العنوان (الافتتاحية)السبع الكبار... ومصالح العالم الإسلامي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يوليو-1994
مشاهدات 235
نشر في العدد 1108
نشر في الصفحة 5
الثلاثاء 19-يوليو-1994
جاءت المناقشات والتوصيات الختامية لقمة الدول الصناعية السبع الكبرى التي تضم الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان وإيطاليا في نابولي في الأسبوع الماضي لتؤكد على استمرار السياسة الاقتصادية الغربية في استنزاف مقدرات الشعوب الفقيرة، وزيادة أعبائها وديونها وتبعيتها للدول الكبرى.
فالبيان الختامي حينما تحدث عن إنعاش الاقتصاد العالمي كان يوحى بأن الهدف النهائي يتمثل بالدرجة الأولى في إنعاش اقتصاد الدول الصناعية الرئيسية ومحاربة مشكلة البطالة فيها، أما الأزمات المالية والاقتصادية التي تعصف بالدولة النامية والفقيرة، ونسبة البطالة المرتفعة التي يزيد أصحابها عن 800 مليون عاطل فلم يكن لها محل في نقاشات الكبار من قريب أو من بعيد، كما أن توصية« نادي باريس» التي تقضي بإلغاء جزء كبير من ديون الدول النامية بحد أقصى يعادل ثلثي حجم المديونيات المستحقة على الدول الفقيرة المدينة، فقد أكد المراقبون على أنها خدعة من الدول الكبرى لأن الدول المعنية بهذه التوصية بلغ حد الفقر فيها ألا يجد الإنسان فيها ما يأكله، فضلًا عن أن الدول الدائنة قد استنزفت مقدرات هذه الدول الفقيرة وثرواتها وحصلت على ديونها من خلال الفوائد الكبرى التي فرضتها عليها، ومطالبتها بتخفيض عملتها مرات عديدة حتى أصبحت لا تساوي قيمة الورق الذى تطبع عليه، وبالتالي فلم تعد لهذه الدول قدرة من قريب أو بعيد على تسديد ديونها أو حتى تسديد الفوائد، ومن ثم فإن التوصية التي أقرها الكبار ليست سوى لعبة سياسية مثل الألاعيب الكثيرة التي يمارسونها ضد شعوب الدول الفقيرة الكادحة.
كذلك جاءت مواقف السبع الكبار من قضايا العالم الإسلامي خاصة ما يتعلق بالبوسنة وفلسطين لتؤكد على إقرار الغرب بجريمة الصرب في تمزيق البوسنة وإجبار المسلمين على القبول بسياسة الأمر الواقع وأن الخريطة الأخيرة التي تمنح المسلمين والكروات 51% من مساحة البوسنة والصرب المعتدين 49% هي ما يجب على الجميع القبول به وجاء تصريح كلينتون فيما يتعلق برفع الحظر على مسلمي البوسنة وأنه آخر شيء ليؤكد أن الولايات المتحدة غارقة في اللعبة الأوروبية فيما يتعلق بالبوسنة وأن مراعاة الولايات المتحدة لمصالحها مع أوروبا أهم من البوسنة وشعبها.
وإن التهديدات الثورية التي كان يطلقها كلينتون ومعاونوه للصرب طوال العامين الماضيين لم تكن سوى شعارات للاستهلاك وتخدير العالم الإسلامي. كما جاء التغيير المفاجئ لموقف الولايات من أحداث الجزائر بعد المفاوضات التي أجراها كلينتون مع ميتران ليؤكد سياسة الدول الكبرى في تقديم المصالح على المبادئ وإن الخطاب الأمريكي السابق للحكومة الجزائرية بإجراء الحوار لم يكن سوى مناورة مع فرنسا التي تعتبر الجزائر ضمن نطاق نفوذها، وان مراعاة كل دولة لنفوذ ومصالح الدولة الأخرى هي السياسة القائمة في النهاية، أما مطالبة الدول الكبرى للدول العربية برفع المقاطعة عن إسرائيل في الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل انتهاك جنوب لبنان وممارسة اعتداءاتها واستمرار اغتصابها لفلسطين المحتلة فإنما هي مطالبة غير عادلة وتدخل في نطاق الانحياز الكلي والكامل للدول الغربية إلى جوار إسرائيل دون أي مراعاة للدول العربية والإسلامية ومصالحها وأن هذا تأكيد لاستمرار سياسة الكيل بمكيالين خاصة في استمرار فرض الحظر على الشعب الليبي في نفس الوقت الذي يطالبون فيه برفع المقاطعة عن إسرائيل.
ولم يبد الكبار قلقهم على شيء سوى على مفاعل تشيرنوبيل ومحطات الطاقة الذرية النووية في أوكرانيا ليس لخطرها على الشعب الأوكراني، ولكن لخطرها على أوروبا.
لقد بات قادة الدول الكبرى يؤكدون في كل مناسبة أن مصالح دولهم هي الأصل وأن بقية دول العالم يجب أن تستمر في كدها وشقاء شعوبها حتى توفر الرفاهية للكبار، وإذا كنا لا نوجه اللوم لأي دولة تسعى لرفاهية شعبها ومصالحه فإن اللوم يوجه إلى أسلوب الاستنزاف والابتزاز الذي تقوم به الدول الغنية للدول الفقيرة كما يوجه كذلك اللوم للدول الفقيرة على استكانتها وخنوعها وانتظارها الدائم والمستمر لما يمن به الكبار عليهم كل عام في أعقاب قمتهم من فتات الموائد وتوصيات الخداع.
وتبقى مصالح العالم الإسلامي بحاجة إلي صوت عال يرفعها وينادي بها، فالشعوب الإسلامية تمتلك ما تستطيع به أن تجبر الدول الكبرى على احترامها وتقدير مصالحها، ولكن متى وكيف ومن يسلك هذا الطريق؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل