العنوان السلام الصهيوني والهوان العربي..السجل الأسود للتـنازلات
الكاتب المستشار سالم البهنساوي
تاريخ النشر السبت 15-يونيو-2002
مشاهدات 64
نشر في العدد 1505
نشر في الصفحة 42
السبت 15-يونيو-2002
وعد بلفور للشريف حسين.. لماذا لا يتحدث عنه أحد؟!
يتضمن سجل بعض الزعامات العربية الاتصالات السريعة والسرية التي جرت بين الشريف حسين بن علي ملك الحجاز آنذاك وبريطانيا فيما عرف تاريخيًا برسائل حسين مكماهون وهي الرسائل التي حملها المعتمد البريطاني في مصر السير مكماهون إلى الشريف حسين من عام ١٩١٤م إلى ١٩١٦م وتضمنت وعدًا من بريطانيا بتشجيع قيام خلافة عربية هاشمية قرشية على يد رجل من سلالة الدوحة النبوية المباركة وهو الشريف حسين، لتكون البديل عن الخلافة العثمانية. ولقد صدقت الزعامات العربية هذه الوعود فكان ما سمي في التاريخ العربي باسم الثورة العربية الكبرى وهي ثورة العرب ضد الخلافة الإسلامية العثمانية التي قال عنها لورانس في كتابه «أعمدة الحكمة» بهذه الثورة استطاع الإنجليز هزيمة الخلافة العثمانية دون أن تراق قطرة دم إنجليزية. لقد كانت بريطانيا وفرنسا اتفقتا سرًا على توزيع تركة الرجل المريض بينهما وأن تترك فلسطين لتقام عليها دولة اليهود ولذلك أعطى الإنجليز وعدًا بذلك لليهود وهو «وعد بلفور».
وهذا السجل لم يذكر أن بلفور أعطى وعدًا آخر للشريف حسين بمساعدة العرب على الاستقلال، وقد أخفى الجانب العربي هذا الوعد ولم تتضمنه المناهج الدراسية لأنه يكشف عوراتهم وها هو نص وعد بلفور للعرب وقد نشرت صورة منه في كتابي الغزو الفكري للتاريخ والسيرة.
كتاب الكولونيل باست إلى الملك حسين المشتمل على نص برقية اللورد بلفور وزير الخارجية البريطانية:
«جلالة صاحب السيادة العظمى ملك الحجاز وشريف مكة وأميرها المعظم.
بعد بيان ما يجب بيانه من الاحتشام والتوقير قد أخبرني جناب فخامة نائب جلالة الملك أن أبلغ جلالتكم البرقية التي وصلت إلى فخامته من نظارة الخارجية البريطانية بلندن وقد عنونتها حكومة جلالة ملك بريطانيا العظمى باسم جلالتكم وهذا نصها بالحرف الواحد:
إن الرغبة والصراحة التامة التي اتخذتموها جلالتكم في إرسالكم التحريرات التي أرسلها القائد التركي في سورية إلى سمو الأمير فيصل وجعفر باشا إلى جناب فخامة نائب جلالة الملك كان لها أعظم التأثير الحسن لدى حكومة جلالة ملك بريطانيا العظمى، وإن الإجراءات التي اتخذتموها جلالتكم في هذا الصدد لم تكن رمزًا يعبر عن تلك الصداقة والصراحة التي كانت دائمًا شاهد العلاقة بين كل من الحكومة الحجازية و حكومة جلالة ملك بريطانيا العظمى ومما لا يحتاج إلى دليل أن السياسة التي تسير عليها تركيا هي إيجاد الارتياب والشك بين دول الحلفاء والعرب الذين هم تحت قيادة وعظيم إرشادات جلالتكم قد بذلوا الهمة الشماء ليظفروا بإعادة حريتهم القديمة إن السياسة التركية لا تفتأ تغرس ذلك الارتياب بأن توسوس للعرب أن دول الحلفاء يرغبون في الأراضي العربية وتلقي بأذهان دول الحلفاء أنه يمكن إرجاع العرب عن مقصدهم ولكن أقوال الدساسين لن تقوى على إيجاد الشقاق بين الذين اتجهت عقولهم إلى فكر واحد وغرض واحد.
إن حكومة جلالة ملك بريطانيا العظمى وحلفائها ما زالت واقفة موقف التأييد لكل نهضة تؤدي إلى تحرير الأمم المظلومة وهي مصممة أن تقف بجانب الأمم العربية في جهادها لأن تبني عالمًا عربيًا يسود فيه القانون والشرع بدل الظلم العثماني وتتخذ التنافس الصناعي الذي أحدثته الصفات الرسمية التركية، وأن حكومة جلالة ملك بريطانيا العظمى تكرر وعدها السالف بخصوص تحرير الأمم العربية وأن حكومة جلالة ملك بريطانيا العظمى قد سلكت مسلك سياسة التحرير وتقصد أن تستمر عليه بكل استقامة وتصميم بأن تحفظ العرب الذين تحرروا من السقوط في وهدة الدمار وتساعد العرب الذين لا يزالون تحت نير الظالمين لينالوا حريتهم «انتهى». وفي الختام التمس قبول خالص التحيات وعظيم الاحتشامات والتمنيات.
نائب المعتمد البريطاني بجدة
الكولونيل باست.
العرب بين الماضي والحاضر
لقد اتهم الأتراك الزعامات العربية التي قادت الثورة ضدهم بالخيانة وأطلقوا عليهم اسم «عرب خيانات».
ولكن الإنجليز كانوا أكثر عمقًا ودهاءً، فلم يطمئنوا إلى الشريف حسين وألقوا القبض عليه ونفيه بعيدًا عن البلاد العربية بعد أن استنفدوا أغراضهم من الثورة العربية وهو إلحاق الهزيمة بالخلافة الإسلامية العثمانية دون أن تراق دماء الإنجليز.
والسبب في موقف الإنجليز من الشريف حسين هو أنه لم يتنازل عن هدفه في إقامة خلافة عربية إسلامية كبديل عن الخلافة العثمانية بعد أن هيمنت على دولة الخلافة في تركيا جمعية الاتحاد والترقي ذات الصلات المعروفة باليهود.
عودة إلى عرفات
أما ياسر عرفات فقد اطمأن إليه الأعداء الصهاينة لأنه قد تنازل وزمرته عن هدفه في إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس ولم يكتف بمهادنة العدو الذي يحتل الأرض ويعبث بالعرض، بل أصبح القفاز الحديدي الذي يستخدمه العدو ضد الشعب الفلسطيني ومؤسساته.
بعد زيارة أولبرايت للمنطقة العربية واطمئنانها على استمرار الهرولة العربية تحت أقدام المشروع الصهيوني أعلنت في تلفزيون «إن بي سي» يوم ١٩٩٧/١٠/١م أن الاستيطان الإسرائيلي مشروع، ثم فسر جيمس روين «المتحدث باسمها»، ذلك بأنها تعني أن اتفاق أوسلو عام ۱۹۹۳م لا يحظر بناء المستوطنات ولقد سكت العرب.
الخيانة الصهيونية
إن الوعود التي قدمها الصهاينة من الإسرائيليين والأمريكان بالسماح بدولة فلسطينية منزوعة السلاح تحدد إسرائيل أماكنها ومساحتها، قد قبلها العرب فيما عرف باتفاق أوسلو وها هم الصهاينة بعد أن استنفدوا أغراضهم من هذا الاتفاق يعلنون عدم اعترافهم به ويزعمون أنه لا يحفظ للصهاينة الأمن، ومن ثم قاد شارون حملة عسكرية لتحطيم قوات الأمن الفلسطيني بعد أن حققت لإسرائيل ما طلبته وليتولى الجيش الإسرائيلي بنفسه تحطيم المعارضة الفلسطينية تمهيدًا لمفاوضات جديدة ولو تحت غطاء مؤتمر دولي يحقق للصهاينة جولة جديدة من التنازلات الفلسطينية والعربية.
أهم أضرار اتفاق أوسلو: إن اتفاق أوسلو الذي وقعته المنظمة الفلسطينية في ۱۹۹۳/۸/۱۹م ونفذت ما يخصها منه لم ترتضه الحكومة الصهيونية الحالية وهي حكومة ائتلاف تضم حزب العمل الذي وقع هذه الاتفاقية. هذا الاتفاق كان لخدمة إسرائيل وأهم من ذلك:
أولًا: اعترفت المنظمة بإسرائيل وحدودها. أي اعترفت لها بالأرض التي اغتصبتها رغم القرارات التي صدرت من الأمم المتحدة بعدم شرعية ضمها لإسرائيل. وفي المقابل لم تعترف إسرائيل للشعب الفلسطيني بدولة ولا بأرض بل منحته إدارة شؤون البلدية تحت سيادتها، أي من خلال دولة إسرائيل.
ثانيًا: تعهدت المنظمة بتسليم إسرائيل قوائم بأسماء تنظيمات الجماعات المعارضة لإسرائيل وذلك بعد ثلاثة أشهر من بدء تنفيذ الاتفاق، أي أن المنظمة مجندة لخدمة الحكومة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين الذين يطالبون لهم بأرض ودولة وهو ما نصت عليه قرارات الأمم المتحدة التي خالفتها المنظمة.
ثالثًا: اشترطت إسرائيل إلغاء السفارات الفلسطينية في الخارج و أجازت لنفسها تشغيل هؤلاء في سفارات إسرائيل.
رابعًا: خلال السنوات الخمس للحكم الذاتي ليس من حق المنظمة أو الحكومة الانتقالية أن تطالب بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم، واشترطت أيضًا عدم أحقية أي فلسطيني في العودة إلا بعد الحصول على شهادة حسن سير وسلوك من إدارة الأمن الإسرائيلي.
خامسًا: أن إسرائيل لها الحق في وقف العمل بالاتفاق سالف الذكر وبأي اتفاق آخر تبرمه مع المنظمة ما دامت إسرائيل ترى أن أمنها يتطلب ذلك.
سادسًا: ينص الملحق رقم ۲۰، تحت بند التعاون الأمني على أن تلتزم المنظمة والحكومة الانتقالية الفلسطينية بسحق المنظمات الفلسطينية المعارضة للاتفاق.
سابعًا: ينص الملحق رقم ٣٠، على أن ميزانية الحكومة الانتقالية جزء من ميزانية الحكومة الإسرائيلية، وأن جميع المعونات المساعدات يجب أن تودع في الميزانية العامة لإسرائيل.
وهذا يفسر حرص الحكومة الإسرائيلية على إيفاد مندوب إلى أمريكا أو أوروبا يطلب المعونات للاقتصاد الفلسطيني لأنه يصب في الميزانية الإسرائيلية، ولهذا طلبوا من العرب المساهمة في ذلك.
وقد تضمن هذا الملحق تحويل الإسرائيليين بـإقامة المشروعات داخل أراضي الحكم الذاتي:- بينما لا يحق للفلسطينيين إقامة مشاريع في أراضي الحكم الذاتي إلا بعد موافقة الحكومة الإسرائيلية.
ثامنًا: تعهدت المنظمة بعدم الممانعة في هجرة اليهود إلى المناطق الخاضعة للحكم الذاتي وبعدم الممانعة في شراء أي إسرائيلي للأراضي والبيوت في مناطق الحكم الذاتي.
تاسعًا: تضمنت الاتفاقية بحث موضوع توزيع المياه العربية، سواء مياه الأردن أو لبنان أو غيرها وهذا اعتراف لها بحق ليس لها ولم يكن لها في أي وقت.
عاشرًا: تعهدت المنظمة الإسرائيل بحماية حدودها مع البلاد العربية المجاورة، بل تضمن الاتفاق تحويل الجيش الإسرائيلي حق القيام بمهمات من أراضي الحكم الذاتي ضد أي دولة عربية مجاورة دون إحاطة الحكومة الانتقالية الفلسطينية علمًا بذلك.
حادي عشر: اشترطت إسرائيل حقها في عدم السماح للفلسطينيين من مواليد غزة وأريحاء أو أي مناطق أخرى بالعودة إلى بلادهم بمن في ذلك من يوجدون في المخيمات الفلسطينية بل لا يجوز للمقيمين في مناطق الحكم الذاتي الانتقال إلى بلدهم الأصلي. وبعد فهذه هي البنود التي ظهرت على السطح وما خفي كان أعظم.
الخيانة الجديدة
بعد أن سلمت السلطة الفلسطينية الأسماء المطلوبة للكيان الصهيوني وبعد أن تعاونت الحماية أمن المغتصبين وأصبحت لا تملك أكثر من ذلك أعلنت الحكومة الائتلافية التي تمثل فئات الشعب اليهودي وفي مقدمتهم حزب العمل الذي وقع الاتفاق أعلنت أن الاتفاق لا يمنع إقامة المستوطنات ولا يتضمن عودة اللاجئين ولم ينص على إقامة دولة فلسطينية.
ولما اعترضت السلطة لفظيًا فقط على ذلك لتحفظ ماء وجهها أمام شعبها تولى الجيش الصهيوني تحطيم السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وتولى القبض على المعارضين للاحتلال الصهيوني وذلك من واقع القوائم التي سلمتها السلطة الفلسطينية من قبل للصهاينة.
إن العرب لا يجهلون أن اتفاق أوسلو حول الكيان الصهيوني حق دخول أراضي السلطة. ولهذا خضع ياسر عرفات وجماعته في النهاية لهذه الشروط فحوصر في مقره كما حوصر بعض الفلسطينيين داخل كنيسة المهد لتصل إسرائيل إلى مرحلة جديدة من الخديعة والتنازلات، فكان أن التزمت السلطة بعد الإفراج المؤقت عنها بإعلان حظر أي مقاومة داخل إسرائيل بينما العدو ما زال يقتحم المدن والقرى ويعتقل من يشاء والمطلوب من العرب أن يلزموا المنظمات المعارضة وفي مقدمتها حماس والجهاد بهذا القرار.
وهذا التنازل عن الحقوق كما حدث في الماضي يتم دون أي مقابل للفلسطينيين وسط وعود كاذبة وخديعة ظاهرة إن ما يفعله ياسر عرفات ضد الشعب الفلسطيني كان وليد شروط للإفراج عنه حيث تخلى عن شعاراته «أن يموت شهيدًا».
لقد ظن ياسر عرفات أن إذعانه للمطالب الأمريكية بإعلان إنكاره للمقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي واعتبار هذه المقاومة عملًا إرهابيًا، ظن أن ذلك سيمكنه من إعادة ثقة إسرائيل به كحارس للوجود الصهيوني في فلسطين فكانت النتيجة أن طالبته أمريكا بأن يترجم التصريحات إلى أعمال وذلك باعتقال أفراد حماس والجهاد الإسلامي وغيرهم ممن يستمر في المقاومة.
كما طلبت منه أن يعلن تصفية الانتفاضة الفلسطينية ليصدق مع أقواله، فلما أعلن عجزه متعللاً بأن هذه المنظمات تمول من خارج فلسطين كان المطلب الأمريكي الصهيوني من بعض الحكومات العربية أن تكون شريكًا في وقف الانتفاضة.
الوقاحة الصهيونية والهرولة العربية
إن الصهاينة الذين يعلنون أنهم لا يلتزمون بقرارات الأمم المتحدة ولا يهمهم المجتمع الدولي قد ترجموا ذلك عمليًا بأن جعلوا الرئيس الأمريكي يعلن أن شارون رجل سلام وأن ما يقدمه عرفات من التنازلات ليس كافيًا لحفظ أمن الإسرائيليين
هكذا بل إن قتل المدنيين الفلسطينيين وهدم بيوتهم وسجن أولادهم هو السلام والعدل، والدفاع عن النفس من أي فلسطيني هو الإرهاب وبكل وقاحة لا يكفي أن يدين عرفات وسلطته ذلك بل لا بد أن يقاومه وأن تضمن الحكومات العربية وقف المقاومة للاحتلال، وأصبح مطلوبًا من العرب الإقرار صراحة بالتنازل عن قرار التقسيم رقم ۱۸۱ / ١٩٤٧ لأنه يضمن وجود دولة فلسطينية وهذا ما ترفضه إسرائيل.
ولسنا ندري: لماذا لا يستفيد العرب من أخطاء الماضي. ولماذا لا يستفيدون من تجارب الشعوب التي قاومت الاحتلال؟
وهل نجهل أن الموافقة على التدخل السافر للتغييرات الأمنية في السلطة الفلسطينية بما يحقق مطالب الصهاينة هو المفتاح الذي يحول المخابرات الصهيونية في إسرائيل وغيرها أن تسعى لتغييرات أخرى قد تصل لبعض الأنظمة العربية على غرار ما تم في أفغانستان وفي السلطة الفلسطينية؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل