; الزواج و الفقر | مجلة المجتمع

العنوان الزواج و الفقر

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر السبت 23-مارس-2013

مشاهدات 58

نشر في العدد 2045

نشر في الصفحة 53

السبت 23-مارس-2013

الزواج نعمة من نعم الله تعالى، وآية من آياته، أقره الإسلام، قال الله تعالى:

﴿ومن آياته أن خَلَقَ لَكُم مَنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إليها وجعل بينكم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلك لآيات لقوم يتفكرُونَ (الروم: 21)، وأمر الله تعالى الأولياء أن يزوجوا من تحت ولايتهم قال تعالى: ﴿ وأنكحوا الأيامي منكم والصالحين من عبادكُمْ وَإمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ الله من ف فضله والله واسع عليم. وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجدُونَ نكاحا حتى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكتاب فما ملكت أيمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ وآتُوهُم مَن قال الله الذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكرهوا نياتكم على البغاء إِنْ أَرَدْنَ تَخَصَّنَا لَتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدنيا ومن يُكرههن فإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَ غَفُورٌ رحيم(النور: 33)، والأيم، التي لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبًا، والجمع أيامي، والأصل أيايم، والخطاب للأولياء. إن الزواج هو الطريق الطبيعي لمواجهة الميول الجنسية الفطرية، والغاية النظيفة لتلبية هذه الميول، وفي الزواج مصالح عظيمة، منها تحصين الرجل والمرأة من الوقوع في المحرم، وآفة العصر أن بعض الأولياء وضعوا عقبات أمام الزواج، وغالوا في المهور، حتى صار من الأمور الشاقة جدًا لدى كثير من الراغبين في أن يعفوا أنفسهم.

والخطاب الإسلامي في شأن الزواج طالب الأولياء بالتيسير للناس حتى لا ينصرفوا عنه فتقع مفاسد خلقية واجتماعية متعددة، كما دعا الراغبين في الزواج إلى العزوف عنه لدواعي الفقر، أخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى قال تعالى: ﴿وإِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْله، وعن عمر رضي الله عنه: ما رأيت مثل من يجلس أيما بعد هذه الآية ﴿وأنكحوا الأيامى منكم وقال الزجاج حث الله على النكاح، وأعلم أنه سبب لنفي الفقر، وقيل: المعنى أنه يغنيه بغنى النفس، وقيل: المعنى إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله من فضله بالحلال، ليتعففوا عن الزنا، والوجه الأول أولى، ويدل عليه قوله سبحانه: ﴿ وإن حقتُم عيلة فسوف يُغنيكم الله. فضله إن شاء (التوبة:۲۸)، فيحمل المطلق هنا على المقيد هناك، وجملة: ﴿وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ  مؤكدة لما قبلها ومقررة لها، والمراد أنه سبحانه ذو سعة، لا ينقص من سعة ملكه غنى من يغنيه من عباده، عليم بمصالح خلقه. 

وروى الترمذي وغيره بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة حق على الله عونهم، المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف...ومن ثم لا يجوز أن يكون الفقر عائقًا عن التزويج وقد تكفل الله بإعفاء الراغبين في الزواج، وفي انتظار قيام الجماعة بتزويج الأيامي يأمر الله بالاستعفاف حتى يغنيهم الله عز وجل.

وهكذا يواجه الإسلام المشكلة مواجهة عملية فيهيئ لكل فرد صالح للزواج أن يتزوج ولو كان عاجزا من ناحية المال، وهو العقبة الكؤود غالبا في طريق الإحصان، ولما كان وجود الرقيق من شأنه أن يساعد على هبوط المستوى الخلقي، وأن يعين على الترخص بحكم ضعف حساسية الرقيق بالكرامة الإنسانية عمل الإسلام على التخلص من الأرقاء، كلما وانت الفرصة حتى تتهيأ الأحوال لإلغاء نظام الرق فأوجب إجابة هؤلاء إلى طلب المكاتبة على الحرية.

وقد تشدد الإسلام في أمر الحفاظ على الأسرة ونظافة معينها، فحرم الزنا، وأوجب العقوبة على مرتكبيه قال تعالى ﴿الزانية والزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلّ واحدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بهما رأفة في دين الله إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر ولْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: 2).هذا في الحر البكر.

أما من كان محسنًا فإنه يرجم، كما جاء في الروايات المتواترة، وإجماع أهل العلم ويروي الترمذي وغيره بسند حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد.. وكان رجلًا يحمل الأسرى من مكة حتى يأتي بهم إلى المدينة، قال: وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها عناق، وكانت صديقة له، وأنه كان وعد رجلا من أسارى مكة يحمله، قال فجنت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة قال: فجاءت عناق فأبصرت سوادي بجنب الحائط، فلما انتهت إلي عرفت فقالت مرشد، فقلت: مرد فقالت: مرحبا وأهلا هلم فبت عندنا الليلة قال: قلت: يا عناق حرم الله الزنا، قالت يا أهل الخيام، هذا الرجل يحمل أسراكم، قال فتبعني ثمانية وسلكت الخندمة، فانتهيت إلى كهف أو غار فدخلت فجاؤوا حتى قاموا على رأسي فبالوا، فظل بولهم على رأسي. وعماهم الله عني، قال: ثم رجعوا ورجعت إلى صاحبي فحملته وكان رجلًا ثقيلًا حتى انتهيت إلى الإذخر ففككت عنه أحيله فجعلت أحمله ويعينني، حتى قدمت المدينة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أنكح عناقًا مرتين، وأمسك رسول الله فلم يرد علي شيئا حتى نزلت: ﴿الزاني لا يَنكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَان أَوْ مُشْرِك وَحُزم ذلكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: 3) فقال رسول الله: يا مرشد الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك فلا تنكحها.. 

والخطورة الزنا ومضاعفاته من اختلاط الأنساب وإثارة الأحقاد، وتهديد البيوت المطمئنة، قدم الإسلام علاجا لتلك المشكلة الجنسية التي تهدد البيوت الآمنة وتصيب أصحابها بالأمراض التي عرفت قديمًا وحديثا، لدفع تلك الانحرافات الجسيمة التي هي أشد خطرًا وانحطاطًا عن الحيوان مع أن كثيرًا من أزواج الحيوان تعيش متلازمة في حياة زوجية منظمة بعيدة عن الفوضى الجنسية، التي يشهد بها واقع هؤلاء.

الرابط المختصر :