العنوان السلام ليس هو الخيار الوحيد في الجنوب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-1989
مشاهدات 65
نشر في العدد 931
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 05-سبتمبر-1989
·
ثورة الإنقاذ الوطني ترى الحل في إقامة
نظام فدرالي يساعد في توزيع السلطة والثروة بعدالة
صدر في مطلع الأسبوع الماضي البيان الختامي
لجولة المفاوضات المنعقدة في العاصمة الإثيوبية بين وفد مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني
ووفد حركة التمرد الجنوبية وقد تضمن البيان ثلاث نقاط رئيسية تلخصت في تمديد وقف إطلاق
النار لمدة شهر آخر على أن يعلن ذلك بواسطة مجلس قيادة الثورة في الخرطوم كما تم الاتفاق
على مواصلة الحوار بين الجانبين بالإضافة إلى تأمين سير الإمداد الغذائي لكل الأقاليم
الجنوبية وفي الوقت ذاته تعهد رئيس وفد الحكومة العقيد محمد الأمين الخليفة بعدم الاستجابة
لردود الفعل إذا ما لجأت حركة التمرد إلى شن هجوم إعلامي ضد الثورة، ومن جانب آخر فإن
نقاط الخلاف مازالت تبدو أعمق وأكثر صعوبة في الاحتواء من خلال لقاءات معدودة وقد أشار
العقيد الخليفة إلى أن أبرز نقاط الخلاف هو موضوع تطبيق الشريعة الإسلامية، وكذلك إلغاء
اتفاقية الدفاع المشترك مع مصر والبروتوكول العسكري مع ليبيا.
والحق يقال إن حكومة الإنقاذ الوطني استطاعت
منذ الوهلة الأولى أن تكيف العلاقة الموضوعية مع حركة المتمردين.. خلافًا لما درجت
عليه حكومة الأحزاب وأجهزتها التنفيذية.. فحركة جون قرنق ليست قضية جنوب السودان كما
أنها ليست حربًا أهلية بين العرب المسلمين والزنوج المسيحيين كما يحلو للإعلام الغربي
المغرض أن يصورها.. ولو كانت كذلك لما فر الجنوبيون بأعداد تتجاوز المليون جنوبي إلى
الشمال واحتموا به من لهيب التمرد والمتمرد الغاشم ولما بقيت أعداد وافرة من الإداريين
والجنود والموظفين في الجنوب يدافعون عن سياسات حكومة الخرطوم ويرابطون مع القوات المسلحة
حفاظًا على وحدة التراب السوداني.. وتفويتًا لأغراض التآمر الدولي التي تحلم بتقسيم
السودان وفوق كل ذلك فإنهم يدركون الحقيقة الموضوعية لحركة قرنق وقواته المتمردة فحركة
التمرد لم تحز يومًا على تفويض المواطنين في الجنوب وإن أهدافها لا تخرج عن إطار عنصري
ضيق وتخص أحد بطون قبيلة الدينكا، وإنهم في خاتمة المطاف يسعون فقط لإحكام قبضتهم على
كل الجنوب فحركة التمرد يوم أن خرجت للناس في يونيو 1983 لم تكن إلا تجسيدًا للاحتجاج
على سياسة نميري بتقسيم جنوب السودان إلى ثلاثة أقاليم وهو ما بدد كل طموحات الدينكا
في الهيمنة على جنوب السودان.
تعنت وصلف
في أعقاب المحادثات التي تمت مؤخرًا في
أديس أبابا صرح دينق ألور أحد القواد العسكريين في حركة المتمردين بأن قيادة التمرد
ترفض اعتبار حل المشكلة في إقامة حكم فيدرالي أو منح جنوب السودان الحكم الذاتي وكان
بذلك يرد على ما صرح به عضو مجلس قيادة ثورة الإنقاذ العميد دومينيك كاتسيانو.. الذي
ذكر في وقت سابق لوكالة الأنباء الفرنسية بأن «الفيدرالية تعتبر نظامًا ملائمًا للسودان»
وأضاف دينق ألور بأن الهدف السياسي لحركة قرنق هو «تغيير بنية السلطة المركزية بشكل
كامل».
بهذا الهدف «الشاذ» تتضح أبعاد التعنت التي
رانت على عقلية قيادة المتمردين وهو ذات السبب الذي جعل حركة التمرد تعايش أربعة أنظمة
سودانية مختلفة دون أن تتوصل إلى اتفاق مع واحد منها، فعلى مدى الست سنوات من عمر التمرد
مرت على السودان -بعد خلع جعفر نميري الذي ظهرت حركة التمرد في عهده- حكومة المشير
سوار الذهب ومجلس وزرائها المكون من النقابات المنضوية تحت راية «التجمع الوطني» والتي
كانت على صلات حميمة بحركة التمرد، وكل الذي تم هو اتفاقية عرفت باسم «اتفاقية كوكادام»
وظلت حبرًا على ورق ثم جاءت حكومة الصادق المهدي عقب الانتخابات غير أن حركة التمرد
ظلت على موقفها المتعنت والرافض لكل مساعٍ تعمل على حل قضية التمرد، وفي غضون ذلك تمت
لقاءات مع أغلب الأحزاب السياسية بدءًا بحزب الأمة ثم الجبهة الإسلامية القومية والاتحاد
الديمقراطي وانتهاء بالأحزاب الجنوبية والعلمانية غير أن حصاد تلك الجهود لم يخرج عن
دائرة العدم وترديد الأوهام من الجانبين كالوهم المسمى «بالمؤتمر الدستوري» والذي ظلت
تردده حكومة الأحزاب وتعنى به شيئًا وتنادي به المعارضة السياسية الشرعية وتعنى به
شيئًا آخر، ويطالب به المتمرد قرنق بمعنى يختلف كليًا عن تلك التصورات السابقة، ونظرًا
لضعف حكومة الأحزاب ولمتاجرتها بالمصالح الأساسية للوطن في سبيل الكسب الحزبي فقد وافقت
حكومة الطائفتين في آخر عهدها على إمضاء اتفاقية الميرغني- قرنق التي أقصت كل صور الشرعية
لحكومة الخرطوم وفرضت عليها شروطًا تقيد هوية الوطن وتمحو دستورية التشريع القائمة
على إقرار الجمعية التأسيسية وتوجت تلك المخازي بالانسحاب التآمري الذي أتاح لقرنق
ليحتل ثماني مدن في جنوب السودان ومساحة تضاهي مساحة ألمانيا -على حد زعمه- في مدة
أسبوع فقط وهو الذي حاول أن يحتل مدينة واحدة طيلة سنواته الست من الحرب فلم ينل من
محاولاته شبرًا.
وجاء «يونيو»
أبدت قيادة ثورة الإنقاذ الوطني اهتمامًا
بالغًا وصادقًا في إقرار السلام في ربوع السودان عامة وفي الجنوب بصفة خاصة واتخذت
في موقف واضح يرتكز على التصور الموضوعي للمشكلة من جانب ويأخذ في الحسبان تحقيق المعادلة
بين الوحدة الوطنية والمرونة الإدارية والثقافية من الجانب الآخر ولهذا طرحت الثورة
مفهومًا لإقامة نظام فيدرالي يقسم السودان أربعة أو خمسة أقاليم يتمتع كل إقليم فيها
بنوع من الحكم الذاتي مع توثيق التواصل القومي في الهوية وتوحيد السيادة وهو ما يتيح
لجنوب السودان وضعًا إداريًا وثقافيًا وسياسيًا أفضل، كما أن الثورة ترى أن الاقتسام
العادل للثروة ينطلق من تحمل المسؤولية في التنمية وأن الحرب والتمرد أكلت الأخضر واليابس
في كل السودان بالإضافة إلى أن الحرب عطلت مشاريع التنمية وزادت في تأخر الجنوب بصفة
خاصة ولهذا، فإن السلام القائم على العدالة والوحدة الوطنية هو الإطار الحقيقي لإتاحة
التقدم والازدهار للجنوب.. وأما فيما يتعلق بالنهج الثقافي فالجنوب ليس بأرض مسيحية
وإنما واقع الإحصائيات يقول بأن فيه نسبة مسيحية تصل إلى 12% وفيه مسلمون تصل نسبتهم
18-21% والبقية لهم عقائد روحانية إفريقية وهم إلى تمثل الإسلام أقرب منهم إلى المسيحية
غير أن المسيحيين أتاحت لهم فترة الاستعمار أن يتعلموا كما أن الكنائس كانت هي دور
العلم طيلة تلك الفترة، ولهذا لم يبرز الصوت الإسلامي في الجنوب إلا مؤخرًا، أضف إلى
أن الغرب الصليبي يروّج للمسيحية في الجنوب إعلاميًا وينفخ في الأبواق الأفريقية لتردد
ذلك الصدى وتتعصب له.
سلام السيادة
روّجت الأحزاب العلمانية وتوابعها من الهيئات
السودانية والعربية إلى مشروع التمرد باعتبار أنه في مرماه الأقصى يستطيع أن ينهي التحاكم
للإسلام ومن ثم إزالة قوانين الشريعة الإسلامية -سبتمبر كما يصفونها- وقد كان الحزب
الشيوعي السوداني على وجه الخصوص حامل ذلك اللواء إلى درجة أن فاروق أبو عيسى أمين
المحامين العرب حاول أن يوجه دعوة لجون قرنق لحضور مؤتمر دمشق إلا أن المحامين لم يوافقوا
على ذلك والشيوعيون في ذلك يعملون وفقًا لحكمتهم المفضلة «الغاية تبرر الوسيلة» فهم
من أجل تحطيم القوانين الإسلامية -حسب زعمهم الواهم- يساندون من يسعى لهدم الدولة وإزالة
كيانها القومي.. تلك مرحلة قد أزيلت ولن تقوم لها قائمة بإذن الله.. فالتمرد ما كان
له أن يصل إلى ما وصل إليه لولا الطابور الخامس الممثل في الشيوعيين والعلمانيين أما
والثورة قد عزمت على حل المشكلة في إطار صحيح فالمشكلة كما أسلفنا ليست مشكلة إقليم
بأكمله، وإنما هي مشكلة فصيل ضل سعيه وتطلع إلى ما لا يملك فلابد من إعادتها بالتي
هي أحسن إن استجاب، وإلا فالوحدة وتحكيم السيادة يدعو الدولة لاتخاذ ما يحفظ وحدتها
وينبئ بها عن الاستهداف الإقليمي والدولي، وهو أمر مشروع حتى وإن استخدمت الدولة فيه
قوة السلاح، فالسيادة تملي ذلك وتعززه، ودول العالم كلها تمارس ذلك الحق دون نكير من
أحد، فلماذا إذا تطلع السودانيون إلى ذلك قامت عليهم قيامة الإعلام الغربي؟ أليست بريطانيا
تفعل ذلك مع إيرلندا وإسبانيا تحارب ثوار الباسك وهكذا؟ والسلام والحرب لا تمنع الدولة
من صياغة مشروعها السياسي وفقًا لواقعها الثقافي وليس لفئة كائنة من كانت أن تحجم ذلك
أو تعترض عليه.
فالسيادة للدولة في إقامة نوعية علاقاتها
مع الآخرين فهي تحالف شقيقاتها العربيات كما هو الحال في الدفاع المشترك مع مصر أو
البروتوكول العسكري مع ليبيا.. وتبقى مشكلة التمرد مشكلة داخلية إذا رفعت أدوات التآمر
الدولي أياديها عنها فالسودان وحكومته لا يواجهون تمردًا أهليًا بقدر ما يواجهون تآمرًا
حيكت خيوطه بواسطة فصيل قبلي والمسؤولية القومية تحتم على الدول العربية والإسلامية
أن تعي حجم ذلك التآمر وأن تمد يدها لمنعه من مواصلة اللعبة القذرة من جانب وفي ذات
الوقت يمد يده للسودان من أجل وحدته وصيانة هويته العربية والإسلامية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل