العنوان السؤال القديم الجديد: القدر والسبب
الكاتب د. يوسف القرضاوي
تاريخ النشر السبت 14-سبتمبر-2002
مشاهدات 70
نشر في العدد 1518
نشر في الصفحة 58
السبت 14-سبتمبر-2002
علم الله تعالى بالأحداث قبل وقوعها لا ينافي الاجتهاد في العمل
سنن الله تحتم علينا الأخذ بالأسباب باعتبار ذلك من القدر
الإيمان بالقدر لا ينافي العمل والسعي والجد في جلب ما نحب واتقاء ما نكره
هل كل ما يحدث للإنسان في الدنيا مكتوب عليه من الأزل: الموت والرزق، والنجاح والفشل، والسعادة والشقاء في الدنيا، وإن كان من أهل الجنة أو أهل النار... وإذن: فما قيمة سعي الإنسان؟
هذا السؤال سؤال قديم معروف، ويبدو أنه مهما طال الزمن سيظل يخطر على الأفئدة، ويدور على الألسنة، ولا داعي للحيرة في شأنه، فإن الإسلام قد شفى في جوابه وكفى وسأعرض لهذه المسألة في النقاط التالية:
كل ما في الكون مكتوب مسجل:
أما أن كل ما في الكون مكتوب مسجل، فهذا معلوم من الدين بالضرورة ولا شك فيه، وإن كنا لا نعلم كيفية الكتابة، وماهية الكتاب، وكل الذي نعلمه أن الله تعالى قد أبدع هذا الكون بأرضه وسمائه، وجماداته وأحيائه على وفق تقدير أزلي عنده، وأنه أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، وأن كل ما يحدث في هذا الكون العريض يحدث وفق علمه وإرادته.
قال تعالى: ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (يونس: ٦١) وقال سبحانه: ﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (الأنعام: ٥٩) وقال: ﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (الحديد: ٢٢)
ب-هذا العلم المستوعب والإحصاء الدقيق والتسجيل الشامل للأشياء والأحداث قبل وقوعها لا ينافي الاجتهاد في العمل واتخاذ الأسباب:
فالله كما كتب المسببات كتب الأسباب، وكما قدر النتائج، قدر المقدمات وحين سئل (صلى الله عليه وسلم) عن الأدوية والأسباب التي يتقى بها المكروه، هل ترد من قدر الله شيئًا، كان جوابه الفاصل: «هي من قدر الله» رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وحسنه.
ولما انتشر الوباء في بلاد الشام قرر عمر بمشورة الصحابة العدول عن دخولها، والرجوع بمن معه من المسلمين. فقيل له: أتفر من قدر الله يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت إن نزلت بقعتين من الأرض، إحداهما مخصبة والأخرى مجدبة، أليس إن رعيت المخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت المجدبة رعيتها بقدر الله؟
ج - القدر أمر مغيب مستور عنا:
نحن لا نعرف أن الشيء مقدر إلا بعد وقوعه، أما قبل الوقوع فنحن مأمورون بأن نتبع السنن الكونية، والتوجيهات الشرعية لتحرز الخير لديننا ودنيانا.
قال أحدهم:
إنما الغيب كتاب صانه *** عن عيون الخلق رب العالمين
ليس يبدو منه للناس سوى *** صفحة الحاضر حينًا بعد حين
وسنن الله في كونه وشرعه تحتم علينا الأخذ بالأسباب كما فعل ذلك أقوى الناس إيمانًا بالله وقضائه وقدره، وهو رسول الله r فقد أخذ الحذر، وأعد الجيوش، وبعث الطلائع والعيون، وظاهر بين درعين، ولبس المغفر على رأسه، وأقعد الرماة على فم الشعب، وخندق حول المدينة، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة وهاجر هو بنفسه، واتخذ أسباب الحيطة في هجرته.. وأعد الرواحل التي يمتطيها، والدليل الذي يصحبه، وغير الطريق، واختبأ في الغار، وتعاطى أسباب الأكل والشرب، وادخر لأهله قوت سنة، ولم ينتظر أن ينزل عليه الرزق من السماء، وقال للذي سأله: أيعقل ناقته أم يتركها ويتوكل اعقلها وتوكل «رواه ابن حبان بإسناد صحيح عن عمرو بن أمية الضمري ورواه ابن خزيمة والطبراني بإسناد جيد بلفظ قيدها وتوكل» وقال: «فر من المجذوم فرارك من الأسد» «رواه البخاري» وقال: «لا یوردن ممرض على مصح» «رواه البخاري»، أي لا يخلط صاحب الإبل المريضة إبله بالإبل السليمة، اتقاء العدوى.
د- الإيمان بالقدر إذن لا ينافي العمل والسعي والجد في جلب ما نحب، واتقاء ما نكره فليس لمتراخ أو كسلان أن يلقي على القدر كل أوزاره وأثقاله، وأخطائه وخطاياه، فهذا دليل العجز والهرب من المسؤولية، ورحم الله الدكتور محمد إقبال إذ قال: «المسلم الضعيف يحتج بقضاء الله وقدره، أما المسلم القوي فهو يعتقد أنه قضاء الله الذي لا يرد، وقدره الذي لا يغلب» وهكذا كان المسلمون الأولون يعتقدون.
في معارك الفتح الإسلامي دخل المغيرة بن شعبة على قائد من قواد الروم فقال له: من أنتم؟ قال: نحن قدر الله، ابتلاكم الله بنا، فلو كنتم في سحابة لصعدنا إليكم، أو لهبطتم إلينا.
ولا ينبغي أن يلجأ الإنسان إلى الاعتذار بالقدر إلا حينما يبذل وسعه، ويفرغ جهده وطاقته، وبعد ذلك يقول: هذا قضاء الله.
غلب رجل آخر أمام النبي (صلى الله عليه وسلم) ، فقال المغلوب: حسبي الله فغضب النبي، ورأى ظاهر هذه الكلمة إيمانًا، وباطنها عجزًا، فقال: «إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر فقل حسبي الله» رواه داوود.
هـ- ثمرة الإيمان بالقضاء والقدر
من ثمرته -حينما يبذل الإنسان كل ما تحت يده، ويرتقب ما في يد الله -أن يهبه المضاء في موقف اليأس، والعزيمة في مجال الكفاح، والشجاعة ساعة الخطر، والصبر عند الصدمة، والرضا بالكسب الحلال عند تفاوت الحظوظ الدنيوية.
إنه سيقول عند الكفاح: ﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (التوبة: ٥١)
وسيقول عند المعركة: ﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ﴾ (آل عمران: ١٥٤)
وسيقول عند المصيبة: قدر الله وما شاء فعل.
وسيقول للسلطان الجائر: إنك لن تقدم أجلي، ولن تحرمني رزقًا هو لي.
إن عقيدة القدر إذا فهمت على وجهها الصحيح تستطيع أن تخلق من أمتنا أمة مجاهدة صامدة، جديرة بأن تقود زمام التاريخ.
تحقيق في فتوى
جسد الشهيد
لا علاقة بين حياة الشهداء بعد موتهم وتشوه أجسادهم نتيجة القتل أو التمثيل
لم يسلم جسد حمزة سيد الشهداء من التشوه.. وأكلت السيوف جسد أنس بن النضر
يحفظ الله أجساد البعض كرامة لهم ولكن ليس بلازم حفظ أجساد جميع الشهداء
حدثت مسألة في فلسطين مؤخرًا، راج الحديث فيها، وتكلم الناس حولها، واضطرب فيها من اضطرب، وهي مسألة تحلل جثث الشهداء، وما أصاب هذه الجثث الطاهرة من عوامل البيئة نتيجة تركها في العراء، وتحت الركام أيامًا، في ظروف صحية غير مناسبة كما حصل في مخيم جنين الباسل والبلدة القديمة بنابلس الأبية، حيث ارتكب اليهود -لعنهم الله المذابح- وتأخر دفن بعض الشهداء فتحللت جثثهم، مما أثار بعض الظنون حول ما ورد في فضل الشهيد، واحتار الناس: هل تتحلل جثث الشهداء؟
التحقيق التالي يجيب عن هذه الأسئلة:
في البداية يقول الدكتور أحمد سعيد حوى مدرس الفقه وأصوله: الذي ورد في النصوص أن الله تعالى يحفظ أجساد الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه، وعدا ذلك فليس بالضرورة أن تحفظ أجساد غيرهم، ومع ذلك فإن الله تعالى قد يحفظ أجساد بعض الشهداء والصالحين من غير الشهداء إكرامًا لهم، وعليه فإن جسد الشهيد قد يتحلل كما يجري ذلك لأي ميت آخر، ولا يحكم عليه بعدم نيل الشهادة إذا رأينا ذلك، ومن رأيناه من الشهداء لا يتحلل فتلك كرامة أخرى من الله يكرم بها بعض الشهداء.
وروى البيهقي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: لما أجرى معاوية العين عند قتلى أحد بعد أربعين سنة استصرخناهم إليهم، فأتيناهم فأخرجناهم فأصابت المسحاة قدم حمزة فانبعث دمًا.
حمزة.. وأنس
ويقول الشيخ عمار توفيق بدوي مفتي محافظة طولكرم بفلسطين المحتلة: ما من شك في أن الشهداء في الأمة هم تاج شرفها، ومفخرة مفاخرها، ومعلوم علم اليقين في الإسلام أن الشهداء في المنازل العالية في الجنان عند مليك مقتدر، فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء: ٦٩)
وبالنسبة للقضية المثارة فإنه يلزم توضيح ما يلي:
أولًا: تحدثت عن حياة الشهداء في القرآن الكريم آيتان الأولى في سورة البقرة، قوله تعالى﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: ١٥٤)
والثانية في سورة آل عمران، وهي قوله تعالى ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران: ١٦٩)
أما الآية الأولى فبينت أن الشهداء أحياء حياة لا نشعر ولا نحس بها، فهي حياة خاصة. والآية الثانية أوضحت أن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، والرزق لا يساق إلا للحي، فالميت لا ينتفع برزق يساق إليه.
ثانيًا: لا علاقة مطلقًا بين حياة الشهداء بعد موتهم وتشوه أجسادهم نتيجة القتل أو التمثيل بهم، فسيد الشهداء حمزة لم يسلم جسده الطاهر من التشوه، فبقر بطنه واستؤصل كبده وجدع أنفه وقطعت أذناه فهذا التشوه في جسد الشهيد لا يضيره بشيء، ولا ينقص شهادته، وكذلك الحال مع الصحابي الكريم أنس بن النضر فقد أكلت السيوف جسده وتقطع لحمه على أسنة الرماح، ولم يتمكن أصحابه من معرفة جسده وتشخيص جثته لتشوهه وما عرفه إلا أخته من علامة كانت في بنانه.
فكيف بالشهداء الذين دمرت الصواريخ أجسادهم، ومزق الرصاص الثقيل لحمهم وفحمت القنابل الحارقة جثثهم؟
ثالثًا: أما تحلل جثث الشهداء، فلا نجد دليلًا صحيحًا يدل على أنها لا تتحلل أو لا تأكلها الأرض. والدليل الصحيح يدل على أن أجساد الأنبياء فقط هي التي لا تتحلل قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم السلام» «رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارمي وابن خزيمة».
على أن جسد الشهيد قد يتحلل ويذوب ما قاله (صلى الله عليه وسلم) عندما رأى جسد حمزة : «لولا أن تحزن صفية لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير».
رابعًا: واقع الحال في جثث الشهداء أنه من الجثث ما سلم في الأرض من التحلل وبقي على هيئته، وهذه كرامة من الله تعالى يختص بها من يشاء من عباده، وهناك جثث تتحلل في الأرض وتتغير، وهذا لا يقدح في الشهادة بشيء.
أما أمثال الشهداء الذين لم تأكل الأرض أجسادهم، فمنهم عبد الله بن حرام والد سيدنا جابر رضي الله عنهما.. قال: إنه أخرج والده من قبره بعد ستة أشهر من دفنه فوجده كهيئته يوم دفن غير أذنه، قد تغيرت
وكذلك في زمن معاوية بن أبي سفيان جرفت عين الماء قبور الشهداء فكانت جثثهم كأنهم دفنوا بالأمس. وهذا من الكرامة الخاصة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل