العنوان السودان: الحوار الوطني وقضية السلام في الجنوب
الكاتب عبيد الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1989
مشاهدات 65
نشر في العدد 935
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 03-أكتوبر-1989
التحرك السياسي
الذي انتهجته ثورة الإنقاذ الوطني جرد قرنق من سلاحه السياسي وأقصاه من التحدث
باسم الجنوب.
حركة التمرد
أنفقت ثمنًا باهظًا لتحصل على مكتسبات متضائلة بالقياس للانشقاق في أوساط
الجنوبيين.
عمر البشير:
تأمين السلام العادل لكل الأطراف.
قرنق: الحرب
الخاسرة لا تربح السلام.
هناك عدة إشارات
تدل على أن حالة انقشاع منتظمة ستحتوي الوضع المجمد في جنوب السودان، خاصة في
أعقاب صدور مقررات مؤتمر الحوار الوطني المنعقد في التاسع من هذا الشهر في
الخرطوم، فقد ذكرت جريدة «الأنباء» الكويتية في الأسبوع الماضي نقلًا عن وكالة
الأنباء الألمانية بأن المملكة العربية السعودية أعلنت عن استعدادها للمساعدة في
تحقيق السلام بالجنوب.
صرح بذلك العقيد
محمد الأمين الخليفة عضو مجلس قيادة الثورة عقب لقاء مع السفير السعودي في الخرطوم
عبد المحسن السديري، وقال السديري: «إننا سوف نوضح للولايات المتحدة وبريطانيا
والدول العربية أنه إذا ما كان الزعيم المتمرد العقيد جون قرنق يريد السلام، فإن
ذلك يُعد طيبًا، وإذا رفض قرنق السلام فإن السعودية في هذه الحالة سوف تساند
السودان في المحافل الدولية لفرض السلام عليه».
ومن جهة أخرى
صرح وزير خارجية إثيوبيا بأن بلاده لا ترغب في مواصلة التسهيلات الممنوحة لحركة
التمرد الجنوبية بقيادة جون قرنق، وأن الصعاب التي تعيشها إثيوبيا تمنع من مواصلة
مثل تلك المساعدات.
وفي الخرطوم صرح
مصدر مسؤول بأن إثيوبيا في طريقها لإنهاء كثير من صور التعامل مع فريق، وأن امتياز
البث الإذاعي الممنوح لحركته سوف يتوقف في مطلع أكتوبر القادم، هذا في الوقت الذي
قام فيه قائد التمرد بزيارة لأوغندا، تطرق فيها للدعوة لوساطة أوغندية يُحتمل أن يقوم
بها الرئيس يوري موسفيني بينه وبين حكام الخرطوم، وعليه فإن مجمل هذه الوقائع يشير
بأن حالة الجمود آيلة إلى الزوال، وأن الأيام القليلة القادمة ستشهد تحركًا
إيجابيًا من أجل إيجاد حلول ناجحة لمشكلة الجنوب، بما فيها الطرف المتعلق بقضية
التمرد المثارة من قبل قوات الخوارج بقيادة جون قرنق.
الحوار:
في التاسع من
الشهر الجاري انعقد في الخرطوم مؤتمر الحوار الوطني، وقد ضم المؤتمر بين أعضائه
الـ 105 عضوًا فعاليات سياسية وأكاديمية واجتماعية مرموقة بالإضافة إلى أكثر من
عشرين عضوًا من أبناء الإقليم الجنوبي.
وقد صرح العقيد
محمد الأمين الخليفة بأن مقررات المؤتمر ستكون بمثابة أجندة للمفاوضات المقبلة مع
جون قرنق، والجدير بالذكر بأن المؤتمر يناقش كل القضايا المركزية المتصلة بنقاط
الخلاف بين الشمال والجنوب بما في ذلك مسألة الهوية والقوانين والتشريع ومشكلة
تقسيم السلطة وتوزيع الثروة وقضية الوحدة الوطنية والسلام والتنمية، وقد تفرعت
لجان متعددة تخصصت كل منها في قضية بعينها.
وفي غضون ذلك
صرح العميد عثمان أحمد حسن عضو مجلس قيادة الثورة ورئيس اللجنة السياسية بالمجلس
بأن جون قرنق يخشى من طاولة المفاوضات التي تجلس حولها كافة القطاعات السودانية من
الشمال والجنوب من أجل سلام لا يرضخ فيه كل من حمل السلاح، وإن الحوار الوطني يتم لكيلا
يحدث تجاهل لحقوق الفئات التي لم تحمل السلاح حتى لا تضطر مستقبلًا لحمل السلاح،
وذكر بأن في الجنوب قوات شعبية متعددة و«ميليشيات» ليست على توافق تام مع الحكومة،
كما أنها ليست لها صلة بحركة جون قرنق مثل أنانيا 2 وحركة الفرنيت.
وإن الدكتور
لوكا مونقا يطالب بانفصال الجنوب عن الشمال، كما أن سكان الاستوائية لهم تصور
سياسي خاص ولا بد للمؤتمر أن يستوعب كل تلك الإشكالات.. ويبدو أن النتائج الأولية
التي أسفرت عن لقاءات اللجان تصب في حصيلة الوحدة الوطنية والتماسك القومي من أجل
إقرار سلام دائم. ومن الشجون العالقة بذهنية مؤتمر الحوار الوطني إيضاح الحجم
الحقيقي لمشكلة جنوب السودان وتسجيل مواقف وتصورات الأطراف الجنوبية المختلفة من
بناء صرح الوحدة الوطنية والسلام؛ مما يساعد الحكومة في إزالة اللبس المتكون لدى
كثير من الدول الخارجية، بما في ذلك الدول الغربية والأفريقية من الربط بين مشكلة
الجنوب بعمومها وإشكالية التمرد التي اعتسفت حركة قرنق طيلة الفترة الماضية في
تصويرها، وكأنها قضية واحدة، وهو ما عجزت الدبلوماسية الحزبية عن إبانته للعالم
الخارجي بما في ذلك دول الجوار.
فرص السلام:
من خلال التحرك
السياسي المنظم الذي انتهجته ثورة الإنقاذ الوطني، استطاعت أن تكون رأيًا عامًا
لفك الارتباط بين حركة التمرد ومشكلة جنوب السودان، فلم تعد حركة التمرد معها
الصوت الوحيد المسموع لدى دول الجوار الأفريقية، وعليه فإن أكثر الدول الأفريقية
أبدت تجاوبًا حيويًا تجاه موقف ثورة الإنقاذ الوطني، فيما أعلنت إثيوبيا بوضوح تام
ولأول مرة بأنها ليست مع دعم التمرد، وأنها ستسعى لإيجاد أجواء مساعدة لإحلال
السلام في الجنوب، بل إنها سعت فعلًا وليس ذلك في تصريحاتها العديدة، وإنما
الوساطة التي قامت بها بالاشتراك مع مصر، للقاء الذي تم بين وفد الحكومة وحركة
التمرد.
وإثيوبيا مرشحة
فعلًا لدور مغاير لمواقفها السابقة، فهي داخليًا لا تجد لديها الإمكانية الكافية
لمواصلة المشوار في مغامرة الحرب ضد الآخرين، خاصة وأن العالم الخارجي فيما يبدو
قد كره استمرار نمط الحرب بالإنابة وبموجب ذلك خرجت القوات الكوبية والبالغ
تعدادها 30 ألف جندي، والتي كانت تمثل مركز التفريخ الأول للمتمردين تدريبًا
وتسليحًا وتنفيذًا للعمليات المستعصية.
وإثيوبيا تنبذ
حاليًا الحرب كذلك لأنها اكتوت بنيرانها وأصابها من البلاء قدر وافر في حروبها مع
ثوار إرتيريا والتيغراي وأورومو وأوغادين بالإضافة لحربها مع الصومال؛ ولهذا فهي
تسعى للسلام مع كل تلك الأطراف بعد أن عجزت آليتها الحربية عن تحقيق انتصار على
أية من الجبهات المختلفة، وبالتالي فإن التفكير بالسلام يعني في كثير من الأحيان
عدم عرقلة مساعي الآخرين لنيله، وهو ما يدفع إثيوبيا حاليًا لإتمامه... وفي
المقابل فإن القيادة المصرية تبذل جهودًا متواصلة من أجل إحلال السلام على جميع
الأصعدة بما في ذلك إثيوبيا التي تمثل مركز إيواء واحتضان حركة التمرد، كما أن
الدبلوماسية المصرية استثمرت مؤخرًا علاقاتها الأفريقية من أجل إزالة أسباب الخلاف
بين الحكومة السودانية وحكومات الدول الأفريقية، مما ساعد في تكوين رأي أفريقي
داعم لموقف حكومة الإنقاذ الوطني، والحكومة المصرية في ذلك تُثمن الخطر الحقيقي
لمشكلة جنوب السودان وانعكاساتها على السودان، وبالتالي على مصر فالجنوب يُعد
رافدًا أساسيًا من منابع النيل ذي الحيوية البالغة.
العزلة:
كانت استراتيجية
التمرد تقوم على استغلال أمثل للظروف المحلية والإقليمية والدولية لخلق بُعد سياسي
وعسكري فاعل في جنوب السودان، مما يكسب الحركة على المدى الطويل نفوذًا سياسيًا
ضاغطًا على الشمال، من أجل فرض سيطرة حقيقية على القرار السياسي، وهو هدف ظل يراود
العقيد المتمرد منذ أن كان جنديًا مجهولًا في قوات أنانيا الأولى. وقد أفصح عن ذلك
في مقابلة أجرتها معه صحيفة «هيرتيج» السودانية التي تصدر باللغة الإنجليزية قبل
قيام ثورة الإنقاذ الوطني.. فقد ذكر بأن حركته ما قامت إلا بعد أن أصدر جعفر نميري
في عام 1983 قرارًا بنقل قوات أنانيا المستوعبة في القوات المسلحة من جنوب السودان
إلى الشمال مما يعني تفتت قاعدة النفوذ العسكري والسياسي؛ ومن ثم فلا بد من موقف
يُعيد إحكام سيطرة تكتل أنانيا السابق إلى مركز القيادة... وعندما قام التمرد
الحالي تحت شعارات خادعة ولافتات جذابة، كان مركز الاهتمام هو خلق النفوذ السياسي،
غير أن المكتسبات التي حصدتها الحركة في عمرها الطويل - 6 سنوات - كانت ضئيلة
نسبيًا بالرغم من الاحتلال الذي هيأت له السبيل اتفاقية الذل والخيانة المسماة
اتفاقية «الميرغني – قرنق» بل إن كل تلك المكتسبات تكاد تنخسف تمامًا إذا ما قورنت
بالثمن المنفق عليها... فقد أدى التمرد الحالي إلى خطوات تغييرية واسعة، كما زرع
التفرقة بين أبناء الإقليم وألهب المشاعر القبلية ضد قبيلة الدينكا خاصة الفرع
الذي يقود التمرد حاليًا، ولأول مرة سافر أبناء جنوب السودان إلى الدول الأفريقية
والغربية شاكين من سلوكيات قيادة التمرد، ورافضين لخطواتها التدميرية، مما يدل على
أن الجنوب يرى في الشمال ملاذه، فقد كانت حركة النزوح عظيمة نحو الشمال فقد بلغت
الأعداد النازحة إلى الشمال أكثر من 3 ملايين جنوبي أي ما يقارب 55% من سكان
الجنوب، ولهذا كانت عزلة جون قرنق عظيمة وخسارته فادحة.
تأمين:
إن السلام هدف
مُسمى لدى حكومة الخرطوم بصفة أساسية، وهو يتركز لدى حكومة الإنقاذ الوطني على
سلام عادل يضع كل الأطراف الجنوبية وفق موازنة موضوعية، وقيادة الثورة تعي أن
السلام غير العادل والمُقنع لكل الأطراف الجنوبية لن ينال حظه من الديمومة
والبقاء، وسيفتح المجال مستقبلًا لتمرد جديد، ولهذا لن يكون الحل لصالح جون قرنق
على حساب تصورات الأطراف الجنوبية الأخرى وأهدافها... ولهذا السبب بالذات كانت
مواقف الثورة جِدًا محسوبة تجاه التمرد، فهي لا تتجاهله ولا تُقلل من شأنه إلا
أنها في الوقت ذاته لا تعطيه حجمًا أكبر من طبيعته... ولتأمين السلام في الجنوب
يجب بناء قوات مسلحة حديثة قادرة على حماية الأرض والعرض؛ لتحس معها الفئات
المتضعضعة بالثقة بأن السلام لا يُهدم ركنه إذا ما فكر البعض بالخروج على السيادة؛
ولذا فالثورة تضع في حساباتها إعادة تسليح القوات وتوفير الاحتياجات الأساسية
للجيش، كما أن التعبئة العامة في أوساط الشعب تُعلي من شأن أهمية السلام القائم
على العدل والتضحية، وتبقى فرص السلام وتأمينه أفضل عندما تكون القيادة تدرك أهمية
السلام بالقدر الذي طرحته ثورة الإنقاذ الوطني.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل