العنوان السلطان عبد الحميد ..وقضية فلسطين
الكاتب عبداللطيف الصباغ
تاريخ النشر السبت 22-أكتوبر-2005
مشاهدات 75
نشر في العدد 1674
نشر في الصفحة 35
السبت 22-أكتوبر-2005
يرجع أصل اليهود في الدولة العثمانية إلى زوجة السلطان سليمان القانوني الروسية الأصل التي أهداها تتار القرم للسلطان المذكور. نجحت الزوجة اليهودية في توصيل ابنها (سليم الثاني) لعرش الدولة العثمانية على حساب ولي العهد ( مصطفى) ابن سليمان من زوجته الأولى، ثم توسطت لدى السلطان سليم للسماح لليهود المضطهدين في إسبانيا والفارين من محاكم التفتيش بالهجرة إلى الدولة العثمانية، فاستقروا بها في القرن السادس عشر الميلادي.
يهود الدونمة والدولة العثمانية
وفي القرن السابع عشر ظهر من بين اليهود المهاجرون من إسبانيا شخص يدعى شبتاي زايفي، ادعى أنه المسيح، وأنه سيقيم دولة لليهود في فلسطين، فلما استفحل أمره ألقت السلطات العثمانية عليه القبض، وسئل عن ادعائه بأنه المسيح، وأنه سوف يختبر رمياً بالرصاص فإن كان المسيح حقاً لن يموت، فأنكر من فوره، وعرضوا عليه الإسلام فأسلم تقية، وطلب السماح له بدعوة اليهود للإسلام، فأسلم معه عدد كبير ظاهرياً، يؤدون مظاهر الإسلام مع إيمانهم باليهودية والعمل لها، وظلت هذه الحركة تنمو في المجتمع العثماني بشكل سري كخلايا سرطانية، عُرف أتباعها بيهود الدونمة، وتعني في اللغة التركية المرتدين، وتركز أتباعها في سالونيك، بعيدًا عن السلطة المركزية.
وسعى يهود الدونمة إلى هدم الدولة العثمانية سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، بوسائل عدة منها التعاون سرًا مع أعداء الدولة العثمانية من الروس والأوربيين، فكانوا يلعبون دور الجاسوسية أو ما عرف بعد ذلك في المصطلح السياسي بالطابور الخامس، وكذلك التغلغل في الجمعيات السرية مثل جمعية الاتحاد والترقي لهدم الدولة من الداخل، ومساندة قيادات تتبنى الأفكار التوراتية، مثل مصطفي كمال، كما تبنوا حملة لتشويه صورة السلطان عبد الحميد واتهامه بالجمود والتخلف، تمهيدًا لإبعاده عن سدة الحكم.
الصهيونية.. وعبد الحميد وفلسطين
لم تفلح جهود تيودور هرتزل - مؤسس الصهيونية العالمية - في مقابلة السلطان عبد الحميد على مدار عامين كاملين، فوسط صديقه نيولنسكي (رئيس تحرير الشرق) ليبلغ السلطان استعداد اليهود لحل الأزمة المالية للدولة العثمانية «مشكلة الديون مع الدول الأوربية»، وحل مشكلة ثوار الأرمن، وحماية الدولة العثمانية من الممالك الأوربية، في مقابل السماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين وإقامة دولة بها. وعلى الرغم من سخاء العرض الذي تقدم به الصهاينة إلا أن السلطان عبد الحميد رد بشكل قاطع بأنه لا يستطيع أن يتنازل عن شبر واحد من أرض فلسطين المقدسة، لأنها ملك للمسلمين جميعًا، فليحتفظ اليهود بملايينهم، ويمكنهم الحصول على فلسطين بدون مقابل على جثته.
ولما كان اليهود يملكون معظم الصحف الأوروبية حاول هرتزل إثارة حملة إعلامية في أوربا ضد الدولة العثمانية، وأثار قضية الأرمن، للضغط على السلطان عبد الحميد، واستمر هرتزل في بذل الجهد حتى ظفر بلقاء السلطان عبد الحميد في عام ۱۹۰۱م، واستمع له السلطان حتى أفرغ ما في جعبته من وعود ومطالب، ولم يعطه السلطان ردًا قاطعًا، خرج هرتزل من اللقاء موقنًا تمامًا برفض السلطان عبد الحميد، ومن ثم استحالة الاعتماد على تركيا في ظل هذا الرجل العنيد، مؤمنًا بضرورة التخلص من السلطان عبد الحميد وتوريط الدولة العثمانية في مشكلات وحروب مع دول أوربية، كما ركز الصهاينة على هدم الدولة العثمانية من الداخل عن طريق المحفل الماسوني ويهود الدونمة، فتولوا التنسيق مع الجبهات المناوئة للسلطان عبد الحميد من الجمعيات السرية، ولاسيما جمعية الاتحاد والترقي وتركيا الفتاة والدستوريين كما تمكنوا من رشوة الجهاز الإداري لتسهيل الهجرة إلى فلسطين دون علم السلطان.
أفيقوا أيها السادة
إذا كان السلطان عبد الحميد بهذا الورع والإخلاص فكيف نجحت مخططات الغرب والصهاينة ضده؟
بداية لابد أن نعترف أن الرجل يكفيه فخرًا موقفه من الصهيونية ورفضه بيع قضية فلسطين، لكن لكي نستفيد من حركة التاريخ لابد من نقد بناء لا تجريح فيه ولا رياء، ففي رأيي أن الثغرة الرئيسة التي نفذ منها أعداء الدولة كانت هي تهمة الاستبداد التي انساق وراءها كثير من المثقفين العرب، ولا نستطيع أن نخلي جانب السلطان عبد الحميد منها؛ فقد جاء إلى الحكم بطموحات كبيرة من الحرية والديمقراطية، وبدأ بإعداد دستور جديد للدولة، لكن تعثرت تجربة الدستور، ومع فساد المحيطين به من رجال الإدارة اضطر - من وجهة نظره بالطبع - أن يقبض على أزمة الأمور بقبضة من حديد، الأمر الذي أتاح لأعدائه فرصة أن يتهموه بالاستبداد، ووجدت هذه التهمة صدى لدى من يسمون بالأحرار والقوميين العرب والدستوريين الأتراك وغيرهم، وليس أدل على ذلك من سوء العلاقة بين السلطان والسيد جمال الدين الأفغاني، الذي تحمس للسلطان عبد الحميد وبايعه بالخلافة من قبل، فكانت تهمة الاستبداد سببًا في انهيار دولته وتحطيم حلمه في جمع كلمة المسلمين وتوحيدهم تحت راية الخلافة، وكانت سببًا أيضًا في نجاح الصهاينة والغرب في تحقيق أهدافهم ونجاح الهجمة الاستعمارية وتقسيم العالم الإسلامي، وما أشبه اليوم بالبارحة، فتحت ستار الحرية والديمقراطية ومحاربة الاستبداد يأتي الاستعمار الجديد، فهل من متعظ؟!
-----------------------------------
المصادر:
- علي محمد الصلابي، الدولة العثمانية عوامل النهضة وأسباب السقوط دار التوزيع والنشر الإسلامية، ٢٠٠٤م) ط ٢.
- السيد يوسف جمال الدين الأفغاني والثورة الشاملة سلسلة تاريخ المصريين عدد ١٥١، القاهرة، ۱۹۹۹م.
- Stanford Shaw & E. K. Shaw, History of the Ottoman Empire and modern Turkey, (London, 1977), Vol. 1.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل