أملاك زوجته إلا بعد موافقتها. أما إذا توفى الزوج قبل زوجته فإن الزوجة تستعيد هبة والدها «الدوطة» وتحتفظ أيضًا بالمهر وبالهدايا التي قدمها إليها زوجها المتوفى، وما قد يكون لها غير ذلك من متاع. هذه التشريعات التي حدت من سيطرة الزوجة على ملكها تشابه إلى حد كبير تلك القوانين التي كانت سائدة في روما قديمًا، وفي غرب أوروبا إلى عهد غير بعيد. والذي نراه ويراه غيرنا كذلك أن الرجال في الأزمنة القديمة أدركوا أن من بيده المال يمسك بيده زمام الغلبة والسلطان والتفوق ولذلك سلبوا المرأة استقلالها المادي لكي تكون خاضعة لزوجها. البند الرابع، نظام الوراثة في حالة إنعدام الذرية: نصت الشرائع الأولى على أنه لا يجوز للزوج أن يرث زوجته. لكن أحبار اليهود قاموا بتعديل هذه النصوص لصالح الزوج، فأصبح الزوج وريثًا لزوجته، وظل هذا النظام سائدًا ونهائيًا في القانون اليهودي الخاص بالمواريث. ومن الناحية الأخرى فإنه ليس للأرملة التي لم تنجب الحق في وراثة زوجها أما إذا توفى الزوج وكان له أبناء فإن من حقهم وحدهم الإرث الذي تركه والدهم فهم الذين يرثون أباهم وهم الذين ينفقون على أمهم بعد وفاة أبيهم. نلاحظ في هذا التعديل الخاص بنظام الإرث عند اليهود أن الثروات تنتقل من الآباء إلى الأبناء وتكون في يد الذكور دائمًا مع مخالفة ذلك للشرائع الأولى عندهم. البند الخامس، الطلاق: وسنتحدث عنه في موضع خاص. البند السادس، عقوبات الزوج: إذا أساء معاملة زوجته أو إذا أخرجها من بيت الزوجية. ولقد حُذف هذا البند من وثيقة الزواج في العهود المتأخرة، واستبدل بهذا البند نص آخر يزيد من سلطة الرجل على المرأة، فنص على بعض المعاملات التي تعد مجحفة بحقوق الزوجة وهذا الإجحاف من شأنه زيادة نفوذ الرجل على المرأة أي ازداد تسلطه عليه وأصبح سلطانه في الأسرة أكبر من ذي قبل. البند السابع، الحد من تعدد الزوجات: ويبين هذا البند العقوبات التي تُفرض على الزوج عندما يخرج على هذه الحدود المنصوص عليها. وقد نص أحبار اليهود في العهد المسيحي بألا يكون في حيازة الزوج أكثر من أربع زوجات حتى يستطيع الزوج أن يقوم بواجبه الجنسي مع زوجاته جميعهن ولو مرة واحدة شهريًا. وظهرت في وثائق الزواج المتأخرة نصوص أخرى لم تكن موجودة في وثائق العهد المتقدم منها ما ينص على وجوب قيام الزوج بإطعام زوجته وكسائها وعلاجها إذا مرضت وافتدائها إذا أُسرت وإشباعها جنسيًا، والقيام بدفنها بعد وفاتها. وقد نص أيضًا على ضرورة إنفاق الزوج على زوجته لِما ساد من الإعتقاد بين اليهود من أن الزوج يملك زوجته، كما يملك السيد العبد فكان لا بد من تصحيح الأوضاع وتغيير هذا الفهم الذي ساد بينهم مع مخالفته لشريعتهم وكانت هذه النفقة تُقدر على أساس مكانة الزوج الاجتماعية ومبلغ ثروته، كما هو الحال في وقتنا هذا. وأُضيف نص يفرض على الزوج دفع ديون زوجته كما أُضيف نص آخر يقضى بجواز الحجز على أملاك الزوج ضمانًا لوفائه بجميع الإلتزامات الواردة في وثيقة الزواج. ويمكن أن نستخلص من ذلك وإن كان غير مؤكد أن اليهود قد عرفوا في زمن متأخر نظام إتحاد ذمتي الزوج والزوجة الماليتين، وربمـا أخذوا ذلك النظام من تشريعات معاصرة لهم في ذلك الوقت وهي تشريعات لها أثرها في قوانين حديثة قائمة في بعض البلاد الأوروبية. تعليقنا على نصوص الوثيقة: يتبين لنا من نصوص وثيقة الزواج أنها تطورت ومرت في مراحل ثلاثة: الأولى: حينما كان اليهود يلتزمون بالتشريع الإلهي وكانت الوثيقة مبسطة إلى أبعد حدود البساطة، كما سبق بيانه حينما كانت الوثيقة إحدى شعيرتي الخطبة، فلم ينص فيها على تفاصيل تحدد مركز الزوجة بالنسبة للزوج ولا مركز الزوج بالنسبة للزوجة إذ كان المرجع في ذلك كله النصوص الإلهية والعادات المرعية التي لم تصطدم بالتشريع الموسوي. الثانية: في العهود المتأخرة قبل ميلاد المسيح -عليه السلام- تناول أحبار اليهود التشريع الإلهي بالتعديل والتغيير فأساءوا إلى معاملة المرأة بأن زادوا من سلطة الزوج على زوجة. فكان له حق الإنتفاع بمُلكها الخاص «الدوطة» كما امتدت سلطة ولايته عليها فخففت بالنسبة له العقوبات التي كانت تفرض عليه عندما كان يسيء معاملتها. وبذلك قل نفوذ المرأة وتقيدت حريتها في الوقت الذي زاد فيه نفوذ الرجل وأطلقت حريته على زوجته.
الرابط المختصر :