; السقوط في بئر الخيانة.. العملاء.. ألغام تنفجر تحت أقدام مجاهدي الانتفاضة | مجلة المجتمع

العنوان السقوط في بئر الخيانة.. العملاء.. ألغام تنفجر تحت أقدام مجاهدي الانتفاضة

الكاتب وسام عفيفة

تاريخ النشر السبت 11-أغسطس-2001

مشاهدات 46

نشر في العدد 1463

نشر في الصفحة 22

السبت 11-أغسطس-2001

المستوطنات.. مكان اللقاء المفضل بين العملاء وضباط الارتباط الصهاينة

كل خطوة يخطوها الفلسطيني وكل معاملة يقدم عليها تجعله عرضة للمساومة والابتزاز من جانب

الاستخبارات الصهيوني.. من هنا يحدث السقوط.

على الرغم من التطور التقني يظل العميل المصدر الأهم والأوثق للمعلومات... إنه يعطي المعلومة الأخيرة قبل تنفيذ العملية

بعض العملاء عاد إلى رشده وانتقم من الصهاينة الذين أوقعوه في بئر الخيانة

مع تسارع وتيرة عمليات الاغتيال الإجرامية التي تقوم بها حكومة مجرم الحرب الصهيوني شارون ضد قيادات الجهاد والمقاومة في فلسطين المحتلة تجدد الحديث عن دور العملاء المتعاونين مع العدو في تقديم المعلومات التي تمكن الصهاينة من تنفيذ جرائمهم. 

ويشكل أولئك العملاء المتعاونون مع العدو النقطة السوداء في تاريخ انتفاضة الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة يشوهون ماضي الأمة وحاضرها ومستقبلها بتعاونهم القذر مع الأعداء يشرون أنفسهم بثمن بخس، باعوا أنفسهم للشيطان ولأعداء الشعب ، وارتضوا أن يكونوا خدمًا لأسيادهم يرتعون في وحل الخيانة.

الشعب الفلسطيني قال كلمته الأخيرة بحق العملاء لم يعد أمامهم سوى مقابلة مصيرهم المحتوم الذي تقرره محاكم الثورة والانتفاضة ولم يعد بالإمكان التساهل مع أي منهم مهما كلف ذلك من ثمن لتطهير البيت الفلسطيني من دنسهم. فقد هتفت جموع الشعب في مسيراتها الحاشدة - التي انطلقت في أعقاب اغتيال قادة حماس وكوادر فتح خلال الأيام الأخيرة - مطالبة باجتثاث هذه الظاهرة نهائيًا.

 وقد فتح مسلسل عمليات الاغتيال والتصفية التي تمارسها حكومة الاحتلال الصهيوني ضد نشيطي الانتفاضة وقيادات الفصائل الفلسطينية ملف أولئك العملاء في ظل الدور الكبير الذي يضطلعون به في سياق تقديم المعلومات عن النشطاء المستهدفين إلى جانب المشاركة الفعلية في عمليات الاغتيال، وبدأت السلطة تحيل بعضهم للمحاكمة حيث صدرت أحكام إعدام ضد العديد منهم بعدما تمتعوا طوال السبع سنوات الماضية بالأمان والحرية، حيث ينص البند ٤ من المادة ۲۰ من اتفاقية التسوية المرحلية الأولى الموقعة بين منظمة التحرير  والكيان الصهيوني عام ١٩٩٤م اتفاق غزة وأريحا، على أنه «مع تولي السلطة الفلسطينية زمام الحكم يلتزم الجانب الفلسطيني بحل مشكلة أولئك الفلسطينيين الذين كانوا على اتصال بالسلطات الإسرائيلية، وإلى أن يتم التوصل إلى حل متفق عليه يتعهد الجانب الفلسطيني بعدم محاكمة هؤلاء الفلسطينيين أو إلحاق الأذى بهم بأي شكل»

كما تضمنت الاتفاقية المرحلية حول الضفة الغربية وقطاع غزة الموقعة عام ١٩٩٥م بين منظمة التحرير الفلسطينية والكيان المحتل ضمانات مماثلة حيث نصت المادة ١٦ -٢ على ما يلي: «الفلسطينيون الذين أقاموا صلات مع السلطات الإسرائيلية لن يتعرضوا لأعمال المضايقة أو التعسف أو المحاكمة، وسيتم اتخاذ إجراءات ملائمة ومستمرة بالتنسيق مع إسرائيل من أجل ضمان حمايتهم».

الإعدام ردًا على الاغتيال

سياسة الاغتيالات الصهيونية لعدد من النشطاء الفلسطينيين وقادة الانتفاضة الميدانيين دفعت أجهزة الأمن الفلسطينية إلى العمل من أجل كشف الأشخاص الذين قدموا المعلومات عن تحركات المغدورين وخاصة من لهم علاقة بالعمل العسكري، حيث تمكنت مؤخرًا من ملاحقة واعتقال العديد من العملاء المتورطين في حوادث الاغتيال. 

وكانت السلطة الفلسطينية قد امتنعت منذ قيامها عام ١٩٩٤م عن إنزال العقوبات القاسية بحق العملاء الذين ثبت تورطهم في تنفيذ أعمال أدت إلى قتل فلسطينيين رغم أنها ما زالت تحتجز

عددًا منهم غير أن تمادي أجهزة الأمن والجيش الصهيونية في اغتيال شخصيات فلسطينية دفعها للتحرك في ظل استياء شعبي عارم.

وحسب إحصائية أعدها مركز غزة للحقوق والقانون فإن المحاكم العسكرية الفلسطينية ومحكمة أمن الدولة أصدرت منذ قيام السلطة نحو ۲۸ حكمًا بالإعدام في قضايا معظمها جنائية تم تنفيذ ٥ أحكام منها فقط من بينهم العميلان مجدي مكاوي وعلان بني عودة في السابع من ديسمبر الماضي.

السلطة استجابت لضغط الجماهير سيما وأنها أعدمت اثنين من العملاء الخطرين، وعاد القضاء ليصدر حكمًا بالإعدام رميًا بالرصاص على أربعة عملاء أدينوا بالخيانة ومساعدة سلطات الاحتلال في اغتيال د. ثابت ثابت، أمین سر فتح في طولكرم - ومصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة، فيما أعلن النائب العام لمحاكم أمن الدولة المستشار خالد القدرة أن محكمة أمن الدولة عقدت جلسات في نابلس وغزة لمحاكمة متهمين بالخيانة بالتسبب في اغتيال زعيمي حماس صلاح دروزة، ومحمود المدني، والمسئول في حركة فتح المقدم مسعود عياد.

وقال القدرة إنه رفع قراري اتهام بحق كل من منذر محمد صبحي الحفناوي ٥٨ عامًا الذي ارتكب الخيانة العظمى وتسبب في اغتيال الشهيد محمود المدني «من نشطاء حماس» بتاريخ 19 فبراير الماضي والثاني بحق أحمد محمد أحمد أبو عيشة ٥٠ عامًا من مخيم العين في نابلس بتهمة الخيانة العظمى والتسبب في اغتيال الشهيد صلاح دروزة. وأضاف أنه وقع قرار الاتهام ضد خالد سعدي خالد العكة ٢٤ عامًا الذي ينسب إليه الارتباط بجهاز المخابرات الصهيونية لتمكينها من ارتكاب أعمال عدائية ضد الشعب الفلسطيني ورصد تحركات العديد من المناضلين والإبلاغ عن نشاطاتهم للصهاينة والحصول مقابل ذلك على أموال قاصدًا الإضرار بالمصالح العليا للوطن وتسبب في اغتيال مسعود عياد من زعماء فتح والضابط في استخبارات القوة ١٧.

«العكة» بيت النية لقتل عياد ورصد تحركاته وعندما خرج من منزله متوجهًا إلى عمله بسيارته الخاصة بادر إلى الإبلاغ عنه موضحًا لون سيارته ونوعها ونتيجة ذلك قامت طائرات مروحية صهيونية بقصف السيارة بالصواريخ ما أودى بحياته.

وأشار القدرة إلى أن كافة المتهمين في قضايا خيانة يواجهون عقوبة الإعدام في حالة ثبوت التهم الموجهة إليهم، وهناك عدة ملفات يتم التحقيق فيها.

الاحتلال لم يتوقف عن التجنيد

عند الحديث عن ظاهرة العملاء في فلسطين ينبغي النظر إلى تغير كثير من الظروف الموضوعية التي غيرت بالتالي طبيعة عمل وطريقة إسقاط العملاء بعد توقيع اتفاق أوسلو وانتقال 80% من الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة للعيش تحت الحكم الفلسطيني، مما قلص قدرة المخابرات الصهيونية على مواصلة تجنيد الفلسطينيين. وقد أقر قادة الشاباك بأن الوضع الجديد قلص قدرة جهازهم على تجنيد عملاء جدد، فضلًا عن إيجاد مصاعب في التواصل مع العملاء الذين تم ربطهم في السابق.

لكن يعكوف بيري - الذي شغل في السابق منصب رئيس «الشاباك». قد أشار إلى أن الاحتلال قد استعد لهذا الوضع، خاصة أن تشكيل السلطة الفلسطينية لم يكسر الارتباط الاقتصادي مع الفلسطينيين كما أن سيطرة الاحتلال على المعابر الدولية جعل الفلسطينيين - الذين يريدون السفر للخارج لاستكمال تعليمهم أو للعلاج- يمرون عبر بوابة المخابرات الصهيونية. وتؤكد مراكز حقوق الإنسان الفلسطينية واليهودية أن المخابرات الصهيونية تستغل حاجة الفلسطينيين لتصاريح العمل والسفر من أجل مواصلة ابتزازهم وإجبارهم على التعامل معها.

وكشفت الاعترافات التي أدلى بها العميل مجدي مكاوي - ۲۷ عامًا «من رفح» والذي نفذ فيه حكم الإعدام لتورطه في اغتيال أحد كوادر فتح - عن استغلال أجهزة المخابرات الصهيونية للمستوطنات القائمة في الضفة والقطاع كبؤر لتجنيد العملاء والاتصال بهم والالتقاء من أجل تزويدهم بالتعليمات وتبادل المعلومات. 

وأكد مكاوي في اعترافات مصورة قبل إعدامه أن كافة اللقاءات بين العملاء ومسؤوليهم من الشاباك كانت تعقد في المستوطنات التي يرفض العدو تفكيكها نظرًا للوظائف الأمنية التي تؤديها إضافة إلى الوظائف الأخرى المتعددة. 

وتبين من اعترافاته أن الشاباك يركز على استغلال دائرة القرابة للعملاء من أجل الوصول إلى أهدافهم وإبعاد الشبهات عنهم، وهو ما أكدته عمليات الاغتيال الأخيرة التي تورط فيها أقرباء للنشطاء الذين جرى تصفيتهم، كما حدث مع الشهيد جمال عبد الرازق أحد كوادر فتح في رفح والشهيد إبراهيم بني عودة أحد كوادر حماس في الضفة الغربية.

ورغم الاتفاقات الموقعة بين منظمة التحرير والكيان المحتل التي أفضت إلى قيام سلطة فلسطينية في مايو عام ١٩٩٤م إلا أن أجهزة الاحتلال واصلت عملية تجنيد عملاء لصفوفها حتى يبقوا عيونًا لها في المناطق التي لا تخضع لسيطرتها الأمنية.

ويؤكد مصدر أمني فلسطيني أن أجهزة الاستخبارات الصهيونية جندت منذ العام ١٩٦٧م آلاف الفلسطينيين للعمل كمتعاونين معها عبر استغلالها لاعتماد الفلسطينيين الكبير على الخدمات التي تقدمها الإدارات اليهودية وتحت ضغط الابتزاز والتهديد بعيدًا عن أي أساس أيديولوجي للتعامل مع المحتل

هل تعود الأمور كما في الانتفاضة الأولى؟

مصادر فلسطينية في مواقع المسئولية عبرت عن مخاوفها من عودة ظاهرة إعدام العملاء كما كانت في الانتفاضة الأولى بحيث يشرع نشطاء الانتفاضة وبعض الفصائل في تنفيذ إعدامات بحق من يشتبه بتعاونهم مع الاحتلال.

وقد قتل خمسة فلسطينيين على الأقل في ضفة الغربية وغزة بأيدي مجموعات فلسطينية على خلفية التعاون مع الاحتلال منذ بداية انتفاضة الأقصى، في حين قتل خلال الانتفاضة الأولى ٤٠٠ متعاون على أيدي التنظيمات الفلسطينية المختلفة.

ويرى غسان الخطيب مدير مركز القدس للدراسات والإعلام أن السلطة الفلسطينية يفترض أن تمثل دور الحكومة والقيادة الوطنية، ومن هذا المنطلق تقع عليها مسؤولية حماية المواطنين والمناضلين من خيانة العملاء وعليها كذلك ألا تترك أي فراغ في هذا المجال لنشطاء الانتفاضة وأن تحاسب العملاء على أسس قانونية واضحة ويرى الخطيب أنه لا توجد معايير لوصف ظاهرة العملاء في المجتمع الفلسطيني، مشيرًا إلى أن خطوات السلطة في ملاحقة العملاء قانونيًا وقضائيًا من شأنها أن تحد من نشاطهم وتردعهم وتحمي الانتفاضة.

ويرى د. عبد الستار قاسم الباحث السياسي والمحاضر في جامعة النجاح أنه لا يوجد شعب نقي تمامًا ولا يخلو شعب من الاعوجاج والمعوجين لكن لا توجد أمة تنمو فيها ظاهرة الجواسيس والخونة والعملاء ولا تقاومها ويضيف الجواسيس في الضفة وغزة عبارة عن ظاهرة وإذا كان الجواسيس المرئيون عبارة عن ظاهرة موجودة وبيئة للعيان فكيف يكون الحال بالنسبة للجواسيس غير المرئيين الذين يعملون في الخفاء باسم الوطن والوطنية لقد كبر الجواسيس حتى أصبحوا مسؤولين ومديري مؤسسات ومشرفين ومنظرين ومطلعين على دقائق الأمور وتفاصيل النشاطات أصبح بعض الجواسيس أصحاب نفوذ ومال ولبعضهم مراكز للبحث والتدقيق للدفاع عن هموم ومشكلات الشعب الفلسطيني!!

ويشير قاسم إلى أنه في كل مرة يتم الحديث عن هذا الموضوع والتشديد على خطورة العملاء والجواسيس يطلع علينا من بين الفصائل الفلسطينية من يقول لا يوجد شعب ليس بين صفوفه جواسيس وهذه الظاهرة ستبقى ملازمة لنا ما استمر الصراع وهذا هو المنطق المتعب البائس الذي استندت إليه م.ت.ف بفصائلها وسلطتها الفلسطينية في تبرير الفشل والكسل وربما المحافظة على الوضع كما هو.

هل يستحقون الحماية القانونية؟

هل يستحق أولئك العملاء أي حماية قانونية رغم أفعالهم الشنيعة؟ يقول المحامي راجي الصوراني مدير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، إنه منذ ٤ مايو ١٩٩٤ لم تتطرق منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية من قريب أو بعيد لملف العملاء كما لم تصنفهم لا منظمات حقوق الإنسان ولا اتفاقية جنيف الرابعة ضمن الأشخاص المحميين.

ويضيف الصوراني: العملاء والجواسيس ينطبق عليهم ما ينطبق على قوات الاحتلال لأنهم جزء منه ومن ممارساته وجرائمه وتسببوا باعتقال مئات الفلسطينيين ومئات الجرحى والشهداء وشاركوا في القتل في الخارج وداخل أقبية التحقيق وبالتعذيب أيضًا، لذا فالموقف من العملاء واضح وبسيط لا لبس فيه، وينتقد الصوراني موقف السلطة من عدم محاكمة العملاء طوال السنوات السبع الماضية بسبب الفقرة ٤ من المادة ٢٠ من اتفاقية غزة أريحاء التي تمنح العملاء حماية قانونية ومادية في حين أنه حتى منظمات حقوق الإنسان أبدت اعتراضها على ذلك لأنه بغض النظر عن الاتفاقية يجب محاسبة العملاء، خاصة أن بعض ما ارتكبوه يعد جرائم حرب.

كيف يتم الارتباط والسقوط؟

أظهرت دراسة أمنية فلسطينية أن العامل الاقتصادي هو أهم الأدوات التي يحاول جهاز المخابرات الصهيوني من خلالها تجنيد العملاء، وذلك عبر ابتزاز العمال بواسطة تصاريح العمل داخل الأرض المحتلة عام ١٩٤٨م ومساومتهم على لقمة عيشهم وممارسة شتى وسائل الضغط عليهم، ويؤكد خضر عباس الذي يعمل في جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني، والذي أعد الدراسة أن الاحتلال استطاع استثمار الوضع الاقتصادي المأساوي لربط العديد من المواطنين بأجهزته لاستخبارية مقابل منحهم تصاريح أرض ١٩٤٨م أو توفير فرص عمل لهم وتمر عملية الحصول على تصريح العمل ثم الوصول لمكان عمله بتعقيدات أمنية صعبة تجعل العمال باستمرار عرضة للمساومة والابتزاز فالعامل المشترك في العمالة وجود نظير مادي أو ارتباط مصالح، أو التهديد والترهيب خاصة وأن الاحتلال لا يزال يمسك بكثير من مقاليد أمور الفلسطينيين كالمعابر والحدود والطرق بين المدن والقرى والاقتصاد والتجارة.

ويشير الجنرال شلومو جازيت - الذي شغل في السابق منصب رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية في كتابه «فجأة كنا في ورطة - إلى أن الكيان الصهيوني عمل منذ اليوم الأول لاحتلاله الضفة الغربية وقطاع غزة إلى استغلال حقيقة السيطرة على كل مجاري الحياة في الضفة وغزة من أجل ابتزاز الفلسطينيين وإجبارهم على التعامل مع مخابراته، حيث سمحت تل أبيب لأجهزتها الأمنية بربط أي خدمة يمكن أن يحصل عليها الفلسطينيون باستعدادهم للتعاون معها وتقديم المعلومات التي تطلبها مما أدى إلى سقوط عدد كبير من الفلسطينيين في براثن العمالة.

وفي كتاب «أمراء الموساد» الذي نشر في عام ۱۹۹۱م وتضمن معلومات تنشر لأول مرة عن تشكيل وآليات عمل أجهزة الاستخبارات الصهيونية والعمليات التي قامت بها منذ إنشاء الكيان الصهيوني وحتى عام ۱۹۸۹م، نقرأ إذا أراد فلسطيني الحصول على رخصة بناء، كانت الحكومة تراجع الأمر أولًا مع ضابط الحالة المحلي للـ«الشين بيت» ولم يكن بمقدور تاجر عربي - يرغب في تصدير محصوله من الحمضيات من غزة أو زيت الزيتون من الضفة الغربية - الحصول على التراخيص الضرورية إلا بموافقة الشين بيت لقد كان كل نشاط يومي تقريبًا وكل دقيقة من الحياة الفلسطينية خاضعة لإشراف «الشين بيت فيما يشبه صفقة عمل؛ إذ كان العرب يوفرون المعلومات ويحصلون بالمقابل على الأمن وفوائد ثانوية».

الجنس.. والتحول الكبير

لكن التحول الكبير في طرق المخابرات الصهيونية لتجنيد الفلسطينيين كان في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، حيث بدأت المخابرات الابتزاز عبر الجنس مستغلة في ذلك طبيعة المجتمع الفلسطيني المحافظ الذي يبدي حساسية شديدة تجاه الفضائح الجنسية. فعمل عملاء المخابرات على توريط عدد كبير من الشباب الفلسطيني في فضائح جنسية؛ حيث يتم تصويرهم في أوضاع مشينة وبعد ذلك يقوم العميل بتسليم الصور لضابط المخابرات اليهودي الذي يستدعي الشاب، ويعرض عليه الاختيار بين قبول التعاون أو أن يتم فضح أمره.

من الواضح أن الضغوط الرهيبة التي يتعرض لها الفلسطينيون كانت العامل الرئيسي وراء السقوط الأسود، وحسبما يؤكد اللواء أمين الهندي مدير المخابرات العامة الفلسطينية، فإن ظاهرة العملاء على خطورتها إلا أن عاملًا واحدًا إيجابيًا يبرز من خلالها وهو عدم وجود عملاء عقائديين، واقتصار إسقاط العملاء عبر وسائل مختلفة ليس من بينها القناعة الذاتية.

التائبون

وتأكيدًا لما خلص إليه اللواء الهندي فإن عددًا من العملاء الفلسطينيين عاد إلى رشده وارتد على عقبيه، وانحاز إلى جانب أبناء شعبه وبعضهم تحول إلى مناضل نفذ عمليات بطولية ومنهم من استشهد فيها. كما أن الدعوات الرسمية والشعبية للعملاء بالتوبة قادت بعضهم إلى تسليم أنفسهم للقضاء الفلسطيني بعدما أيقنوا أن كشفهم بات وشيكًا، وأن سلطات الاحتلال غير مستعدة لتوفير الحماية لأي منهم. 

وقد حققت حماس إنجازًا في هذا المجال في الانتفاضة السابقة حين نجحت في إقناع عميلين بتصفية ضابطي الارتباط الصهيونيين اللذين يعملان معهما، حيث نصب مقاتلو حماس كمينًا لأحدهما، فيما قتل الثاني ضابطه في أحد مقار الأمن الصهيوني وفر هاربًا ومعه حقيبة معلومات مهمة نجح في انتزاعها من قتيله في ضربة كانت الأخطر أمنيًا في العام ١٩٩٣م. 

وتأتي عملية تصفية عقيد في الاستخبارات العسكرية - التي نفذها حسين أبو شعيرة، الذي ينتمي لحركة فتح - قبل أسابيع، كمؤشر آخر على صحوة الضمير كما أنها تضعف في الوقت نفسه من الثقة بين ضباط المخابرات الصهاينة وعملائهم.

وهناك حالات أخرى لم تعلن عنها التنظيمات الفلسطينية بشكل رسمي حرصًا على عدم تلويث سمعة بعض الشهداء الذين قاموا بعمليات بطولية، أودى بعضها بحياة عدد كبير من الصهاينة وكفروا بها عن ماض قضوه في أوحال الخيانة.

 السلطة الفلسطينية كانت قد منحت فرصة للعملاء بتسليم أنفسهم مقابل تخفيف العقوبة أو اعتبارهم ضحايا احتلال، وقد اعتبر وزير العدل فريح أبو مدين ذلك سياسة جديدة للسلطة في التعامل مع العملاء المعروفين باسم الطابور الخامس، خاصة بعد تسببهم بتصفية واغتيال عدد من النشطاء، ويقول وزير العدل: لن ننتظر سقوط مائة شهيد جديد حتى نتحرك، مؤكدًا أن الإعدام في حالة الحرب القائمة هو الأداة الأهم لقطع دابر العملاء ويطالب أبو مدين جميع العملاء بتسليم أنفسهم لأجهزة السلطة الأمنية. مشيرًا إلى أن السلطة اتخذت قرارًا استراتيجيًا بمحاربة العملاء والعمل ضدهم ويضيف ستعمل على شل شبكة معلومات العدو الصهيوني لأنه ثبت لدينا أنه لم تتم عملية اغتيال إلا بخدمات لوجستية على الأرض من قبل العملاء، مشيرًا إلى أن السلطة أعطت العملاء الذين يقومون بتسليم أنفسهم الأمان على أنفسهم، والعمل على توفير لقمة العيش لهم إن كانوا صادقين، وأعطوا كل ما لديهم من معلومات، وكانوا تائبين مخلصين صادقين ويقول: لقد وضعنا ضوابط وشروطًا قانونية، وأمنية بشكل سري، ولا تتحدث عنها علانية.

وحول موقف السلطة يقول رشيد أبو شباك مدير الأمن الوقائي في قطاع غزة: إن الأجهزة الأمنية الفلسطينية اعتقلت منذ اندلاع انتفاضة الأقصى ما يزيد على 10 عملاء كانوا يعملون في المناطق الفلسطينية، كما استطاعت التوصل إلى جميع العملاء الذين تورطوا في عمليات اغتيال القادة الفلسطينيين خلال الأشهر الست الماضية.

ويرى أبو شباك أن دور العملاء برز مؤخرًا بشكل أكثر جدية عما كان عليه في الماضي، لأنه في السابق كان المطلوب من العميل تقديم المعلومات عن حالة محددة أو عن أشخاص أو مؤسسة أو تنظيم ولكن الآن في ظل عدم وجود الاحتلال بشكل مباشر في المناطق الفلسطينية أصبح دور العملاء أكثر أهمية، إذ تحتاج قوات الاحتلال عند تنفيذ المهمة أن يكون لها ذراع ينفذ المهمة وهم العملاء.

ويشير أبو شباك إلى أن الصهاينة في تطبيقهم لما يسمى بخطة حقل الأشواك التي استهدفت تصفية بعض الشخصيات الوطنية والإسلامية، أو من يعتقد أو يدعي الصهاينة أن لهم علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالمقاومة والجهاد، كان هناك دائمًا دور أساسي للعملاء في جميع القضايا التي حدثت بدءًا باغتيال حسين عبيات من خلال إعطاء المعلومة الأخيرة عن الشخص المنوي استهدافه.

تنوع مهام العملاء

تتنوع مهام العملاء بين رصد تحركات بعض القادة، أو اختراق حركات مقاومة، أو بث الإشاعة، أو تسهيل عمليات اغتيال، الأمر الذي دفع المخابرات الصهيونية للعمل على تجنيد عملاء داخل التنظيمات الفلسطينية القائمة أو زرعهم فيها.

ويجمع رجال المخابرات وخبراء الأمن الصهاينة، على أن الوسيلة الوحيدة الكفيلة بإحباط العمليات الاستشهادية قبل وقوعها هي جمع المعلومات الدقيقة من مصادر الحركات والتنظيمات التي تخطط لهذه العمليات. وهذا لا يعني أن المخابرات العبرية نجحت دومًا في زرع العملاء داخل تنظيمات المقاومة التي تأخذ بعين الاعتبار إمكانية تسلل عملاء إلى صفوفها؛ لذا نجدها قلصت دائرة العمل العسكري وحصرتها في أشخاص ليسوا في مجال الشك. 

وقد تطور دور العملاء إلى حد أنهم أصبحوا يشاركون في عمليات التصفية: وتؤكد الأجهزة الأمنية الفلسطينية أنه من خلال التحقيقات التي أجرتها بخصوص عمليات تصفية تعرض لها فلسطينيون في انتفاضة الأقصى - ثبت إسهام العملاء في إنجاح تلك العمليات، وهو ما أكده نائب عام محاكم أمن الدولة، قائلًا إن معظم حالات العمالة التي أدت إلى اغتيال مناضلين ومواطنين أبرياء كانت إلى حد كبير محصورة في أقرب الدوائر إلى المجني عليه مثل قضية الشهيد محمود المدني، حيث كلفت مخابرات الاحتلال المتهم الحفناوي بالانخراط في التوجيه الديني والعمل على تحفيظ القرآن الكريم حتى أقام مقرًا للتحفيظ في مسجد فتوح بنابلس، ثم طلبت منه مخابرات العدو تشغيل المدني معه ليكون تحت إشرافه الدقيق. أما العنصر الرئيس في اغتيال عبد الرازق، وهو من نشطاء فتح فقد كان ابن اخته، فالدوائر القريبة من الصعب الشك فيها.

عملاء منذ بداية الاحتلال!

ولا تعتبر ظاهرة العملاء ظاهرة جديدة فهي قديمة متجددة، نراها تواكب كل ثورة أو مقاومة وهي سمة لكل حرب التفوق فيها يكون بمقدار حجم المعلومات التي يملكها طرف عن الطرف الآخر، وقدرة أي جهة على تجنيد متعاونين لها في الجهة الأخرى....

ويعتبر التجسس والاستخبارات برنامجًا استراتيجيًا في الكيان الصهيوني منذ نشأته عام ١٩٤٨م، حيث استفاد من «شاي» أو الذراع الاستخبارية لمنظمة «الهاجاناه» السرية العسكرية التي قادت الإرهاب اليهودي ضد الشعب الفلسطيني أثناء الانتداب البريطاني، حيث قرر بن جوريون بعد الإعلان عن قيام الكيان المحتل بأسابيع قليلة، الاستفادة من خبرات «شاي» لتشكيل نواة أجهزة الاستخبارات وهي الاستخبارات الخارجية «الموساد» والاستخبارات العسكرية «أمان»، وجهاز الأمن العام «الشين بيت».

وكان من مهام الشين بيت مراقبة الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨م في ظل الحكم العسكري الذي فرض عليهم حتى عام ١٩٦٥م. وبعد احتلال لما تبقى من الأراضي الفلسطينية عام ١٩٦٧م، أصبحت المهمة الرئيس لهذا الجهاز مراقبة فلسطينيي الـ ٦٧، والحيلولة دون نجاحهم في تنظيم ثورات ضد الاحتلال. وبناء على ذلك، نشطت «الشين بيت» في تجنيد المخبرين من الصهاينة والفلسطينيين لجمع المعلومات عن الفصائل الفلسطينية في مختلف المدن والقرى في الوقت الذي شهد انطلاقة فتح وبقية تنظيمات «م.ت.ف» بالعمل المسلح داخل الأرض المحتلة وخارجها. 

ولا تزال سياسة زرع العملاء سياسة ثابتة للكيان الصهيوني لم تتغير حتى مع توقيعه لاتفاقية أوسلو مع السلطة الفلسطينية التي كان من مهماتها الرئيسة حفظ الأمن الصهيوني ومنع انطلاق عمليات المقاومة من الأراضي الواقعة تحت سيطرتها. كما أن امتلاك العدو الصهيوني للعديد من الوسائل التكنولوجية المتقدمة للتجسس، لم تغير من سياسته في تجنيد أعداد بشرية كبيرة من العملاء وكذلك الترويج في الأوساط الفلسطينية بأن العملاء موجودون في كل مكان في محاولة لردع الشعب الفلسطيني، وتخويفه من الانضمام إلى التنظيمات الوطنية أو المشاركة في المقاومة لدرجة أن ضباط الشين بيت لم يكونوا حريصين على إخفاء صلاتهم ببعض العملاء، إلا في أوقات متأخرة من الانتفاضة بعد أن تعرض هؤلاء الملاحقات من المقاومة الفلسطينية.

ولا يخفي قادة أجهزة أمن العدو حاجتهم الماسة إلى العملاء، ويصف مناحيم لانداو - الذي شغل حتى وقت قصير منصب مدير القسم العربي في المخابرات الداخلية المعروفة ب «الشاباك» - دور العملاء قائلًا: « بدونهم لا يمكننا أن ننجز شيئًا في حربنا ضد الإرهاب، مساهمتهم في هذه الحرب كبيرة جدًا، وليس بإمكاننا ولو للحظة أن نستغني عن الخدمات التي يقدمونها لنا ». 

ويشير لانداو إلى أن المعلومات الاستخبارية تعتبر متطلبًا أساسيًا يسبق القيام بأي عملية عسكرية؛ إذ إن المعلومة الاستخبارية لا تمكن الجيش من تحديد الجهات التي تستحق العمل العسكري ضدها فحسب، بل تساهم أيضًا في تحديد الظروف الأفضل لإنجاح العمليات.

 ويؤكد لانداو أنه على الرغم من التطور الكبير في مجال التقنيات الإلكترونية وما تركه من أثر إيجابي في مجال العمل الاستخباري. فإن العملاء يظلون المصدر الأهم والأوثق في جمع المعلومات الاستخبارية التي يسهل تحليلها وتفسيرها بأقل درجة من الخطأ.

أما يوحنان تورجمان - أحد قادة المخابرات الصهيونية المتقاعدين - فيشير إلى أن إسقاط أكبر عدد من الفلسطينيين لصالح المخابرات الإسرائيلية ليس حيويًا فقط في توفير المعلومات لها، بل إن تجنيد العملاء يساهم في المس بمعنويات القوى والشارع الفلسطيني بشكل عام، مشيرًا إلى أنه حتى عندما تنجح الجهات الفلسطينية أو العربية في كشف أمر عميل ما، فإن مجرد الكشف عن هذا العميل، يؤدي بشكل غير مباشر إلى إدراك الفلسطينيين والعرب بشكل عام، سطوة الكيان الصهيوني وقدرته على التغلغل داخل الأوساط الفلسطينية والعربية بالشكل الذي يخدم مصالحه، ما يؤثر على معنويات الجمهور العربي والفلسطيني».

يعيشون على هامش الحياة

كيف وأين يعيش العملاء؟ بعد دخول السلطة الفلسطينية انتقل مئات العملاء للعيش داخل أحياء سكنية خاصة بهم في بلدات فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م، وهناك محاولات لتسكينهم في المدن والقرى التي يعيش بها فلسطينيو ١٩٤٨م، إلا أن السكان الفلسطينيين يرفضون ذلك بشدة ويقاومونه، لذا أقام الاحتلال أحياء سكنية خاصة بهم في منطقة بئر السبع، ومعظمهم يعاني من تدهور الأوضاع الاقتصادية، وهم محرومون من التمتع بحقوق المواطنة الإسرائيلية مثل البطاقة الزرقاء أو السماح لهم بحمل وترخيص السلاح، وقد نظم العديد منهم اعتصامات أمام مقر الحكومة الصهيونية منذ بداية الانتفاضة للتعبير عن سخطهم جراء الإهمال والخوف الذي يعانون منه وسوء أحوالهم الاقتصادية. أحد هؤلاء متعهد فلسطيني يدعى «كمال حماد»، كان يعتبر من أغنياء قطاع غزة، وكان له دوره في تصفية قائد كتائب عز الدين القسام المهندس «يحيى عياش»، عندما استغل علاقة ابن أخته بعياش وقام بتفخيخ الهاتف النقال الخاص به بالمتفجرات بتعليمات خاصة من رئيس المخابرات العامة في ذلك الوقت «كارمي غيلون».

الآن يعيش حماد الذي فر إلى أرض ١٩٤٨م فقيرًا بعدما تمت مصادرة ممتلكاته التي كانت تقدر بملايين الدولارات، فيما ترفض المخابرات الصهيونية العامة تعويضه عن الخسائر التي تكبدها.. 


الرابط المختصر :