; السودان: تخوف كبير من سيناريو الحل الأمريكي :تقرير القس دانفورث يقدم قراءة مغلوطة لقضايا الدين وتقرير المصير ونوع الحكم | مجلة المجتمع

العنوان السودان: تخوف كبير من سيناريو الحل الأمريكي :تقرير القس دانفورث يقدم قراءة مغلوطة لقضايا الدين وتقرير المصير ونوع الحكم

الكاتب محمد حسن طنون

تاريخ النشر السبت 01-يونيو-2002

مشاهدات 55

نشر في العدد 1503

نشر في الصفحة 28

السبت 01-يونيو-2002

التقرير يسعى لفرض شروط خارجية على السودان تحت زعم توفير الحرية الدينية لأهل الجنوب.

تسلمت الحكومة السودانية النص الكامل لتقرير المبعوث الأمريكي القس دانفورث بعد أن رفعه هذا السيناتور الأصولي للرئيس بوش الأسبوع الماضي.

الذي يقرأ التقرير يلاحظ أن المبعوث الأمريكي حدد بشكل واضح نقاط النزاع الأساسية في خمس نقاط هي: النفط، تقرير المصير، علاقة الدين بالدولة، قضية الحكم، وضمانات تنفيذ الاتفاقات.

 بعض السودانيين الذين تعجلوا قراءة النص ولم يحاولوا الغوص بين السطور أشادوا بالتقرير وقالوا إن مقترحاته وتوصياته اتسمت بالموضوعية والواقعية وتميزت بقدر من الحياد والنزاهة وعدم الانحياز لأطراف النزاع.

 بالمقابل يعتقد الذين درسوا النص بإمعان وغاصوا بين السطور أن التقرير يثير تخوفات عديدة لدى السودانيين حكومة ومعارضة

1- حدد التقرير المذكور النفط كبند أول بين الجنوب والشمال مع أن النفط اكتشف وتم استخراجه قبل عامين فقط وحركة التمرد بدأت منذ عام ١٩٥٥م قبل الاستقلال فلماذا يركز القس على النفط؟.

يقول التقرير إنه بعد اكتشاف النفط وتصديره «أصبح البعد النفطي جزءًا مهمًا من مشكلة الحرب والسلام في السودان» ودعا التقرير لاقتسام عائدات النفط بين الشمال والجنوب، وهنا يثور جدل كبير: ماذا يقصد القس المعروف بـ تعاطفه مع حركة جون جارانج المتمردة؟، النص الإنجليزي يقول ما ترجمته: «ضروري إيجاد صيغة نقدية لقسمة عائدات النفط بين الحكومة المركزية ومواطني الجنوب» ولكن ماذا يقصد الرجل بمواطني الجنوب؟ هل الحركة الشعبية التي تسيطر على مناطق في الجنوب ويستقيل زعيمها جون جارانج في واشنطن بترحاب ويعامل كرئيس دولة؟.

لقد صرح جارانج مرات بأنه بصدد بناء البنية التحتية للمناطق التي يحتلها وأنه قرر إصدار عملة خاصة إنشاء مصرف مركزي في الجنوب، ورجع المتمرد جارانج من واشنطن بعد أن وافقت هيئة المعونة الأمريكية على تقديم معونة قدرها أربعون مليون دولار لحركة التمرد.

أم يقصد التقرير بمواطني الجنوب حكومة جنوب السودان الفيدرالية القائمة ضمن النظام القائم في السودان الموحد الآن؟ فالوضع القائم هو أن هنالك عشر ولايات جنوبية لها ولاتها من الجنوب وحكومتها المحلية بوزرائها ومحافظيها وكلهم جنوبيون والحكومة المركزية في الخرطوم تقوم بالصرف على هذه الولايات وترصد لها في الموازنة العامة أموالًا طائلة للتنمية والتسيير اليومي.

ترامت إلى الأسماع أن هناك مذكرة تفسيرية لتقرير دانفورث تفسر عبارة مواطني جنوب السودان بأنها الحركة الشعبية التي يقودها جارانج وإن صح وجود مذكرة بهذه المعنى فإن التقرير قد ولد ميتًا ولن يقبل به أحد حيث أن الحركة الشعبية لا تمثل كل مواطني الجنوب بل هي لا تمثل إلا جارانج وشرذمة المنتفعين من الحرب، ومن الخطأ الفادح الذي تقع فيه أمريكا اعتماد الحركة كممثل شرعي وحيد لجنوب السودان كما هو الحال عند اعتماد منظمة التحرير الفلسطينية كممثل وحيد وشرعي لكل الفلسطينيين فحصد الجميع الهشيم.

أكثر من ثلثي الجنوبيين يعيشون في الشمال مع إخوانهم الشماليين مستفيدين من كل ثروات السودان ومن كل الخدمات التي يتمتع بها الشماليون حتى إن هؤلاء الجنوبيين يصرون على أن يدفنوا مع الشماليين.

لو كان التقرير منصفًا لذكر إن النفط لا علاقة له بالحرب لا بالمكان ولا الزمان، والنفط في كل العالم يعتبر ثروة قومية تتصرف فيها الحكومات المركزية بالتقسيم العادل لكل مناطق البلاد، بل لو كان التقرير منصفًا لذكر ما شاهده من أن مناطق الجنوب التي يسيطر عليها الجيش السوداني وتحكمها حكومات ولائية بنظام فيدرالي تتمتع بخدمات أفضل في مجال الأمن والتعليم والخدمات الصحية، في حين أن المناطق التي تحت سيطرة جارانج تعيش حالة بؤس ومعاناة رغم تدفق المعونات وقد فشل جارانج تمامًا في إقامة مجتمع مدني ومؤسسات مدنية بل إنه فشل حتى في صهر القبائل الجنوبية المتنافرة في مجتمع واحد فالقتال وعمليات التصفية البدنية والقبلية ماضية حتى لأقرب المقربين الجارانج مما يؤكد أن جارانج لا يتحرك بحركته لصالح الجنوبيين وإنما لصالح القوى التي توظفه وتدعمه.

۲- قضية الدين: يقول تقرير القس الأصولي البروتستانتي دانفورث في موضوع الدين إنه ليس هنالك موضوع ينقسم عليها السودانيون بحدة مثل موضوع علاقة الدين بالدولة ويتحدث على أن هناك خلافًا حادًا بين المسلمين والمسيحيين حول قضية الدين وأنه ليس هناك تواصل أو تفاهم بين العقيدتين ولذلك يرى التقرير أن أي مفاوضات للسلام يجب أن تعالج هذا الموضوع بصراحة ووضوح وتوسع وقد تكون هناك حاجة للاستعانة بقيادات إسلامية ومسيحية من خارج السودان ولا بد من توفير ضمانات كافية، ومجرد الحديث عن التسامح لا يكفي وقد تشمل الضمانات المقترحة رقابة دولية لحماية الحريات الدينية.

يقول التقرير بالنص: «إن أي اتفاق سلام ينبغي أن يأخذ في الاعتبار علاقة الدين بالحكومة بوضوح وبعمق، وإن التقسيم السياسي في البلاد ليس حلًا لقضية الدين فمن الضروري البحث عن ضمانات أخرى للحريات الدينية، إن المزيد من التأكيدات الشفهية بالتسامح الديني لن تقنع غير المسلمين، إن المفتاح يكون في إيجاد ضمانات داخلية وخارجية للحرية الدينية، الضمانات الداخلية تتم عبر إجراءات قضائية من أجل تأمين الحقوق الدينية أما الضمانات الخارجية ينبغي أن تشمل رقابة دولية للحريات الدينية مع اتباع سياسة العصا والجزرة لفرض لحقوق الدينية».

هذا التقرير بحاله يدعو إلى التدخل الدولي في السودان لضمان حرية الدين التي يزعم أنها مفقودة للمسيحيين الجنوبيين الذين لا تتعدى نسبتهم في طول البلاد وعرضها أكثر من خمسة بالمائة من مجموع سكان البلاد.

ماذا يقترح التقرير الخطير لضمان هذه الحرية؟ يقول التقرير: «من الضروري توفير الضمانات من المنظمات الدولية والإقليمية وعلى الولايات المتحدة أن تحدد مسبقًا الضمانات التي ستوفرها والدول والمنظمات التي لم يمكن أن يكون لها دور مفيد ويمكن أن يشمل تلك منظمة الإيجاد ومنظمة الوحدة الإفريقية والجامعة العربية ومجلس الأمن الدولي إضافة إلى مجموعة مختارة من الدول».

هذا هو التدويل الذي يسعى إليه القس الأمريكي ومن بعثوه إلى السودان، إنهم يريدون التدخل في السودان وهم لم يدعموا بمجرد إرسال لجنة تحقيق لجرائم الحرب في فلسطين ومخيم جنين، إنه الكيل بمكيالين، والسؤال هنا هل سيقبل السودان بهذا الأمر؟ الرئيس البشير قال ردًا على أسئلة الصحفيين في القاهرة إن تقرير السيناتور دانفورث فيه بعض المحاذير غير المقبولة مثل الحديث عن مجلس الأمن والضمانات الدولية، وفي عاصمة جبال النوبة قال نائب رئيس الجمهورية علي عثمان محمد طه إن «إنفاذ اتفاق جبال النوبة السلام سيكون نموذجًا لتحقيق السلام في كل السودان والذي سيتم بحماية القوات المسلحة والقوات النظامية وليس بإرادة الأجنبي كما يروج البعض».

التدخل الدولي في السودان يقصد به كل السودان كما في التقرير وليس جنوب السودان أما الخيرات والمعونات والاهتمام للجنوب فحسب وتحديدًا لحركة التمرد.

 لقد كشفت أمريكا عن بعض أوراقها وما خفي أعظم، فهل في السودانيين وطني حر يرضى أن يكون تحت الحماية الدولية بقيادة أمريكا؟ ألا يخشى أن تطهو أمريكا ربما فوق نار هادئة تيمور شرقية أخرى تقتطع من جسد الأمة؟.

3- تقرير المصير: يرى السيناتور الأمريكي في تقريره أن الجنوبيين تعرضوا لمظالم عديدة من الشماليين وأنهم باتوا مقتنعين أن الطريق الوحيد لحمايتهم هو ممارستهم حق تقرير المصير الذي يمنحهم حق الانفصال، وعلى الرغم من أن هذا النص وارد في مبادئ الإيجاد ويؤيده الكثير من السودانيين إلا أن المبعوث الخاص يرى أن الحكومة ستقاومه وأن تنفيذه عمليًا سيكون صعبًا جدًا وأن الأجدى والأخير أن يكون تقرير المصير هو توفير الحق للجنوبيين في حكومة تحترم معتقداتهم الدينية والثقافية تحت ضمانات داخلية وخارجية قوية تلتزم بها الحكومة ولا يسمح بالخروج عليها.

من أين جاء الظلم أصلًا؟: أليس من المستعمرين الصليبيين البريطانيين الذين احتلوا كل السودان واستعمروه وحاولوا نشر المسيحية بالقوة في الشمال الذي كان يحكم بحكومة المهدي الإسلامية فلما وجدوا المقاومة فصلوا المناطق الجنوبية الوثنية بقانون المناطق المقفولة واستغلوا حالة السكان الوثنية وجلبوا المنصرين من أهل الغرب ومنعوا العرب ونشروا المسيحية التي تدعو إلى كراهية العرب والمسلمين، ومع ذلك فإن نسبة المسلمين في الجنوب أكثر من نسبة المسيحيين وتبقى الوثنية الغالبة.. فعن أي حريات دينية يتحدث التقرير وعن أي تدخل دولي يدعو والحريات الدينية الموجودة في السودان لا توجد في معظم دول العالم وعلى رأسها أمريكا ذاتها وحليفتها العنصرية إسرائيل القائمة على العنصرية اليهودية ولا في بريطانيا الحليفة الثانية لأمريكا التي نشرت الشر في السودان في القرن الماضي وفي دول أخرى مثل نيجيريا وكشمير وأفغانستان وفلسطين وما زالت تضطهد الكاثوليك في أيرلندا لصالح البروتستانت.

4- نوع الحكم: يرى السيناتور دانفورث أنه نسبة لتعددية المجتمع السوداني في الشمال والجنوب على أساس عرقي وقبلي وثقافي وديني يصبح من الضروري تمكين كل هذه المجموعات المتعددة من المشاركة في وضع القرارات المتعلقة بالسلام ومستقبل السودان ونوع الحكم فيه.

هذا هو مضمون تقرير المبعوث الأمريكي فما التوقعات القادمة وما السيناريوهات الأمريكية للسودان خاصة وللمنطقة عامة بما فيها الشرق العربي؟ وهل سيرتبط الدور الأمريكي في السودان بدوره في سلام الشرق الأوسط، وهو دور منحاز كليًا إلى جانب اليهودية العنصرية؟ ولا ندري لماذا تناصر أمريكا التي تدعي أنها قلعة الحرية والديمقراطية الحركات العنصرية البغيضة التي لا تليق بين البشر؟.

نتوقع جملة من التحفظات المشروعة والاعتراضات القوية لسيناريو الحل لا من الحكومة السودانية التي تريد أن تمارس حقها في السيادة على الأرض دون وصاية دولية فحسب وإنما من جماعات شمالية وجنوبية وطنية لا ترضى بالتدخل في الشأن السوداني لأن الأجنبي له أطماعه الخاصة وأجندته التي تهمه ولا شأن لمصلحة السودان في مساعيه.

أمريكا ترغب بالتأكيد في التدخل والهيمنة كما هو حاصل في أمر الشرق الأوسط لبسط هيمنة النظام العالمي الجديد على بلاد الإسلام خاصة والعالم عامة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

290

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 1

1104

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان