العنوان السودان... يخنق حتى تلغى الشريعة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-1990
مشاهدات 104
نشر في العدد 955
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 20-فبراير-1990
السودان الشقيق يخوض حاليًا حربًا ضروسًا لا تشكل حرب الجنوب إلا إحدى مظاهرها
المرئية.
تلك الحرب هي
حرب الوجود السوداني ذاته وهويته وإثبات كيانه الحضاري والثقافي... وصناع تلك
الحرب ليسوا فئة أو دولة محدودة الموارد والإمكانات، وإنما هي دول كبرى ومنظمات
عالمية ومؤسسات دولية... والأسلحة المشرعة فيها لا تقتصر على ميدان واحد وإنما
تمتد إلى المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية، وأما الدواعي لذلك فهي قديمة
قدم الصراع الاستعماري نفسه... فالسودان كان ولا يزال يجسد نموذج التعايش الإسلامي
الذي يجمع بين أطرافه عناصر وثقافات متنوعة دونما تنافر وتناحر، مما دفع الدول
الكبرى إلى المعاجلة لخلق مشكلة الجنوب حتى لا تبقى صورة النموذج على إشراقها...
ومن هنا انطلقت دوائر التآمر الدولي عبر المراحل التاريخية المختلفة، وكان كلما
أراد السودان أن ينهض ويستشعر عناصر القوة في ذاته، تنطلق قوى التآمر مشعلة للفتنة
في الجنوب ومستكملة لها في الشمال، سيما وأن استيطان السودان لعنصر القوة فيه يكمن
في دفق العقيدة الإسلامية والشريعة السمحاء، وهو ما يصادم مخططات الاستعمار
الرامية إلى تذويب الهوية وتضييع العقيدة. وقد تكرر ذلك في 1956 و1958 و1968، حيث
تلاقت أهداف التآمر لحجب الدستور الإسلامي في الشمال بإشعال الفتنة في الجنوب أولًا
وإحداث الزعزعة السياسية التي انتهت بانقلاب عسكري في مرتين (58، 1968)، وحيث
اتضحت نوايا المتآمرين وحنقهم على التوجه الإسلامي. وفي عام 1986، حينما جاءت
حكومة الأحزاب بقيادة الصادق المهدي، حرصت الولايات المتحدة الأمريكية على طرح
نقاط المساومة معه والتي اشتملت على إلغاء قوانين الشريعة الإسلامية وتصفية البنوك
الإسلامية والمؤسسات الاقتصادية المشابهة مقابل وقف حرب الجنوب وحل المشكلة
الاقتصادية. وكان موقف الحكومة يومها مقيدًا بالنبض الوطني للجماهير، وعليه كان
رفض تلك المساومة معتمدًا على أن الشريعة الإسلامية مطلب جماهيري أخطر من خضوعه
لمبدأ التنازل... مما دفع بالولايات المتحدة إلى المجاهرة بمعاداة الحكومة
«الديمقراطية» طيلة عهودها، والتي لم يُغفر لها بأنها منتخبة أو أنها تسلك سلوكًا
وسطًا... وعندما جاءت ثورة الإنقاذ الوطني وهي تستشعر قضايا السودان المختلفة، سعت
جديًا إلى حل المعضلات القائمة وعلى رأسها مشكلة الحرب في الجنوب، إدراكًا منها
بأن استمرار الحرب يشكل مدخلًا رئيسيًا لتدويل القضية من جانب وتهديد الأوضاع
السودانية من جانب آخر. وطرحت الدعوة للحوار والسلام بعد أن عقدت مؤتمر الحوار
الوطني الذي أقر مبدأ الحكم الاتحادي «الفيدرالية»، غير أن الغرب بكل قواته
والكنيسة العالمية رفضت ذلك الحل وأصرت على إلغاء الشريعة الإسلامية وإقامة دولة
علمانية، وهو ما أسفر عنه لقاء نيروبي الذي عقد في نوفمبر الماضي تحت رعاية جيمي
كارتر... فالاستهداف للسودان إذًا ينطلق من العداء المتصلب لدى القوى الغربية تجاه
الإسلام، كما ينطلق أيضًا من أبجديات مشروع الهيمنة والتحكم الذي تخطط له بجانب
الدول الاستعمارية دولة الصهاينة، إدراكًا منها لموقع السودان الاستراتيجي ودرجة
التحكم التي تتيحها الهيمنة على جنوب السودان، بحيث تسنح الفرص للسيطرة كليًا على
منابع النيلين الأزرق والأبيض، مما يعني جعل مصر والسودان تحت رحمة اليهود مباشرة،
كما أن الجنوب السوداني يمثل نقطة التقاء شديدة الحساسية مع الدول الأفريقية ذات
التواجد الإسلامي الحيوي، مما يعني للكنيسة العالمية ومجالسها الفرعية دورًا
تنصيريًا أفضل في ظل الانقسام بين الشمال والجنوب. إن المعركة الموجهة ضد السودان
الشقيق لا تقف في حدود وقف التعاون معه من قبل الدول الغربية الصليبية، وإنما تعدت
إلى استعداء الدول الأخرى والضغط على كينيا وأوغندا وزائير وأفريقيا الوسطى «دول
الجوار الأفريقي» من أجل التعاون مع المتمرد الخارجي جون قرنق حتى لا تكسب
الدبلوماسية السودانية جولة العلاقات السلمية. كل هذا والسودان يخوض المعركة من
أجله ومن أجل الأمن العربي، وهو في هذا يكاد يكون وحيدًا. فالدول العربية
والإسلامية هي أول من يدرك ذلك، وعليه لا بد من تحرك عربي إسلامي من أجل دعم الموقف
السوداني تجاه التجمعات الاستعمارية. وإن كان الغرب يحارب في السودان هويته
الحضارية والعقائدية، فواجب الأخوة يفرض على الأمة الإسلامية حكومات وشعوبًا
موقفًا مؤازرًا من أجل تفويت الفرصة على أعداء الأمة والإسلام، وإلا لا قدر الله
إذا ما سقط الجنوب السوداني فإن لهيب المخطط لن يقف في حدود السودان، وإنما يطال
دول البحر الأحمر ومصر ومن ثم دول الخليج، حيث تتواصل مخططات العدو الصهيوني
بمخططات الانفصاليين في الجنوب ولا تحين مندم...
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل