; تلاميذ المعلم يعقوب يحتفلون بذكرى 200 عام على الحملة الفرنسية على مصر.. السجل الأسود لحملة نابليون | مجلة المجتمع

العنوان تلاميذ المعلم يعقوب يحتفلون بذكرى 200 عام على الحملة الفرنسية على مصر.. السجل الأسود لحملة نابليون

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر الثلاثاء 28-أبريل-1998

مشاهدات 63

نشر في العدد 1297

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 28-أبريل-1998

  • جوانب الفكر في الحملة الفرنسية كانت دائمًا في خدمة المدفع والبارود.. وذروة الشذوذ في الوطنية أن يحتفل نفر باغتصاب أرضهم!
  • الاحتلال الفرنسي يمثل لمصر والعالم الإسلامي أقدم موجات الاستعمار.. وحملة لويس التاسع تمثل ريادة الاستعمار الفرنسي لسياسة التحالف ضد الشرق.
  • لو كانوا حقًا يحتفلون بالمطبعة والمجمع العلمي وإقامة العلاقات الثقافية لجعلوا الاحتفال في ذكرى الجلاء الفرنسي أو في مناسبة فك رموز حجر رشيد.
  • مع الحملة الفرنسية بدأ اختراق القانون الغربي لمناطق سيادة الشريعة الإسلامية حتى أجلاها عن أغلب ميادين التشريع والقضاء ببلادنا.
  • على يدها تخلفت بواكير الخيانة والاختراق للأمن القومي والحضاري من خلال ثغرة الأقليات.. ولا نزال نعاني من هذا «الإنجاز» الفرنسي حتى الآن.
  • الكيان الصهيوني بدأ مشروعًا فرنسيًّا وارتاد ميدان الدعوة إليه بونابرت إبان حملته على مصر والشام.
  • ديوان المشورة لم يكن هدفه تدريب الشعب على حكم نفسه وإنما إذلال الأمة بتحكم الأقلية الخائنة فيها.
  • مطبعة البروباجندا.. جاء بها نابليون لطبع بيانات التضليل للشعب المصري التي زعم فيها أنه مسلم أكثر من المماليك.. والمجمع العلمي جاء ليدرس الواقع المصري حتى يستطيع الغزاة المستعمرون السيطرة عليه.
  • القنصل الفرنسي دي لتينو: إنشاء المدراس اليسوعية هو السبيل لجعل البربرية العربية تنحني لا إراديًّا أمام الحضارة المسيحية الفرنسية!

 

في «الوطنية» -كما في «الدين»- هناك أمور «معلومة بالضرورة»، لا تختلف فيها ولا عليها بصائر ذوي التمييز من العقلاء... ذلك لأن الوطنية الصحيحة، مثلها كمثل التدين الصحيح فطرة فطر الله الناس عليها... وعن الفطرة الدينية حدثنا القرآن الكريم عندما قال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سورة الروم: 30)...

وعن فطرة الوطنية علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حبه لوطنه -مكة- حتى وهي على الشرك، الذي حاصر دعوته، واضطهد المؤمنين بها، بل استفز هؤلاء المؤمنين ليخرجهم من وطنهم فقال صلى الله عليه وسلم يناجي هذا الوطن -مكة- في لحظة الفراق، يوم الهجرة: «والله إني أعلم أنك أحب البلاد إلى الله، وأحب البلاد إلى نفسي، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت»!.

ومع مطلع عصرنا الحديث، ظهرت طلائع الأناشيد الوطنية، التي نظمها علماء الإسلام، فتحدثت عن فطرة الوطنية... ومنها ما نظمه الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي (1216 – 1290هــ 1801 – 1873م) عندما قال:

من أصل الفطرة للفطن * بعد المولى حب الوطن

هبة من الوهاب بها * فالحمد لوهاب المنن[1]

ومن فطرة الوطنية -التي اتفق عليها العقلاء، من كل الشعوب وجميع الحضارات ومختلف الديانات، على مر الأزمان، الفرح بالانتصارات الوطنية والاحتفال بها، وإحياء ذكرياتها- والحزن للهزائم والانتكاسات، والاعتبار بها... والمسلمون لا يزالون يحتفلون حتى اليوم بانتصارات الدولة الإسلامية الأولى يوم بدر (2هــ 624م) وبفتح مكة (8هــ 630م)، وبانتصارات القادسية (15هــ 636م)، واليرموك (15هــ 363م)، والإسكندرية (20هــ 641م)، وحطين (583هــ 1187م)، وعين جالوت (658هــ 1260م)، والقسطنطينية (857هــ 1453م)، والعاشر من رمضان (1393هــ السادس من أكتوبر 1973م)، فالاحتفالات الوطنية إنما تكون بالانتصارات، لا بالهزائم والانتكاسات.

وهذه الفطرة الوطنية السوية ليست خصيصة إسلامية ولا شرقية... وإنما هي فطرة إنسانية... فالفرنسيون لا يزالون يحتفلون بتراجع مسلمي الأندلس في موقعة «بواتييه» بلاط الشهداء (732هــ)... والنمساويون لا يزالون يحتفلون بتراجع الجيش العثماني عن أسوار «فيينا» (1094هــ 1683م)... بل لقد أقام الغرب الدورة الأولمبية - في «برشلونة» 1992م احتفالًا بانتصار الإسبان على المسلمين في الأندلس، وإسقاط «غرناطة» (897هــ 1492م) قبل خمسمائة عام!!.

وكذلك الحال عند الصهاينة، الذين بلغوا في الشذوذ عن الفطرة السوية حتى ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ (سورة البقرة: 93)، نراهم يبكون على هدم المعبد -ولا يحتفلون به- وإنما يحتفلون بانتصارهم على العرب، وإقامة دولتهم عام 1948م.

والهنود، الذين تتلمذوا -بقيادة قديسهم غاندي (1896 – 1948م)- على الثورة المصرية التي قادها سعد زغلول (1273 – 1346هــ 1857 – 1927م) في سنة 1919م.. لم يشذوا -رغم تقديسهم للبقر- عن هذه الفطرة الوطنية السوية، فاحتفلوا سنة 1997م بالعيد الخمسين للاستقلال عن بريطانيا... ولم يحتفلوا بذكرى الاحتلال الإنجليزي لبلادهم، رغم أنهم قد أخذوا عن هذا الاستعمار: اللغة... والقومية... والعلمانية... والكثير من الآداب والفنون والعلوم... بل لقد بلغوا -إبان احتفالاتهم بذكرى الاستقلال- إلى الحد الذي اشترطوا فيه على ملكة إنجلترا -، وهي تحضر احتفالاتهم- أن تعتذر -رسميًّا- لشعب مدينة «أمرستار» المقدسة لديهم، عن المذبحة التي ارتكبها الجيش الإنجليزي الاستعماري في هذه المدينة سنة 1919 م، إذا أرادت الملكة أن تزور «أمرستار»!.

قمة الغرابة

لذلك.. يصبح الشذوذ عن هذه الفطرة الإنسانية في الوطنية شيئًا غريبًا... بل غير مسبوق في تاريخ الوطنية بإطلاق... وانقلابًا على السلوك الإنساني الذي تعارفت عليه وأجمعت القبائل والأمم والشعوب... فلا أحد يحتفل بذكرى اقتحام اللص لمنزله، أو اغتصاب أرضه، أو انتهاك عرضه، أو سلب سيادته على وطنه... اللهم إلا هذا النفر من شواذ المثقفين الفرانكفونيين -بمصر- الذين ساروا في الركاب الفرنسي، وقرروا الاحتفال -على امتداد عامين- بمائتي عام على حملة نابليون بونابرت (1769 – 1821م) على مصر (1213هــ 1798م)!، محاولين ستر هذا العوار والشذوذ بادعاء أنهم إنما يحتفلون بالعلاقات الثقافية مع فرنسا، وليس بالغزوة الاستعمارية...

يحتفلون بالمطبعة والمجمع العلمي وليس بالمدفع والبارود!... ولو صدقوا في هذا الادعاء، لكان احتفالهم مبادرة ذاتية منهم، بدلًا من أن يأتي استجابة ذليلة لأحفاد الغازي نابليون... ولو كان لادعائهم ظل من الحقيقة لجعلوا هذا الاحتفال في ذكرى الجلاء الفرنسي عن مصر 1801م -كما صنع ويصنع كل البشر- حتى الذين أُشربوا في قلوبهم العجل، والذين يقدسون البقر! -أو لجعلوا الاحتفال في ذكرى فك العالم الفرنسي «شمبليون» (1790 – 1832م) الرموز اللغوية في «حجر رشيد» (1242هــ 1827م)... أو مثل هذه المناسبات الثقافية «الفرنسية - المصرية»، بدلًا من أن يجعلوا شهر يوليو 1998م -وهو شهر بداية الاحتلال الفرنسي لمصر سنة 1798م- بداية هذه الاحتفالات، التي أرادها الفرنسيون -ومعهم شواذ الفرانكفونيين المصريين- لمدة عامين، التي هي مدة الاحتلال!!.

بل إن شذوذ هذه الاحتفالات -والقائمين بها- عن «المعلوم من الوطنية بالضرورة»، ليتزايد إذا نحن علمنا أن هذا الاستعمار الفرنسي -الذي يحتفلون به- ليس استعمارًا عاديًّا كسواه من ألوان البلاء الاستعماري، الذي ابتلي به كثير من الشعوب، وإنما هو قمة البلاء الاستعماري، لأن الاستعمار الفرنسي على وجه الخصوص لم يكتف -عادة- بما اكتفى به كثير من المستعمرين، من: احتلال الأرض، ونهب الثروة، وسلب الحرية، وإذلال الكرامة... وإنما تجاوز -عادة- هذه المقاصد الاستعمارية حيث ذهب إلى لمحو الهوية الدينية واللغوية للشعوب التي ابتليت باستعمارهم، فتعدى نطاق «الإمبريالية» إلى نطاق القتل والإبادة لتميز الشعوب المستعمرة عن فرنسا... لقد أرادوه قهرًا ومحوًا «للذات» وليس فقط اغتصابًا «للإمكانات»!.

بل لقد يدهش الذين لا يقلبون صفحات التاريخ القديم إذا هم علموا أن الاستعمار الفرنسي قد مثل بالنسبة لمصر ووطن العروبة وعالم الإسلام أقدم موجات الاستعمار الأوروبي، وليس فقط أقسى وأخطر وأسوأ هذه الموجات!

  • فحملات الغزوات الصليبية -التي استمرت على بلادنا العربية قرنين من الزمان والتي مثلت- بما أقامت في بلادنا من استعمار استيطاني، وممالك وإمارات وقلاع وحصون، وتهديد لمقدسات الإسلام في الحرمين المكي والنبوي، فضلًا عن اغتصاب الأقصى وتحويله إلى كنيسة، واحتلال القدس الشريف... إلخ- هذه الحملات الصليبية بدأت مشروعًا استعماريًّا فرنسيًّا.

فمن جنوبي فرنسا -بمدينة «كليرمونت»- بدأت هذه الغزوة، عندما دعا البابا الذهبي «إربان الثاني» (1088 – 1099م) أمراء الإقطاع وفرسانهم، وخطب فيهم - داعيًّا إلى أن يتخذوا الإسلام والشرق عدوًا، يوجهون إليهما طاقاتهم وغرائزهم العدوانية، بدلًا من توجيهها في صراعاتهم الداخلية!! -فقال لهم:

«أنتم فرسان أقوياء، ولكنكم تتناطحون وتتنابذون فيما بينكم- ولكن، تعالوا وحاربوا الكفار -أي المسلمين- !!... يا من تنابذتم اتحدوا... يا من كنتم لصوصًا كونوا الآن جنودًا... تقدموا إلى بيت المقدس... انتزعوا تلك الأرض الطاهرة، واحفظوها لأنفسكم، فهي تدر سمنًا وعسلًا!!، إنكم إذا انتصرتم على عدوكم ورثتم ممالك الشرق»!.[2]

فمن فرنسا بدأ أول مشروع أوروبي لتوحيد حتى اللصوص لمواجهة الإسلام والمسلمين، ووراثة ممالك الشرق، التي «تدر سمنًا وعسلًا»!.

وعندما اقتحمت هذه الغزوة -التي انطلقت من فرنسا- مدينة القدس (492هــ 1099م) أبادت من بها من المسلمين، حتى الذين احتموا ببيوت الله، سفكوا دماءهم، حتى لقد سبحت خيول الصليبيين بدماء الأبرياء في مسجد عمر بن الخطاب -مسجد قبة الصخرة- .... وكتب هؤلاء البرابرة -أجداد نابليون بونابرت- إلى البابا الذهبي -في فرنسا- يفاخرون بما صنعوا، فقالوا: «إذا أردت أن تعرف ما يجري لأعدائنا، فثق أنه -في جامع عمر- كانت خيولنا تغوص إلى ركبها في بحر دماء الشرقيين».[3]

وبكلمات شاهد عيان -في مصدر نصراني- «فلقد استوعب المسجد من الدم المحتقن فيه كفى بحر متموج»!.[4]

  • ومن بين الحملات الصليبية -التي انطلقت من فرنسا- بقيادة أمرائها وملوكها -تميزت حملات وحروب الملك- القديس -لويس التاسع (1214 – 1270م).... وكان لويس التاسع هو مكتشف المنهاج الذي سار عليه نابليون بحملته على مصر!... المنهاج الذي يرى أن مصر هي بوابة الشرق، وطريق القدس الشريف... فاحتلال مصر هو الشرط لاستعادة القدس -التي سبق أن حررها من الاستعمار الصليبي صلاح الدين الأيوبي (532 – 589هــ 1137 – 1193م)- ولقد عبر المؤرخ «ابن واصل» (604 – 697هــ 1208 – 1298م) في كتابه «مفرج الكروب في أخبار بني أيوب» عن هذا المنهاج -الذي سلكه لويس التاسع... ومن بعده نابليون- فقال عن «القديس» لويس: «إنه كان متدينًا بدين النصرانية، مرتبطًا به... فحدثته نفسه أن يستعيد البيت المقدس إلى الفرنج... وعلم أن ذلك لا يتم له إلا بملك الديار المصرية»!.[5]

وعندما نقرأ الإنذار الذي وجهه «القديس» لويس التاسع إلى الملك الأيوبي الصالح نجم الدين أيوب نجد الحقائق الكاشفة عن دور فرنسا في ذلك الصراع... فهو يتحدث عن نفسه باعتباره ممثل النصرانية الغربية -«أمين الأمة العيسوية»... ويكشف عن دور فرنسا في الصراع ضد الإسلام، لا في الشرق فحسب، وإنما في الأندلس أيضًا... فيقول: « ... وإن أهل جزائر الأندلس يحملون إلينا الأموال والهدايا، ونحن نسوقهم سوق البقر! ونقتل منهم الرجال، ونرمل النساء، ونستأسر البنات والصبيان، ونخلي منهم الديار»!!...[6]

فحرب فرنسا ضد الإسلام كانت قائمة وشاملة في المشرق والمغرب على السواء.

  • وإذا كانت حملة لويس التاسع قد انكسرت على أرض «المنصورة» -بدلتا نيل مصر... بل وقع «أمين الأمة العيسوية» أسيرًا (648هــ 1250م)... فإن عهد هذا الملك وسنوات حملته الصليبية قد شهدت ريادة الاستعمار الفرنسي لبواكير الأحلاف غير المقدسة بين الاستعمار الغربي وبين الوثنية -حتى الوثنية- إذا كانت المواجهة مع الإسلام والمسلمين... فعلى درب «يهود خيبر» -الذين تحالفوا مع مشركي مكة- عبدة الأوثان -ضد التوحيد الإسلامي ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا  أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ (سورة النساء: 51,52)... على درب «يهود خيبر» سارت فرنسا، ممثلة في «البابا إينو سنت الرابع» (1243 – 1254م) وفي «القديس» لويس التاسع، عندما سعى البابا إلى التحالف مع المغول الوثنيين ضد الإسلام والمسلمين، فأرسل (643هــ 1245م) إلى بلاط خاقان المغول -في «قراقورم»- بعثة رأسها أحد رجالاته -«جون ده بياني كابريني»- لإقناع المغول -الذين كانوا يفكرون في غزو أوروبا- بالتحالف مع الصليبيين، وتوجيه غزوتهم المدمرة إلى عالم الإسلام! وتواصلت المفاوضات بين الطرفين سنة 1252هــ -أي حتى بعد هزيمة حملة لويس التاسع على مصر... حتى تم التحالف اللا مبدئي... فزحف المغول على بغداد فدمروها (656هــ 1258م) ثم دمروا بلاد المشرق، وهددوا الوجود الإسلامي في جملته، لولا أن قيَّض الله لمصر هزيمتهم في «عين جالوت» (658 هــ 1260م).

بل إن هزيمة لويس التاسع في مصر لم تنه أحلامه الصليبية الاستعمارية، فذهب على رأس حملة أخرى لغزو تونس، حيث هزم وقضى نحبه هناك (669هــ 1270م).

  • وبعد نجاح البرتغاليين -عقب سقوط غرناطة- في الالتفاف حول العالم الإسلامي -أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر- .... وعندما بدأت أوروبا تفكر في ضرب قلب العالم الإسلامي -مصر والوطن العربي- لم تجد أوروبا -يومئذ- أفضل من فرنسا لتقود وتبدأ هذا الإنجاز الاستعماري... فالفيلسوف الألماني «ليبنتز» (1646 – 1716م) عندما كتب كتابه الذي وصف فيه واقع مصر الاقتصادي والعسكري والاجتماعي والديني -سنة 1672م- ليغري أوروبا باستعمار مصر -وسمى هذا الكتاب «المخطوط السري لغزو مصر»- لم يجد هذا «الفيلسوف» منفذًا لمشروعه الاستعماري أفضل من ملك فرنسا لويس الرابع عشر (1638 – 1715م)... فقدمه إليه -رغم ما كان يومئذ بين ألمانيا وفرنسا من تناقضات ومحاربات- لأن الجميع -في مواجهة الإسلام والمسلمين- هم على قلب رجل واحد... كل النصرانية الغربية.... وجميع المذاهب النصرانية... وسائر القوميات الأوروبية... بل حتى التحالف مع الوثنية المغولية البربرية... كل ذلك وارد و«مشروع» في مواجهة الإسلام.

ولقد كان هذا «المخطوط السري لغزو مصر» دليل نابليون بونابرت (1769 – 1821م) وحملته الفرنسية على مصر... بل وما كان كتاب «وصف مصر» -الذي وضعه علماء الحملة الفرنسية- إلا الصورة المتطورة لهذا المخطوط.. فالمقصد والمراد هو وصف الواقع لاحتلاله ونهب ثرواته، ودراسة عقل الأمة وفكريتها وعاداتها وتقاليدها وأعرافها ومواريثها، لتدبير كيفية التعامل معها، ليتأيد ويتأبد هذا الاحتلال!

حملة نابليون على مصر:

ليست مهمة هذه الصفحات حكاية وقائع الاحتلال العسكري الفرنسي لأرض مصر.... والذي قام الفرنسيون -لتحقيقه- بقتل ثلث مليون مصري -في وقت كان تعداد مصر لا يتجاوز 2,460,000 نسمة... وهدموا الكثير من القرى- التي ثارت جميعها ضد جيش الاحتلال -والعديد من أحياء المدن، التي تنافست في المقاومة للغزاة... حتى لقد كان للعميان- في الأزهر الشريف -ثورتهم الخاصة، والتي قدموا فيها وفي أعقابها العديد من الشهداء!... الأمر الذي جعل بونابرت -وهو الذي دوخ أوروبا- يهرب من مصر بليل... وجعل خليفته الجنرال «كليبر» (1753 - 1800م) يلقى مصرعه بمصر... أما ثالثهم - الذي خلف «كليبر» -وهو الجنرال «منو» فلقد اضطر للاحتماء بالإسلام، فأعلن إسلامه- وسمى نفسه «عبد الله»، وتزوج مصرية من مدينة «رشيد»!... لتضطر هذه الحملة -التي جاءت لتحقق أحلام الإسكندر الأكبر (356 – 323 ق - م)، والقديس لويس التاسع... ولويس الرابع عشر... وبابوات فرنسا... «والأمة العيسوية» الغربية... تضطر إلى الرحيل عن مصر (1216 هــ 1801م).

ليست مهمة هذه الصفحات حكاية الوقائع التي اشتهرت في كتب التاريخ... بقدر ما تطمح إلى لفت الأنظار إلى الجوانب الفكرية والحضارية التي قصدت إليها هذه الحملة، ليعرف من لا يعرف أن جوانب الفكر في هذه الحملة الاستعمارية كانت في خدمة المدفع والبارود... بل ربما كانت أخطر من المدفع والبارود!.

تجنيد الأقليات

  • إننا نشكو اليوم -على النطاق العربي والإسلامي- من اختراق الغرب لأمننا الوطني والقومي والحضاري من خلال ثغرات الأقليات -الدينية والقومية- ومحاولاته تحويل هذه الأقليات إلى أوراق ضغط على الحكومات الوطنية، وإلى عقبات أمام مشاريع التغيير والنهوض -القومية منها والإسلامية- بل والوطنية أحيانًا - ... ولقد كان لنابليون وحملته الفرنسية الريادة في هذا الاختراق.

لقد أعلن بونابرت -وهو في طريقه إلى غزو مصر- عن نيته تجنيد عشرين ألفًا من أبناء الأقليات في الشرق، للاستعانة بهم كقبضة ضاربة، وقفاز محلي، ومواطئ أقدام لحملته الاستعمارية وحلمه الإمبراطوري... وبعد احتلاله لمصر، بدأ التنفيذ لهذا المخطط الخطير والكريه... فأغرى نفرًا من «أراذل النصارى» - من الأقباط والطوائف الأخرى... وبخاصة أتباع المذاهب النصرانية الغربية -بالخروج على إجماع الأمة- المسلمين منها والنصارى - فكونوا «فيلقًا قبطيًا» التحق بجيش الحملة الفرنسية، وحارب الشعب المصري مع قوات الاحتلال... وقاد هذا الفيلق «المعلم يعقوب حنا» (1158 – 1216هــ 1745 – 1801م) وهو الذي سماه الجبرتي (1167 – 1237هــ 1754 – 1822م) «يعقوب اللعين»!... و «فيلقًا» ثانيًا من النصارى الأروام قاده «برطلمين يني الرومي» -الذي اشتهر لدى العامة بـ «فرط الرمان».

وكما يقول الجبرتي -مؤرخ العصر وحجته- فإن فيلق المعلم يعقوب قد ضم من شباب القبط بالصعيد نحو الألفين... وشارك هذا الفيلق مع الجيش الفرنسي -الذي قاده «ديزيه»- في «فتح صعيد مصر»!... وتدرج المعلم يعقوب في مراتب الجيش الفرنسي، فمنحه «كليبر» رتبة «كولونيل»، وأنعم عليه «منو» برتبة «جنرال» في مارس 1801م.[7]

فكان هذا أول اختراق استعماري غربي لصفوف الوحدة الوطنية المصرية!... ولقد تم على يد حملة نابليون.

  • وفي «ديوان المشورة» -الذي أقامه «بونابرت»- جعل لهذه الأقليات -غير المسلمة- والتي لا تتعدى نسبتها العددية لمجموع السكان 5% -نصف عضوية الديوان العام والخاص- خمسة من علماء الأزهر، واثنان من التجار المسلمين وسبعة من الأقليات النصرانية -وعندما يضاف إليهم الأعضاء الفرنسيون يصبح المسلمون أقلية ضئيلة العدد والتأثير في هذا الديوان!...[8] فالهدف لم يكن تدريب الشعب على حكم نفسه -كما يزيف المتغربون- وإنما كان إذلال الأمة بتحكم الأقلية الخائنة في مصائرها!.
  • أما الجهاز المالي والإداري -أي الحكومة والسلطة التنفيذية- فلقد اختص بها الفرنسيون هذه الأقليات التي أصبحت سياطًا يلهب بها الفرنسيون ظهور المصريين!..
  • ولم يقف الأمر عند حدود توظيف هذا الاختراق لخدمة المقاصد السياسية والمالية والإدارية... وإنما تعداه إلى توظيف هذه الشريحة -من «أراذل القبط» كما سماهم الجبرتي- لاستفزاز عقيدة الأمة والعدوان على إسلامها!.

فعلى النقيض من محاولات خديعة المسلمين بادعاء «إسلام بونابرت»، ومجيء جيشه لنصرة سلطان المسلمين ضد المماليك!... رأينا الجنرال «كليبر» -كما يقول الجبرتي- يعهد إلى المعلم يعقوب حنا «بأن يفعل بالمسلمين ما يشاء»!...[9] حتى «تطاولت النصارى من القبط ونصارى الشوام -على المسلمين بالسب والضرب، ونالوا منهم أغراضهم، وأظهروا حقدهم، ولم يبقوا للصلح مكانًا؟! وصرحوا بانقضاء ملة المسلمين وأيام الموحدين»!!...[10] فشق الوحدة الوطنية بلغت به الحملة الفرنسية حد استفزاز وتهديد حتى عقيدة الإسلام في مصر.

  • بل إن هذا الاختراق الذي أحدثته الحملة الفرنسية للوحدة الوطنية المصرية، لم تنقض أثاره بهزيمة هذه الحملة، وجلاء جيشها عن مصر (1216هــ 1801م) وتسريح «الفيلق القبطي»... ذلك أن هذه الشريحة -من «أراذل القبط»- كانت بمثابة طليعة تيار «التغريب»، والاستلاب الحضاري والانفصال -الذي سموه «الاستقلال»- عن ماضي مصر وتراثها وهويتها الإسلامية، وعن محيطها العربي والإسلامي... «الاستقلال» عن الذات الحضارية، والإلحاق والالتحاق والتبعية للنموذج الغربي، الذي جاء به الفرنسيون الغزاة.

وإذا كان المعلم يعقوب اللعين، قد غادر مصر -هو وأعوانه- في ركاب الحملة الفرنسية المنهزمة، وعلى السفن ذاتها التي أقلت جنود هذه الحملة... فإن خيبة هذه الحملة البونابرتية، لم تجعل أمال المعلم يعقوب تخيب في أوروبا!... فتوجه «بوصيته» -التي كتبها في مرض موته، على ظهر السفينة التي أقلته من مصر- توجه إلى إنجلترا، لتحل محل فرنسا، ولتسعى للسيطرة على مصر، وإلحاقها بأوروبا -بدلًا من الإمبراطورية العثمانية- فكتب في وصيته عن هذا المشروع يقول:

«توشك الإمبراطورية العثمانية على الانهيار، ولذا فيهم الإنجليز، قبل أن تقع الواقعة، أن يلتمسوا لأنفسهم من الوسائل المؤكدة ما يكفل لهم الإفادة من ذلك الحدث عند وقوعه، فيحققوا مصالحهم السياسية.

وإذا كان من المستحيل عليهم أن يستعمروا مصر -كما استحال ذلك من قبل على فرنسا- فيكفي أن تخضع مصر المستقلة لنفوذ بريطانيا -صاحبة التفوق في البحار المحيطة بها... إن بريطانيا لها من سيادتها البحرية ما يجعلها تستأثر بتجارة مصر الخارجية، ويضمن لها بالتالي أن يكون لها ما تريد من نفوذ فيها... إن مصر المستقلة لن تكون إلا موالية لبريطانيا... ومن ثم فعلى بريطانيا أن تعمل على استقلال مصر... وهذا الاستقلال لن يكون نتيجة وعي الأمة، ولكنه سيكون نتيجة تغيير جبري تفرضه القوة القاهرة على قوم مسالمين جهلاء!... وللدفاع عن هذا الاستقلال... فإن المصريين يمكنهم أن يعتمدوا على قوات أجنبية تعمل لحسابهم، يتراوح عددها بين 12 ألفًا و 15 ألف جندي، يكفون تمامًا لصد الترك عن الصحراء، ولسحق المماليك داخل مصر، إن أي حكومة في العالم أفضل من الاستبداد التركي»![11]

فالوصية اليعقوبية، هي باستقلال مصر عن ذاتها الحضارية، وماضيها وحاضرها الإسلامي، ومحيطها القومي والحضاري، وإخضاعها لنفوذ إنجلترا، لتكون موالية لبريطانيا، التي تستأثر بتجارتها الخارجية... هذا «الاستقلال» الذي تفرضه القوات الأجنبية على المصريين «المسالمين الجهلاء»!... كما قال المعلم يعقوب اللعين!.

هكذا تخلَّقت -على يد الحملة الفرنسية- بواكير الخيانة والاختراق للأمن الوطني والقومي والحضاري، من خلال ثغرة «الأقليات»... ولا نزال نعاني من هذا «الإنجاز» الفرنسي حتى الآن... بل إن موكب الاحتفال الحالي بحملة بونابرت إنما يشي بالامتدادات السرطانية لتراث وأفكار يعقوب اللعين!!

  • وإذا كنا نشكو من اختراق القانون الغربي لمناطق سيادة الشريعة الإسلامية... منذ تسلل هذا القانون -في النصف الثاني من القرن التاسع عشر- إلى «المحاكم القنصلية»... ثم «المحاكم المختلطة» (1292هــ 1875م)... ثم عموم بلواه في القضاء الأهلي على يد الاستعمار الإنجليزي -وفي ظل سلطان اللورد «كرومر» (1841 – 1917م) منذ (1300هــ 1883م)... فإن بواكير هذا الاختراق، الذي زحم شريعتنا الإسلامية وفقهنا الوطني، حتى أجلاهما عن أغلب ميادين التشريع والقضاء ببلادنا الإسلامية... إن بواكير هذا الاختراق قد كانت من أثار الحملة الفرنسية على مصر.

فبعد هزيمة جيش الحملة، وجلائه عن مصر... وبعد موت المعلم يعقوب اللعين -على ظهر السفينة التي أقلته مع جيش الحملة الفرنسية إلى مرسيليا- توجه رفقاء المعلم يعقوب -بقيادة «نمر أفندي»- باسم «الوفد المصري»! -توجهوا إلى مرسيليا... وكتبوا إلى بونابرت، يعرضون عليه العمل على إحلال القانون الفرنسي محل الشريعة الإسلامية في مصر... فبعد حديثهم عن «الولاء لبونابرت» تعهدوا «بالتشريع لمصر التشريعات التي ترضى عنها فرنسا...» !!... معلنين بذلك ولادة التوجه الفكري -الذي نراه الآن- الداعي إلى إلحاق مصر بأوروبا في النظم والتشريعات... فقالوا لبونابرت: «إن الوفد المصري، الذي فوضه المصريون الباقون على ولائهم لك، سيشرع لمصر ما ترضاه لها من نظم عندما يعود إليها من فرنسا...»!.[12]

  • وإذا كنا نشكو اليوم من الاختراق الديني، الذي تقوم به الكنائس الغربية، العاملة في خدمة المخططات الاستعمارية في قلب إفريقيا... ومن استغلالها المشكلات الاجتماعية، والمنازعات القبلية، والكوارث الطبيعية -بل وصنعها لكل ذلك- حتى تفقد الناس توازنهم، فيتم تحويلهم عن دياناتهم ومذاهبهم إلى النصرانية الغربية... إذا كنا نشكو اليوم من هذا الاختراق النصراني الغربي للقارة الإفريقية -فإن بواكير هذا الاختراق هي صناعة فرنسية أيضًا!.

فلقد كان إلحاق الكنيسة الإثيوبية -وهي أرثوذكسية- بالكنيسة الرومانية -الكاثوليكية- أحد احلام لويس الرابع عشر (1638 – 1715م) -أراد تحقيقه بواسطة بعض الاقباط المصريين- أي عن طريق اختراق الكنيسة المصرية  ... فلما فشل في تحقيقه... رأينا أتباع المعلم يعقوب اللعين يكتبون إلى وزير الخارجية الفرنسي «تاليران» (1754 – 1838م) يتعهدون بالعمل على تحقيق ما لم يستطع تحقيقه لويس الرابع عشر!... فيقولون: «لقد كان لويس الرابع عشر يعمل في الظاهر على ضم كنيسة إثيوبيا إلى الكنيسة الرومانية «الكاثوليكية»، ولكنه كان يسعى في الحقيقة لمد نفوذه السياسي نحو أقاليم وسط أفريقيا الجذابة الغامضة، ومن ثم بذل عدة جهود -لم يقدر لها النجاح- لكي يتعلم في فرنسا عدد من شباب القبط المصريين، لأن بطريرك الأقباط هو نفسه رأس الكنيسة الإثيوبية، وإذا كان الملك قد أخفق في مسعاه، فإن الجمهورية الفرنسية اليوم -إذا أرادت- يمكنها عن طريق الأمة المصرية، التي ستكون موالية لها، من نفوذها نحو أواسط أفريقيا... وبذلك تحقق ما عجزت عن تحقيقه الملكية...»!!.[13]

فهل بهذه الاختراقات التي صنعها بونابرت وحملته الفرنسية، يحتفل الفرانكفونيون؟!...

وإذا قالوا: إنهم يحتفلون «بالفكر... والثقافة»، لا «بالمدفع والبارود»... ففي أي خانة نضع اختراق الوحدة الوطنية... وبلورة تيار الإلحاق الحضاري لبلادنا بأوروبا... واستبدال التشريع الفرنسي -قانون نابليون- بالشريعة الإسلامية... وتحويل هوية الأمة -مسلميها ونصاراها- نحو الغرب والتغريب -واختراق الكنيسة المصرية، للوصول عبرها إلى قلب أفريقيا؟!

في أي خانة نضع هذه «الإنجازات» البونابرتية، إذا لم نضعها في خانات «الفكر..... والثقافة»؟!...

لقد انكشفت الوجوه... بل شاهت الوجوه!

  • ويزيد الطين بلة... أن سجل العار لحملة بونابرت لم يقف عند هذا الذي صنعته بمصر -والذي اكتفينا في الحديث عنه بإشارات إلى المناطق والميادين غير المطروقة، وغير المشهورة، والتي قد يحاول فيها عبيد الفرنكفونية، الذين يحتفلون في ذكرى الاحتلال- بما يرونه «إنجازات إيجابية» لحملة نابليون... لم يقف سجل هذا العار-الذي به يحتفلون- عند الاختراق لأمن مصر الوطني والديني والفكري والثقافي... وإنما تعداه إلى اختراق الأمن القومي العربي أيضًا.

خلق المشروع الصهيوني

  • فكما سعت الحملة الفرنسية إلى اختراق الأمن الوطني المصري، بتحويل نصارى مصر إلى ثغرة اختراق -بدلًا من أن يكونوا لبنة في جدار هذا الأمن الوطني- سعت كذلك إلى تحويل الاقليات اليهودية -في مختلف أنحاء العالم- إلى ثغرة اختراق للأمن القومي العربي، ودعوتهم إلى مشاركة فرنسا في إقامة إمبراطوريتها الاستعمارية في الشرق، مقابل اتخاذهم مواطئ أقدام لهذا المشروع الاستعماري الغربي على أرض فلسطين.

أي أن هذا الذي تشقى به ومنه أمتنا العربية والإسلامية -الكيان الصهيوني المزروع قسرًا في فلسطين، والذي يسعى للتمدد على الأرض ما بين النيل والفرات- بإقامة إسرائيل الكبرى -وإلى الهيمنة حتى على ما وراء النيل والفرات- بإقامة العلو الإسرائيلي في إسرائيل العظمي -إن هذا الذي تشقى به ومنه أمتنا إنما بدأ مشروعًا فرنسيًا، وارتاد ميدان الدعوة إليه بونابرت إبان حملته الفرنسية على مصر والشام.

ففي سنة 1799م وأثناء حصار بونابرت لمدينة «عكا» أصدر نابليون نداءه الشهير إلى الطوائف اليهودية -وهي التي نعمت تاريخيًّا في الحضارة الإسلامية بما لم تحلم به في حضارة أخرى- أصدر نداءه إلى هذه الطوائف، داعيًّا إياها كي تتحالف مع جيشه الغازي ومشروعه الاستعماري، لتقوم بدور «ثغرة الاختراق» و «موطئ القدم» و «قفاز القبضة الاستعمارية الغربية» وذلك مقابل تمكينهم من أرض فلسطين.

كان قد احتل مصر... وطمح فيما سبق وطمع فيه القديس لويس التاسع: «أن يستعيد البيت المقدس إلى الفرنج عن طريق امتلاك الديار المصرية»!... فأراد أن يستعين على تحقيق ذلك باستخدام ورقة الأقليات اليهودية، وتراثها الأسطوري حول القدس وفلسطين.... فوجه إليها نداءه، الذي قال فيه: «من نابليون بونابرت، القائد الأعلى للقوات المسلحة للجمهورية الفرنسية في أفريقيا وآسيا، إلى ورثة فلسطين الشرعيين».

أيها الإسرائيليون، أيها الشعب الفريد... انهضوا بقوة، أيها المشردون في التيه... لا بد من نسيان ذلك العار الذي أوقعكم تحت نير العبودية، وذلك الخزي الذي شل إرادتكم لألفي سنة.

إن فرنسا تقدم لكم يدها الآن حاملة إرث إسرائيل... إن الجيش الذي أرسلتني العناية الإلهية به... قد اختار القدس مقرًا لقيادته، وخلال بضعة أيام سينتقل إلى دمشق المجاورة، التي استهانت طويلًا بمدينة داود وأذلتها.

يا ورثة فلسطين الشرعيين: إن الأمة الفرنسية... تدعوكم إلى إرثكم بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء»!.[14]

بهذا النداء البونابرتي، وذلك «الإنجاز» الذي بدأته الحملة البونابرتية بدأت خيوط المأساة التي تعيشها أمتنا العربية والإسلامية... مأساة اختراق أمن الأمة واستنزاف طاقاتها، وقطع وحدة وطن العروبة، ودار الإسلام، وضرب مشاريع التقدم والتحرر، والنهوض بالصهيونية وكيانها الإسرائيلي الاستعماري على أرض فلسطين.

فالحملة الفرنسية على مصر كانت البداية.... وبونابرت كان الرائد للصهيونية الحديثة، التي وظفت الأقليات اليهودية في المشروع الاستعماري الغربي -منذ مائتي عام... وبعد ذلك تابعت القوى الاستعمارية الغربية السير وراء نابليون وفرنسا... إنجلترا إبان قيادتها للمد الاستعماري الغربي على الشرق... ثم أمريكا التي ورثت نفوذ وهيمنة إمبراطوريات الاستعمار القديم.

فهل يستحق هذا «الإنجاز» الفرنسي، وهذه الريادة البونابرتية، احتفال الفرنكفونيين؟!، أم نقول لهم -مرة أخرى- شاهت الوجوه؟!

خلق المارونية السياسية والتغريب الثقافي

  • وعلى الدرب ذاته... درب الاختراق الفرنسي للأمن القومي العربي والحمى الحضاري الإسلامي... تواصلت جهود الاستعمار الفرنسي.

فالقديس لويس التاسع الذي حلم -قبل نابليون- بامتلاك بيت المقدس عن طريق احتلال مصر، هو الذي بدأ الإمساك بخيط «شراكة - العمالة» مع نفر من «الأقلية المارونية» منذ (1250م)!... فعندما لقيهم في الشام، قال: «نحن مقتنعون بأن هذه الأمة «الجماعة» التي تعرف باسم القديس «مارون» هي جزء من الأمة الفرنسية».[15]

وعلى درب لويس التاسع تواصلت خطوات الاختراق الفرنسي لأمننا القومي، باستخدام قطاعات من الأقلية المارونية -الكاثوليكية كفرنسا- حتى وصل الاختراق حد رفع شعار: «أمتنا فرنسا» من قبل قطاع مؤثر من المارونيين!

ولقد كان لمدارس التبشير والإرساليات الفرنسية الدور الأكبر في هذا «الإنجاز الفرنسي» -حتى قبل الإسهام الاستعماري المباشر من خلال معاهدة «سايكس - بيكو» (1333هــ 1915م) لتقسيم الولايات العربية العثمانية بين إنجلترا وفرنسا... والاحتلال الفرنسي المباشر للشام إبان الحرب الاستعمارية العالمية الأولى.

فمدارس البعثة اليسوعية في لبنان -في القرن التاسع عشر- اعتبرت التعليم الذي تقدمه لأبناء الطائفة المارونية أساسًا «فتحًا بواسطة اللغة»!... والقنصل الفرنسي هناك يعتبره «سيطرة على الشعب، تخلق جيشًا مارونيًّا يتفانى في خدمة فرنسا»!... أما «بول موفلان Poul Muvelin » -أحد كبار اليسوعيين- فيكتب قائلًا: «إن تعليم الناس لغتنا -«الفرنسية»- لا يعني مجرد أن تألف ألسنتهم وآذانهم الصوت الفرنسي، بل إنه يعني فتح عقولهم وقلوبهم على الأفكار، وعلى العواطف الفرنسية حتى نجعلهم فرنسيين من زاوية ما... إن هذه السياسة تؤدي إلى فتح بلد بواسطة اللغة»!.

وفي مذكرة كتبها القنصل الفرنسي ببيروت -في 18 ديسمبر 1841م- إلى سكرتير الدولة بوزارة الخارجية الفرنسية -بباريس- يقول: «إنه حين ننشر في هذا البلد -بواسطة اللغة الفرنسية- التعليم، والأخلاق، والفنون... فإننا سوف نسيطر على الشعب، وسيكون لفرنسا هنا -وفي كل وقت- جيش متفان»!!.

وفي مذكرة أخرى -بتاريخ 22 ديسمبر 1847م- كتبها القنصل الفرنسي «دي لتينو DE Lattenaud » إلى وزارة الخارجية الفرنسية، يصرح بأن إنشاء المدارس اليسوعية في الشام هو السبيل إلى جعل البربرية العربية -(؟!!)- تنحني لا إراديًّا أمام الحضارة المسيحية الفرنسية...».[16]

ذلك هو حديثهم -هم- عن مدارسهم وثقافتهم وفنونهم... وعن مقاصدهم من وراء زرعها في المحيط العربي بواسطة المارونيين... فهل بمثل هذا يحتفل المحتفلون؟!.

بل إن هذا «الزرع الفرنسي» في صفوف المارونيين -بالشام- قد تعدت تأثيراته السامة إلى ما وراء الشام، ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر هاجر إلى مصر عدد من خريجي هذه المدارس الفرنسية، فأصدروا بمصر صحفًا ومجلات، وأقاموا دوراً للنشر والثقافة، تحول الكثير منها إلى منابر للتغريب والعلمانية والتشكيك في العقائد الدينية، ومحاولات استبدال العاميات العربية بالفصحى... أي تفكيك وتوهين مكونات الهوية الحضارية لأمتنا.

وفي هذا الميدان عمل مثقفون وصحفيون -موارنة- من أمثال أمين شميل (1243 – 1315هــ 1828 – 1897م) -أول دعاة استبدال العامية بالفصحى... وشبلي شميل (1276 – 1335هــ 1860 – 1917م)، المنصر بالإلحاد عن طريق الدارونية والفلسفة الوضعية والمادية... وفرح أنطون (1291 – 1340هــ 1874 – 1922م)، داعية العلمانية، والمفسر لفلسفة ابن رشد (520 – 954هــ 1126 – 1198م)، تفسيرًا ماديًّا!... ويعقوب صروف (1268 – 1345هــ 1852 – 1927م)، وفارس نمر (1272 – 1370هــ 1856 – 1951م)، وشاهين مكاريوس (1269 – 1328هــ 1853 – 1910م) الذين أصدروا مجلة «المقتطف» لتدس الشك واللا أدرية والإلحاد بواسطة النظريات العلمية الغربية -ذات الخلفية الفلسفية الوضعية والمادية- كما أصدروا صحيفة «المقطم»، لتكون منبر الإعلام لسياسة الاستعمار الإنجليزي في مصر.

وعن هذه «المدرسة - المارونية» -التي تتلمذ عليها الذين يحتفلون بحملة بونابرت- يقول ابن مصر البار، ونموذج الوطنية الصادقة، والعالم المجدد عبد الله النديم (1261 – 1313هــ 1845 – 1896م): «إنهم الأجراء... أضداد مصر والمصريين... والمؤسسين للفتن... والمترددين على أبواب وكلاء الدول الأجنبية بالأكاذيب والأراجيف... فاصبحوا لا شرقيين ولا غربيين، واتخذتهم أوروبا وسائل لتنفيذ آرائها ووصولها إلى مقاصدها من الشرق، وهي تحثهم على المثابرة على عملهم باسم المدنية، وما هي إلا التوحش والرجوع إلى الحيوانية المحضة... لقد نبتت لحوم أجسامهم في خدمة الأجنبي، فانفعلت لها أرواحهم، فكلما حولتها عن وجهتها الغربية دارت إليها، فهي قبلة مصلاها التي وقفت في محرابها وقوف القانت الواعظ»![17]

كما يتحدث النديم عن مجلة «المقتطف» (1293 – 1371هــ 1876 – 1952م) -وهي نموذج ومثال المجلات التي تتلمذ عليها الذين يحتفلون اليوم بحملة بونابرت- فيقول عنهم وعنها: «أعداء الله وأنبيائه، والأجراء الذين أنشأوا لهم جريدة جعلوها خزانة لترجمة كلام من لم يدينوا بدين، ممن ينسبون معجزات الأنبياء إلى الظواهر الطبيعية والتراكيب الكيماوية، ويرجعون بالمكونات إلى المادة والطبيعة، منكرين وجود الإله الحق، وقد ستروا هذه الأباطيل تحت اسم فصول علمية، وما هي إلا معاول يهدمون بها عموم الأديان».[18]

أما صحيفة «المقطم» (1306 – 1371هــ 1889 – 1952م)، فلقد وصفها النديم بأنها «الجريدة الإنكليزية التي تصدر في مصر»!...[19] ووصف أصحابها بأنهم «الأجراء... الخونة... عملاء الأجانب... الذين خانوا وطنهم وسلطانهم وأهلهم وخلانهم... وذلك عندما داروا حول أبواب الإنكليز... وأصدروا جريدتهم لشق عصا الاجتماع الشرقي».[20]

ذلك هو «الزرع الثقافي الفرنسي» في الشام... وهذه هي امتداداته السرطانية في مصر... وهي «المدرسة» التي تتلمذ عليها الفرنكفونيون المعاصرون، الذين يحتفلون بالحملة الفرنسية، والزرع الثقافي الذي زرعته في وطن العروبة وعالم الإسلام.

  • ولا يحسبن أحد أن محاولات الاختراق الفرنسية لأمننا الوطني والقومي والحضاري -في الواقع السياسي والفكري- قد اقتصرت على ثغرات الأقليات غير الإسلامية -قبط مصر... وموارنة لبنان... واليهود- فلقد عمت محاولات الاختراق هذه حتى الأقليات القومية ذات الأصول العرقية غير العربية... وكان صنيع الاستعمار الفرنسي مع المسلمين الأمازيغ -وبخاصة في الجزائر والمغرب... نموذجًا لهذا الاختراق- من خلال الفكر والثقافة واللغة والقانون.

فالأمازيغ -الذين يمثلون أكبر الأقليات القومية في الوطن العربي عددًا 14 مليونًا، أي ضعف عدد كل الطوائف النصرانية العربية العربية الثلاث عشرة 7 ملايين،[21] حتى وإن لم نأخذ بالآراء التي ترجعهم إلى أصول عربية قديمة -قد جمعهم الإسلام بالعرب- في العقيدة والشريعة والثقافة والحضارة والتاريخ والقيم والأخلاق والعادات والتقاليد... بل لقد نهضوا بدور بارز في تكوين الدول الإسلامية، والجهاد الإسلامي والفتوحات الإسلامية... وبسبب من كون العربية لغة القرآن ولسان الإسلام وسبيل فقه الشريعة الإسلامية والسنة النبوية، أصبحت العربية هي لغة الأمازيغ الأولى، مع بقاء لغاتهم القديمة -غير المكتوبة- متداولة، تقوم بمقام اللهجات، في حفظ الموروث القومي، والمخاطبات في بعض الشؤون الحياتية اليومية الدارجة.

ومع ذلك... وجدنا مخطط الاختراق الفرنكفوني -للاستعمار الفرنسي- ولغته الفرنسية وقانونه الوضعي، يتخذ من الأمازيغ جبهة من جبهات تفكيك الأمة، بعزلهم عن العرب، وفصل إسلامهم عن اللغة العربية، وقطع الصلات بين عقيدتهم الإسلامية وبين الشريعة الإسلامية وفقه المعاملات فيها... وذلك ليربطهم بفرنسا، وليحل لغته محل عربيتهم، وقانونه محل شريعة الإسلام وقانونها وفقه معاملاتها.

وعن هذا المخطط الفرنكفوني يقول الكاتب الفرنسي «فيكور بيكيه» -في كتابه «العنصر البربري»- الصادر سنة 1925م: -«إننا نشاهد تغلب العربية في السهول، حيث السكان العرب، وهذا يمكننا تعليله بأن اللغة البربرية لا تكتب، وبأن اللغة العربية هي لغة القرآن، وقد لعبت «الكتاتيب» دورًا مهمًا في الاستعراب، ولذلك فإن كل مجهوداتنا يجب أن تصب على تعليم البرابرة الفرنسية، بلا وساطة لغة أخرى، لقد هيأنا سنة 1923م للمدرسة برنامجًا فرنسيًّا بربريًّا له روح فرنسية كاثوليكية... وهذه خطة حسنة لوقف التعامل مع اللغة العربية على أنها لغة التفاهم، ويمكننا بسهولة كتابة البربرية بالحروف الفرنسية، كما فعلنا بالهند الصينية.

وإذا لم يمكنا عقد الأمل على رجوع البربر عن الإسلام، ونبذهم لهذا الدين، لأن جميع الشعوب لا تبقى بدون دين في مرحلة تطورها، فيجب ألا نخشى من ذلك، وبخاصة إذا تمكنا أن نفصل بين الإسلام والاستعراب... وفصل الدين عن القانون المدني، مثلما حدث بإدخال تغييرات مهمة سنة 1917م في قانون الأحوال الشخصية... ولذلك يمكننا أن نحصر الإسلام في الاعتقاد وحده... وعلى هذا لا يهمنا كثيرًا أن تضم الديانة الشعب كله، أو أن آيات من القرآن يتلوها رجال بلغة لا يفهمونها، فالديانة الكاثوليكية تستعمل اللغة اللاتينية والإغريقية والعبرانية في قداديسها..!

فهدف المخطط الفرنكفوني -لتفتيت الأمة، من باب الثقافة- هو: علمنة الإسلام، وفرنسة اللغة، لإحلال القانون الفرنسي محل الشريعة الإسلامية وفقه معاملاتها، ولإحلال الفرنسية محل العربية، وبذلك تندمج الأعراف البربرية في القانون الفرنسي، ويصبح الأمازيغ فرنسيي اللغة... أي يتم دمجهم في الثقافة الفرنسية دمجًا تامًا!.

وليست هذه الثمرات والمقاصد بالاستنتاج الذي نستنتجه نحن... وإنما هي اعترافات الأستاذ الفرنسي للحقوق في معهد الدروس العليا -«بالرباط»- «جورج سوردون» -بكتابه «مبادئ الحقوق العرفية المغربية»- الصادر بالرباط سنة 1928م والذي يقول فيه:

«يجب جمع العادات البربرية... لئلا تضمحل في الشرع الإسلامي... إذ العرف ينمحي إزاء القانون... والأولى أن نرى العرف البربري يندمج في القانون الفرنسي من أن نراه يندمج في القانون الإسلامي، لأن الأسلحة الفرنسية هي التي فتحت البلاد العربية، وهذا يخولنا اختيار التشريع الذي يجب تطبيقه في هذه البلاد»!

فهل يعي ويفهم الفرنكفونيون، الذين يزعمون أنهم إنما يحتفون ويحتفلون بثقافة فرنسا لا بمدافعها... هل يعون المعنى الواضح لكلمات «جورج سوردون»، والتي تقول إن الأسلحة الفرنسية إنما استخدمت لتطبيق القانون الفرنسي في البلاد العربية... فقانون نابليون هو الثمرة لمدافع نابليون!!

وهذا الذي كتبه «الأساتذة» و«الكتاب الفرنسيون» هو ذاته الذي طبقته السلطة الاستعمارية الفرنسية... فالمقيم العام الفرنسي -بالمغرب- المارشال «ليوتي» يصدر أوامره إلى وزارة العدل باستبعاد اللغة العربية، وفك ارتباطها بالإسلام، لدمج البرير في فرنسا -عن طريق اللغة الفرنسية والقانون الفرنسي- فيقول في أوامره: «إنه لخطأ فاحش التصرف بشكل يساعد على إعادة إحياء العلاقة بين العرب والبربر، ولا حاجة في تعليم العربية للبرير، فالعربية هي رائد الإسلام، لأن هذه اللغة تعلم من القرآن، ومصلحتنا هي أن نمدن البرير خارج دائرة الإسلام، وأما ما يتعلق باللغة، فيجب علينا أن نضمن الانتقال مباشرة من البربرية إلى الفرنسية بدون واسطة..».[22]

تلك هي مخططات الاختراق الفرنسي لأمننا الفكري والثقافي -في الدين والدنيا- على المستوى الوطني والقومي والحضاري.. فأين يا ترى هذه «الثقافة المجردة» الخالصة من شبهات الغزو والحرب التي يحتفل بها الفرنكفونيون؟!

وخرافة المطبعة.. والمجمع العلمي

وإذا كنا قد كشفنا خرافة الإنجازات السياسية والإدارية والديمقراطية التي يزعم الفرنكفونيون أن بونابرت قد أدخلها إلى مصر -بما أنشأ من «ديوان المشورة»- عندما كشفنا -نقلًا عن الجبرتي- أن هذه المؤسسات كانت أداة القمع الفرنسي، التي غلب في عضويتها «أراذل القبط» و«النصارى الأروام» الذين خانوا وطنهم مصر -فإن مزاعم الفرنكفونيين حول «المطبعة» التي جاء بها بونابرت إلى مصر.. وكذلك المجمع العلمي المصري الذي أسسه ببلادنا.. إن هذه المزاعم هي ألوان من الخرافات التي لا أصل لها في التاريخ.

فبونابرت وهو في طريقه إلى مصر «أحضر معه مطبعة «البروباجندا» من إيطاليا» ليطبع بها بيانات التضليل للشعب المصري، تلك التي زعم فيها أنه مسلم أكثر من المماليك، ونصير الخليفة المسلمين، على عكس المماليك!... «ثم خرجت هذه المطبعة من مصر بخروج الحملة الفرنسية»[23]، فلم يكن لها أي أثر ثقافي يبرر احتفال الفرنكفونيين!

أما المطبعة التي نهضت بالدور الريادي في ثقافة مصر العربية والإسلامية -مطبعة بولاق الأميرية- فهي التي فكر محمد علي باشا (1184 – 1265هــ 1770 – 1849م) في إنشائها (1230هــ 1815م) واشتراها من مال الدولة المصرية، وبدأ إنتاجها -على الأرجح -(1235 – 1820م)[24] وهي مطبعة وطنية... أميرية... قامت في بولاق... ولا علاقة لها بمطبعة «البروباجندا» التي جلبها نابليون من الفاتيكان، ليضلل المصريين بمنشوراتها...

أما المجمع العلمي المصري، الذي يزعم الفرنكفونيون أن نابليون قد أسسه، فإنه -هو الآخر- خرافة من الخرافات... فالبعثة العلمية الفرنسية التي صحبت جيش الحملة البونابرتية، قد جاءت لتدرس الواقع المصري، حتى يستطيع الغزاة حكمه... ولتدرس الشخصية المصرية، حتى يسهل على المستعمرين السيطرة عليها... ثم انسحبت هذه البعثة -مع جيش الاحتلال (1801م)... ولا علاقة لهذه البعثة الفرنسية- التي واصلت أبحاثها بعد الجلاء في فرنسا -لا علاقة لها بالمجمع العلمي المصري على الإطلاق... فالمجمع العلمي المصري هو مجمع وطني، قام في سنة 1859م على عهد الخديوي سعيد (1270 – 1279هــ 1854 – 1862م)، أي ما بعد ما يقرب من ستين عامًا على جلاء الحملة الفرنسية والبعثة العلمية الفرنسية التي صحبتها!!

 

لقد كان الدكتور طه حسين (1306 – 1393هــ 1889 – 1973م) شجاعًا، عندما اعترف -في لحظة صدق مع واقع التغريب- بأن التبعية الفكرية لأوروبا هي «إلزام» أكثر منها «التزام»... فقال في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» الذي ألفه عقب معاهدة سنة 1936م -بين مصر وإنجلترا- ومعاهدة الامتيازات الأجنبية سنة 1938م:

«لقد التزمنا أمام أوروبا أن نذهب مذهبها في الحكم، ونسير سيرتها في الإدارة، ونسلك طريقها في التشريع... التزمنا هذا كله أمام أوروبا، وهل كان إمضاء معاهدة الاستقلال عام 1936م ومعاهدة إلغاء الامتيازات عام 1938م إلا التزامًا صريحًا قاطعًا، أمام العالم المتحضر بأننا سنسير سيرة الأوربيين في الحكم والإدارة والتشريع».[25]

ولقد بدأ هذا الإلزام بحملة بونابرت... وما أحدثته من اختراقات لأمننا الوطني والقومي والحضاري في الفكر، والثقافة، والقيم، والتشريع، واللغة، والأخلاق.

ويشهد على ذلك أيضًا أن الفرنكفونيين -الذين يحتفلون بهذا الاختراق البونابرتي... إنما يصنعون ذلك لأن ثقافتهم هي عين ثقافة هذا الاختراق... فهم امتدادات سرطانية لهذا الاختراق الذي به يحتفون ويحتفلون!... ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

لكن العزاء هو في رفض الأمة لهذا الانحدار، الذي سقط فيه خلفاء المعلم يعقوب اللعين!.

--------------------------------

الهوامش
 

[1] رفاعة الطهطاوي «الأعمال الكاملة» جـ 5 ص 278...

دراسة وتحقيق: د. محمد عمارة طبعة بيروت عام 1981 م.

[2] د. محمد عمارة «معارك العرب ضد الغزاة» ص 35 طبعة دمشق عام 1988 م.

[3] المرجع السابق: ص 39.

[4] مكسيموس مونروند «تاريخ الحروب المقدسة في المشرق المدعوة حرب الصليب» جــ 1 ص 282 طبعة القدس عام 1865 م.

[5] معارك العرب ضد الغزاة ص 96، 97.

[6] المرجع السابق: ص 99.

[7] «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» جـ 5 ص 148، 149، تحقيق: حسن محمد جوهر، عمر الدسوقي، السيد إبراهيم سالم، طبعة القاهرة عام 1965 م.

[8] المصدر السابق: جـ 5 ص 4.

[9] المصدر السابق: جـ 5 ص 134.

[10] المصدر السابق جـ 5 ص 136.

[11] د. أحمد حسين الصاوي «المعلم يعقوب بين الحقيقة والأسطورة» ص 123 – 125، ملحق رقم 6 طبعة القاهرة عام 1986 م.

[12] المصدر السابق: ص 129 - 130، ملحق رقم 7.

[13] المصدر السابق: ص 131- 132، ملحق رقم 8 - وتاريخ هذه المذكرة 23 سبتمبر عام 1801 م 5 جمادى الأولى 1996م.

[14] محمد حسنين هيكل «المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل - الأسطورة والإمبراطورية والدولة اليهودية» الكتاب الأول - ص 31 - 32 طبعة القاهرة عام 1996 م.

[15] محمد السماك «الأقليات بين العروبة والإسلام» ص 74 - وهو ينقل عن «وثائق الباب العالي» المجلد الثالث ص 100.

[16] المرجع السابق: ص 37 - وهو ينقل عن «مراسلات القناصل السياسية» - وزارة الخارجية الفرنسية  مجلد 2.

[17] مجلة «الأستاذ» الأعداد الرابع والعشرون ص 564 - 576، والثاني والعشرون ص 510، والسابع عشر ص 388 - 390 القاهرة سنة 1310 هــ.

[18] المصدر السابق: العدد التاسع والثلاثون ص 923 - 924.

[19] المصدر السابق: العدد الثاني والأربعون ص 1029.

[20] المصدر السابق: العدد التاسع والثلاثون ص 934 – 935 – 945 – 947 – 932.

[21] رفيق البستاني، فيليب فارج «أطلس معلومات العالم العربي» ص 31، 34 طبعة القاهرة عام 1997 م.

[22] د. محمد عمارة «الإسلام والتعددية: التنوع والاختلاف في إطار الوحدة» ص 276 – 278 طبعة القاهرة عام 1997 م.

[23] د. جمال الدين الشيال «تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي» ص 195 طبعة القاهرة عام 1951 م.

[24] المصدر السابق ص 195.

[25] مستقبل الثقافة في مصر جــ 1 ص 36 – 37 طبعة القاهرة عام 1938 م.

الرابط المختصر :