العنوان السودان: تفاؤل حذر عشية الجولة الأخيرة في مشاكوس
الكاتب محمد حسن طنون
تاريخ النشر السبت 26-أبريل-2003
مشاهدات 64
نشر في العدد 1548
نشر في الصفحة 33
السبت 26-أبريل-2003
على الرغم من التفاؤل الحذر الذي يبديه المفاوضون من الطرفين في مشاكوس بقرب موعد توقيع الاتفاق النهائي بين الحكومة السودانية وحركة التمرد، فإن كثيرًا من المراقبين يرون أن هذا التفاؤل مبالغ فيه، فالصورة تبدو قائمة؛ لأن بعض القضايا الأساسية ربما تكون سببًا لنسف عملية السلام من القواعد، فيخر السقف من فوق الجميع.
المرحلة المقبلة من عمر مفاوضات السلام التي ستبدأ يوم 6 يوليو هي أصعب مراحل التفاوض؛ لأنها مرحلة القرارات الصعبة التي يطالب الوسطاء باتخاذها لإنجاح المفاوضات.
المبعوث البريطاني حث الحكومة والحركة على تقديم التنازلات لضمان تحقيق السلام واتخاذ القرارات التي تساعد على ذلك وجاء رد الحكومة سريعًا على لسان د. غازي صلاح الدين - مستشار الرئيس البشير للسلام - حيث قال: إن مقتضى انخراط الحكومة في العملية السلمية يعني أنهم مستعدون لاتخاذ القرار الذي يؤدي إلى السلام، وأنه ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الحكومة هي الطرف الذي يستطيع اتخاذ القرارات المهمة والصعبة.
المبعوث البريطاني لم يحدد تلك القرارات الصعبة رغم أنه تابع ملف السلام باستمرار، واجتمع بجميع الفرقاء، ولكنه لم يفصح عما يريد.
الرئيس عمر البشير استقبل وفدًا من الهيئة الشعبية للدفاع عن العقيدة والوطن، وهي هيئة قومية شعبية تضم فاعليات المجتمع المسلم، وقد لاحظ المراقبون أن الوفد الذي قابل البشير كان يضم أحفاد الميرغني الكبير مؤسس الطريقة الختمية وهما السيد محمد الأمين محمد عثمان الميرغني والسيد محمد سر الختم الميرغني، وهما مدافعان عن الشريعة وتحكيمها في العاصمة، ويرفضان إعلان القاهرة الذي وقعه محمد عثمان الميرغني مع زعيم حركة التمرد جارانج وهو إعلان ينادي بعلمانية العاصمة، وإبعاد الشريعة عنها لإرضاء التمرد والتمهيد لاتفاق سلام يأتي على حساب الشريعة، ويلاحظ المراقبون أيضًا أن السيد أحمد المهدي الذي بويع من قبل الأنصار الموالين له إمامًا للأنصار، ومعه ابن أخيه الصادق الهادي المهدي- نجل آخر إمام للأنصار الذي استشهد في أحداث جزيرة أبا عام -١٩٧٠، والسيدة عايدة يحيى عبد الرحمن المهدي ينشطون للدفاع عن العقيدة رفضًا لإعلان القاهرة الذي وقعه الصادق المهدي.
مغزى وجود أحفاد الميرغني والمهدي في الهيئة الشعبية للدفاع عن العقيدة والوطن أن من جلسا مع جارانج لإبعاد الشريعة عن العاصمة لا يمثلان إلا بعض من معهما على نهجهما العلماني وأن إعلان القاهرة لا يجد قبولًا لا عند جماهير الختمية ولا كيان الأنصار الذي قام أصلًا للجهاد من أجل إقرار الشريعة في القرن قبل الماضي.
وكان خطاب الرئيس البشير مطمئنًا لأعضاء الهيئة، فقد أكد أن الوضع القانوني للعاصمة تمت تسويته بشكل كامل في مشاكوس ولن يطرح للمناقشة على الإطلاق وأن الخرطوم لن تكون علمانية أبدًا، وأضاف: إن ثورة الإنقاذ جاءت أصلًا لإحباط مؤامرة لإلغاء الشريعة بعد أن جمدتها حكومة الصادق – الميرغني الائتلافية، ولذلك فإننا سنضحي بأرواحنا في سبيل الحفاظ على الشريعة التي جئنا من أجل تثبيتها، وأبدى البشير سعادته بتوقيع إعلان القاهرة ومذكرة لندن التي وقعها حزب د. الترابي مع جارانج؛ لأن الاتفاقين خلقا إجماعًا وطنيًّا وإسلاميًّا خلف الحكومة.
أهم وأخطر ما جاء في خطاب الرئيس السوداني أنه فضل خيار الحرب على إلغاء الشريعة متسائلًا: هل الكبيرة إلغاء الشريعة أم الحرب؟.
وقال بالنص: «نريد راية ترفع وتؤكد أن هذه حرب ضد الشريعة علشان نحن نمرق ليها عديل علشان الواحد يتخلص من المظالم التي عملها في هذه الدنيا وفي نفسه وفي غيره ويلاقي ربه شهيدًا».
وكشف البشير الذي كان متجاوبًا من مع الوفد، ويتحدث بحماس أنه رفض أن يكون مديرًا لمكتب الرئيس الأسبق جعفر النميري قبل إعلانه الشريعة عام ۱۹۸۳، ولكنه طلب أن يكون حارسًا خاصًا له عندما طبق الشريعة.
ويرى الرئيس أن الاتفاقات الموقعة في القاهرة ولندن استهدفت الشريعة الإسلامية في المقام الأول، وساندت مطالب جارانج التي تم تجاوزها في مفاوضات السلام، مشددًا على أن الحديث عن قضية الدين والدولة يعتبر رجوعا بمفاوضات السلام إلى المربع الأول بعد أن حسمت القضية بشهادة الإيجاد والولايات المتحدة.
ولكن ما الهدف من نبش هذه القضية مرة أخرى، وفي هذا الوقت مع قرب موعد الجولة الحاسمة في يوليو، وتوقع التوصل لاتفاق نهائي يجلب السلام للسودان؟.
يرد البشير على هذا التساؤل بأن جارانج جر المهدي والميرغني ونائب الترابي إلى مطالب سقطت في المفاوضات، وكان يستخدمها لدعم مواقفه لاستمرار الحرب، وأن الهدف الأساسي لتلك الاتفاقات هو إلغاء الأحزاب الدينية، وتكميم وفتح البارات أمام أبواب أفواه أئمة المساجد المساجد، كما كان الحال سابقًا. النائب الأول لرئيس الجمهورية على عثمان محمد طه، أكد أيضًا معارضته الإعلان القاهرة، واتفاقية لندن، وفاجأ المصلين في مسجد بمدينة أم درمان، وألقى كلمة بعد صلاة الجمعة جاء فيها أن علمانية العاصمة لن تمر إلا على جثثنا، وأن الحكومة لن تقبل عودة العاصمة إلى الضلال، وأعلن أن حكومة الإنقاذ لا تدعي أنها بلا إخفاقات، ولكنها ستقاوم من يحاول كتابة شهادة وفاتها، وحذر الذين يحاولون جر البلاد إلى الماضي بكل صوره وأشكاله القبيحة ودعا إلى شراكة عادلة مع الآخرين في الوطن على قيم التراحم والتواصل.
الشريف زين العابدين الهندي - الأمين العام للحزب الاتحادي الديمقراطي غير المعارض والمشارك في الحكومة - هاجم دعوة علمانية العاصمة، واعتبر ذلك خروجًا على ثوابت الإسلام.
كان الهندي دائمًا على خلاف عميق مع رئيس حزيه محمد عثمان الميرغني لارتباطه بالقوى الخارجية ضد مصلحة الوطن والإسلام، وتطور الخلاف إلى انقسام ثم انشقاق بائن؛ حيث عقد جناح الهندي مؤتمره العام قبل أيام وسط تجمع جماهيري كبير، وانتخب الهندي رئيسًا للحزب الاتحادي الديمقراطي.
الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد - المراقب العام للإخوان المسلمين - أكد في مقابلة صحفية معارضة الإخوان، وهم شركاء في الحكومة العلمنة العاصمة، واتهم اليساريين والقيادات الحزبية الكبيرة وآخرين بأنهم وقفوا في وجه الإسلام، وأنهم يسعون؛ لكي لا تقوم للإسلام قائمة، وهذا منهج أمريكي معروف ومعظم القيادات السياسية الموجودة الآن تسير على هذا النهج.
وأضاف: نحن لا نأخذ بكلام جارانج؛ لأن الحركة غير صادقة، ولكننا نأخذ بكلام الحكومة وتحاسبها على أي موقف، وإن جارانج والمعارضة ومن خلفهم أمريكا يريدون أن يخلخلوا فكرة الإسلام مادام الشمال قد اختار الشريعة وأبدى الشيخ صادق ثقته غير المحدودة في أن العاصمة لن تكون علمانية أبدًا لأن المسلمين سيواجهون أي محاولة وأن الحكومة لن توافق على إلغاء الشريعة في العاصمة وإذا حصل سيكون لنا موقف آخر.
لماذا وجدت علمنة العاصمة معارضة قاسية وحازمة؟
لقد أدرك الفرد المسلم العادي ناهيك عن المهمومين بالإسلام أن إعلاني القاهرة ولندن استهداف رخيص لهوية الشعب السوداني بغية تدمير مستقبله الذي هو في الإسلام لا في التبعية للقوى العالمية، ويأسف الشارع السوداني؛ لأن تنحرف قيادات كانت تظن أنها دينية عن الأصالة، وكأنهم يوقعون ميثاقًا لضياع الهوية، مما أغضب حتى قواعدهم.
إن مطالبة زعيمي الطائفتين بالتخلي عن عاصمة فيها الشريعة مقابل سلام يمن عليهم به جارانج لن يأتي بسلام، بل الإصرار على تنحية الشريعة هو الخطر الحقيقي على سلام كان وشيكًا، وهو الذي يبدد التفاؤل الذي ساد البلاد لأن الإصرار على علمانية العاصمة هضم لحقوق الأغلبية الساحقة من المسلمين واتهام صريح وباطل بأن الإسلام يظلم غير المسلمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل