العنوان السنغال.. هل تنتهي أزمة كازامانس؟
الكاتب بدر حسن شافعي
تاريخ النشر السبت 22-نوفمبر-2003
مشاهدات 54
نشر في العدد 1578
نشر في الصفحة 44
السبت 22-نوفمبر-2003
أثارت محادثات السلام التي تمت في الفترة من ٦-٨ أكتوبر الماضي بين الحكومة السنغالية ومتمردي كازامانس «الحركة الديمقراطية لتحرير كازامانس» عدة تساؤلات بشأن إمكان إحلال السلام في هذا الإقليم الجنوبي الذي يسعى منذ عام ۱۹۸۲ إلى الاستقلال، ثم عدل عن هذه الفكرة مؤقتًا، في المؤتمر العام للحركة عام ١٩٩٩، حيث أخفت الحركة من بيانها كلمة الاستقلال، وطالبت في المقابل بأمرين: الأول وقف العداء بينها وبين الحكومة، والثاني رفع الحراسة عن القس دياماكون سنجور الأمين العام للحركة آنذاك، إذ كان رهن الإقامة الجبرية في عهد الحزب الاشتراكي الذي كان يرأسه الرئيس السابق عبده ضيوف.
ولقد كان الرئيس الحالي عبد الله واد حريصًا قبل انتخابه عام ٢٠٠٠ على وضع قضية إقليم كازامانس ضمن أولوياته لما تشكله من تهديد للأمن الداخلي ذلك البلد المسلم في غرب إفريقيا، والذي يوصف بأنه واحة للاستقرار في الإقليم نظرًا لقلة المحاولات الانقلابية التي شهدها، والتي تعد سمة مميزة لجيرانه، وقد فطن واد إلى أن الحل العسكري وحده لن يحقق الاستقرار، وإن كان يمكن الاستفادة من نتائجه على طاولة المفاوضات خاصة في ظل وجود دعم إقليمي للمتمردين من قبل القوى المعارضة في دول الجوار في الجنوب " جامبيا، غينيا بيساو"، كما أنه لم يرد أن يكرر خطأ سلفه ضيوف في إتباع أسلوب الحسم العسكري في التعامل مع التمرد والذي أدى إلى تعاطف الشعب السنغالي المسلم «تبلغ نسبة المسلمين ٩٢٪، في حين يشكل الوثنيون واللا دينيين ٦٪، والنصاري٢٪» مع الحركة التي يقودها نصارى، ولعل سبب الاستياء آنذاك راجع إلى قيام الرئيس ضيوف بتعيين الجنرال لامين سيس وزيرًا للداخلية عام۱۹۹۸، واعتماد الأخير سياسة الذراع الطويلة في القضاء على المتمردين في الأدغال والغابات الاستوائية.
ومن هنا فقد أعلن واد في برنامجه الانتخابي قبل انتخابات عام ۲۰۰۰ أن من بين مهامه تسوية هذا النزاع، واتبع عدة وسائل في هذا الشأن:
١- قرر عقب فوزه وقف أعمال لجان السلام التي كانت تمثل إطار التباحث بين الحكومة السابقة والحركة، وأكد أهمية الحوار المباشر مع الحركة والدول الإقليمية التي تجد فيها دعمًا وفي مقدمتها جامبيا وغينيا بيساو.
٢- قرر واد إطلاق سراح الأمين العام للحركة دياماكون سنجور «الذي اختير في العام التالي رئيسًا لها»، وهو الأمر الذي تم تفسيره آنذاك بأنه خطوة على طريق التوصل إلى تسوية سلمية للأزمة.
٣- طالب في مارس ۲۰۰۱ السلطات القضائية في البلاد بإطلاق سراح جميع المعتقلين بتهم تتعلق بالنزاع حول الإقليم، وبالفعل تم إطلاق سراح ١٦ شخصًا.
وكان من جراء هذه الخطوات توصل الطرفين في مارس ٢٠٠١ إلى اتفاقيتي سلام كان من أهم بنودهما:
١- إطلاق سراح جميع السجناء من الجانبين.
٢- نزع سلاح الجماعات المسلحة التابعة للحركة، وفي المقابل عودة الجيش إلى ثكناته.
لكن يلاحظ أن الاتفاق واجه بعض الصعوبات خاصة من جانب الحركة التي شهدت حالة من الانقسام والاقتتال الداخلي بين فصائلها، كما كان هناك صراع على السلطة في أغسطس ٢٠٠١، بعد الإعلان عن تولي دياماكون سنجور، «الذي يطالب بضرورة حصول أبناء الإقليم على حقوق متساوية في ظل بلد واحد» منصب الرئاسة بدلًا من منصب الأمين العام وانشقاق بعض المعارضين «الصقور» عنها، وكانت النتيجة عجز الحركة عن تبني موقف موحد بشأن المفاوضات مع الحكومة.
دوافع الطرفين تجاه المفاوضات
أولًا: بالنسبة للحكومة، يمكن القول بوجود عدة دوافع دفعت الحكومة في اتجاه السعي لإيجاد حل للأزمة من أهمها الرغبة في التخلص من نفقات الحرب، ومعروف أن فاتورة الحرب تأتي على حساب قوت الشعب، كما أن مميزات إقليم كازامانس السياحية تجعل من الضروري الاهتمام بتسوية الأزمة إذ تشكل السياحة المورد الثاني بعد الزراعة، مع احتمال أن يتعرض الاقتصاد السنغالي لهزات عنيفة من جراء الاعتماد على الزراعة بسبب مواسم الجفاف المستمرة التي يتعرض لها، مما قد يدفع البلاد إلى استيراد بعض المحاصيل من الخارج كالأرز، وكان من نتيجة ذلك زيادة الديون الخارجية عام ١٩٩٨ لتصبح ٣,٨٦ مليار دولار، في حين أن إجمالي الناتج المحلي بلغ آنذاك ٤,٨ مليار دولار.
وبالنسبة للحركة، فإن موجة الانقسامات التي شهدتها في الآونة الأخيرة فضلًا عن تراجع الدعم القادم إليها من دول الجوار، خاصة في ظل سعي النظام لتحسين علاقاته مع هذه الدول، كما حدث عام ۱۹۹۸ عندما تدخلت القوات السنغالية لدعم رئيس غينيا بيساو في مواجهة المحاولة الانقلابية الفاشلة التي تعرض لها آنذاك، كل ذلك دفع الحركة إلى فقدان حليف لها، وإن كان الانقلابيون في بيساو تحولوا لدعم الحركة نكاية في النظام السنغالي، وهكذا لجأت الحركة إلى أسلوب المفاوضات خاصة في ظل صعوبة حسم المعركة عسكريَّا.
إذن فقد كانت هناك دوافع للجانبين للجلوس إلى مائدة التفاوض، وبالفعل استمرت المفاوضات لمدة يومين "٦-٨أكتوبر" وجرت في عاصمة الإقليم وليس في العاصمة داكار وهي نقطة إيجابية من جانب الحكومة، وطلب رئيس الحركة من قواته إلقاء السلاح، حيث أشار إلى أنه لم يعد هناك مجال للحديث عن دولة مستقلة، وإنما يجب البقاء في إطار الوطن الواحد مع تحسين أحوال أبناء الإقليم، وإلى نفس الأمر ذهب سكرتير عام الحركة الذي أعلن أن الحرب انتهت THE WAR IS OVER.
ولقد أثارت هذه التصريحات نبرة تفاؤلية لدى المحللين للشأن السنغالي، إلا أن بعضهم أبدى مخاوفه بسبب مقاطعة صقور الحركة للمفاوضات مثل أنصار سيدي بادجي القائد العسكري السابق في الحركة، كما أن عدم وجود سيطرة لقيادة الحركة على مقاتلي الأدغال الذين يقومون بنصب كمائن على الطرق لقوات الجيش والمدنيين من شأنه تقويض ما تم التوصل إليه، ولعل ذلك سبب عدم نجاح أي اتفاق يتم التوصل إليه بين الجانبين منذ إطلاق مبادرات السلام عام ١٩٩١.
على أي حال فإن تعاطي الحكومة الحالي مع الحركة يجعل الكرة الآن في ملعبها، ويثبت أنها، أي الحركة غير قادرة على السيطرة على الوضع الأمني في الإقليم، ومن ثم فهي مصدر التوتر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل