العنوان حروف على رقعة الشطرنج: السلبية... شراكة بالتواطؤ
الكاتب محمد عبد الله السمان
تاريخ النشر الثلاثاء 01-نوفمبر-1988
مشاهدات 73
نشر في العدد 889
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 01-نوفمبر-1988
لا جدال في أن الإسلام كان له اعتباره بالأمس البعيد عندما تجاوز حدود الجزيرة العربية، واتجه إلى الإمبراطوريتين اللتين كانتا تسيطران على العالم: الرومان والفرس، وفي سنوات معدودة قوض أركانهما، وليس المهم هذا- فحسب- بل ما هو أهم الاعتراف باعتبار الإسلام ذاته، كقوة يحسب لها ألف حساب، نقل إلينا ابن كثير في البداية والنهاية أن هرقل لما انتهى إليه خبر زحف المسلمين، قال لأهل الشام: «ويحكم إن هؤلاء أهل دين جديد، وإنهم لا قبل لأحد بهم، فأطيعوني وصالحوهم بما تصالحونهم، على نصف خراج الشام، ويبقى لكم جبال الروم، وإن أنتم أبيتم ذلك أخذوا منكم الشام، وضيقوا عليكم جبال الروم».
ثم دار الزمان دوراته، فإذا الأمة المسلمة التي كانت بالأمس تفرض على مشارق الأرض ومغاربها أن تحسب لها ألف حساب، تصبح اليوم وقد هان أمرها على أقل الدول شأنًا، وأهون القوى مكانًا لم تعد تمثل في موازين القوى أمرًا ذا بال... والأحداث المعاصرة أعظم شاهد، أما علل ذلك وأسبابه فلا نظن أن هناك مسلمًا واحدًا يجهلها...! ولكنا نحن- المسلمين- نحاول أن نتجاهلها... والمسلمون في واقعهم الحالي هم علة العلل أنظمة وشعوبًا، الأنظمة هي التي قضت على أن يكون للإسلام اعتبار، وذلك بطريق مباشر، وليس الاستعمار كما نزعم لنلقي بالمسؤولية عن كواهلنا، نحن لا ننكر أن الاستعمار قد استطاع أن يجمد مسار الإسلام، ولكن الاستعمار ما كان في استطاعته أن يفعل شيئًا لو أنه واجه مسلمين على الجادة، لكنه واجه شعوبًا مهيضة الجناح، وأنظمة ليست على مستوى الإسلام دينًا وخلقًا... وإذا كانت الأنظمة- بطريق مباشر- قد أضاعت اعتبار الإسلام، فإن الشعوب المسلمة- بطريق غير مباشر- قد أسهمت في إضاعة هذا الاعتبار، بسبب موقفها السلبي الذي يجعلها شريكة بالتواطؤ، وعلى عاتق علماء الدين في أنحاء العالم الإسلامي يلقى النصيب الأوفى من المسؤولية.
قد تكون العلل متشعبة ولكن جميعها يصدر عن أصل واحد هو عدم الالتزام بالإسلام والتحلل من مبادئه وقيمه وأخلاقياته، وهذه سنة الله: ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).
يقول البلاذري في فتوح البلدان: عندما أقبل رسل يزيد بن عبد الملك على «رتبيل» ملك سجستان يطالبونه بالخراج، قال لهم: ما فعل قوم كانوا يأتوننا: خماص البطون، سود الوجوه من الصلاة نعالهم خوص؟ قالوا: «انقرضوا» قال: «أولئك أوفى منكم عهدًا، وأشد بأسًا، وإن کنتم أحسن منهم وجوهًا» ثم لم يعط أحدًا من عمال بني أمية، ولا عمال أبي مسلم على سجستان شيئًا...
ومن هنا بدأت العلل تستفحل فالسلف الأول كان يملك إيمانه، ولا تنال منه مظاهر الدنيا بأسرها مثقال ذرة، ولذلك دان لهم العالم بالطاعة والاعتبار، وخلف من بعد هذا السلف الأول خلف كان لمظاهر الدنيا في نفوسهم المقام الأول، أما الإيمان فلم يحظ عندهم حتى بالمرتبة العاشرة، إن حب الدنيا حملهم على كراهية الموت في سبيل الله، وقد نبه إلى ذلك رسول الله -صلوات الله وسلامه عليه- في حديث أبي داود عن ثوبان رضي الله عنه: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها... فقال قائل: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير... ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن، فقال قائل: وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت».
لقد أضعنا للإسلام اعتباره، لأننا تجاهلنا عن عمد مسئوليتنا: أنظمة وشعوبًا عن حماية هذا الدين، وكان قد تحدث أستاذنا العلامة أبو الأعلى المودودي عن هذه الحماية في مؤلفه عن مبادئ الإسلام، فأشار إلى أن حماية الإسلام آخر فرائض الله على عباده، فإذا ادعيت أنك مسلم، فإن هذه الدعوى معناها أن تكون فيك الحمية الإسلامية والغيرة على الإيمان، وحب الدين، والنصح الصادق لإخوانك المسلمين، ويكون نفع الإسلام وخير المسلمين نصب عينيك... ولا تعتبر عزتك إلا في عزة الإسلام والمسلمين، ولا تصبر على مذلة الإسلام والمسلمين، كما لا تصبر على مذلة نفسك... ولا تعاون أعداء الإسلام والمسلمين كما لا تعاون أعداء نفسك... وتكون مستعدًا لكل نوع من التضحية بنفسك ومالك دفاعًا عن الإسلام وذودًا عن كيان المسلمين، كما تكون مستعدًا لكل نوع من التضحية دفاعًا عن نفسك... إلى أن يقول رحمه الله: ينبغي أن يكون كل من يقول: إني مسلم متصف بهذه الصفات... وإلا عد من المنافقين... وشهد عليه عمله بأنه كاذب في دعواه اللسانية فهلا تأملت شعوبنا في هذه الحقائق؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل