العنوان السببية في فقه السنن الإلهية
الكاتب د. فتحي يكن
تاريخ النشر السبت 24-مارس-2001
مشاهدات 64
نشر في العدد 1443
نشر في الصفحة 66
السبت 24-مارس-2001
عندما خلق الله الكون والإنسان والحياة، جعل لها نواميس وسنناً ثابتة تحكم كل شيء، ويجري كل شيء وفقها ﴿سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 62)، ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ (فاطر: 43)
فكل ما يقع من أحداث في الكون والإنسان والحياة إنما يكون نتيجة لها، وليس نتيجة الصدفة التي يتذرع بها الماديون الذين لا يردون الأمور إلى الله عز وجل وإلى سننه الجارية بأمره، سواء كان ذلك نتيجة التزامها أو مخالفتها.
فالسعادة والشقاء والعز والذل والقوة والضعف.. والنصر والهزيمة والوحدة.. والتفكك.. والرقي.. والتأخر وكل ما شاكل ذلك إنما هو نتيجة التعامل مع هذه السنن.
فالأخذ بأسباب السعادة من شأنه أن يحققها وبدونها يحل الشقاء حتمًا.. وهكذا بالنسبة لما شابهها من عزة وقوة ونصر ووحدة ورقي... إلخ.
في ضوء ذلك يصبح الإيمان بقانون السببية والأخذ به فريضة شرعية، لأن خلاف ذلك يعني عدم الأخذ بالأسباب، كما يعني القعود والجمود والتواكل، مما يرفضه الإسلام وتأباه سنن الله تعالى في خلقه.
إن وراء هلاك الأمم أسبابًا كثيرة، من ذلك ما أشار الله إليه في كتابه حيث يقول: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ (الكهف: ٥٩)، فوقوع الظلم هنا هو سبب الهلاك. وفي قوله تعالى ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةًۭ ضَنكًۭا وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَعْمَىٰ﴾ (طه: 12)، إشارة إلى أن شقاء المعيشة في الدنيا وسوء العذاب يوم القيامة سببه الإعراض عن شرع الله تعالى.
وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: 45- 46)، إشارة إلى أن الفشل والهزيمة وذهاب الأثر جاء نتيجة عدم الثبات، وكذلك الغفلة عن ذكر الله إضافة إلى النزاع والخصام وهي كلها أسباب بينة وظاهرة ومعتبرة.
وفي قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا قَرْيَةًۭ كَانَتْ ءَامِنَةًۭ مُّطْمَئِنَّةًۭ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًۭا مِّن كُلِّ مَكَانٍۢ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ﴾ (النحل: 112) إشارة إلى أن حالتي الجوع والخوف اللتين نزلتا بالقرية المذكورة كانتا بسبب الكفر بأنعم الله تعالى وانعدام شكره عليها، وصدق تعالي حيث يقول: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌَ﴾ (إبراهيم:7)
إنه من خلال هذه الرؤية الإسلامية يمكن جلاء خلفية الأحوال، وقراءة الأحداث الجارية والواقعة في حياة الناس أفرادًا وجماعات وشعوبًا ودولاً ومجتمعات ثم إن الأسباب الكامنة وراء الأحداث نوعان:
الأول: مادي حسي كالأخذ بأسباب القوة التي حضت عليها الآية الكريمة ﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍۢ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦعَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: ٦٠). وكما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ (الأنفال: ٦٥). وقوله: ﴿وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ (النساء: ۱۰۲) وكإتقان العمل الذي جاء التأكيد عليه في قوله إن الله يحب من أحدكم إذا عمل العمل أن يتقنه والإتقان هنا مطلوب بالإطلاق في كل الأعمال، كما في جوانبها المختلفة التي تحقق الإتقان بالعزيمة المستطاعة.
الثاني: إيمان معنوي كالشطر الأخير في قوله تعالى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ﴾ (آل عمران: ١٥٩).
والتوكل هنا جاء ترتيبه بعد استنفاد كل جهد وعزيمة في الأخذ بالأسباب الحسية المادية.
ثم إن واجب التوكل على الله يجب ألا يلغي واجب الأخذ بالأسباب، فكلاهما واجب في ماهيته ودوره.. وكما أن شديد التوكل مطلوب فإن عزيمة الاستعداد والإعداد مطلوبة كذلك، وإلى هذه الحقيقة والمعادلة كانت قولة الفاروق عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- للرجل الذي بقي في المسجد يهمهم بالقرآن وقد انصرف الناس إلى أعمالهم وأشغالهم وتجاراتهم «قم لا تمت علينا ديننا أماتك الله».
وثمة حقيقة مهمة يجب أن تكون ملحوظة ومحتسبة لدى قراءة الأحداث في ضوء السنن الإلهية وهي أن إمداد الله تعالى إنما يتحقق ويقع في حال الأخذ بالسببين المعنوي والمادي جهد المستطاع، فإن حدث خلل وتقصير في إحداهما انعكس سلبًا على النتيجة.. وفي وصية عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- لسعد ابن أبي وقاص ما يصيب كبد هذه الحقيقة.. ففي مقطع من مقاطعها يقول: وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة لأن عددنا ليس كعددهم ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا.
قراءة عملية ميدانية لواقع الصراع مع العدو الصهيوني قبل انتفاضة الأقصى وبعدها:
إن الأحداث الجارية اليوم على أرض فلسطين لم تأت من فراغ، ولم تقع صدفة، فمنطق الصدفة هذا مرفوض في الشرائع السماوية، والأحداث دائمًا تصنعها أسباب وهي محصلتها ونتاجها.
قبل الانتفاضة كان منطق المفاوضة هو المعتمد، ولم يؤد ومنذ مدريد إلا إلى المزيد من التداعيات والتنازلات والضعف في الموقف العربي كان من أسبابه: -طبيعة العقلية الصهيونية التي لا ترضخ إلا للقوة ولا تعبأ بعهود ومواثيق.
-الواقع العربي المفكك بنية المتخلف عقلية المنهار اقتصاديًا، والفارغ والمضطرب عقائديًا.
-ارتهان الإرادة والسياسة العربية للدول الكبرى وفي مقدمها الولايات المتحدة المنحازة دائمًا للكيان الصهيوني.
-ضعف النبض الوطني والتحرري المقاوم نتيجة الوهم الكبير الذي زرعته وسوقته وروجت له أنظمة عربية على مدى نصف قرن من خلال وصف العدو بالأسطورة التي لا تقهر كما من خلال سياسة القمع ومصادرة الحريات العامة..
كان هذا قبل الانسحاب الصهيوني من جنوب لبنان وقبل اندلاع انتفاضة الأقصى التي حققت التالي: إرباك الكيان الصهيوني، وإسقاط منطق المفاوضات، وتحريك الشارع العربي وامتلاك ورقة قوية قادرة على إملاء مواقفها على المنظمات الدولية والدول الكبرى والرأي العام العالمي.
وأملنا أن تكون بداية زوال الكيان العنصري.