; السياسة الأمريكية مصالح وخداع.. احذروا أمريكا فإنها تضر بالأوطان | مجلة المجتمع

العنوان السياسة الأمريكية مصالح وخداع.. احذروا أمريكا فإنها تضر بالأوطان

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أبريل-1986

مشاهدات 69

نشر في العدد 763

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 15-أبريل-1986

قصتنا نحن العرب مع أمريكا كقصة مدمني السجائر.. يقرؤون عبارة ابتعد عن التدخين لأنه يضر بصحتك، ولكن لا يلقون لها بالًا مع أن البراهين العلمية قامت على ضرر التدخين، ونحن العرب وبخاصة الحكام منا أدمنوا على الاعتماد على أمريكا، وقام الدليل القاطع على ضرر ذلك الاعتماد ليس على الأفراد فحسب، بل شمل الأوطان.. ومع ذلك يصرون ويرحبون بكل حوار مع أمريكا، حيث إن كل حوار هو جديد وكل كلام عن «السلام» هو مبادرة أمريكية جديدة، وكأن أمريكا ليست السبب، لا هي ولا إسرائيل في انتكاس كل محاولات التسوية أو التهدئة في المنطقة.

 

أسباب:

 

منذ سنتين كان واضحًا أن إدارة ريغان لم تكن تضع الشرق الأوسط في أولويات اهتماماتها، الأمر الذي حمل أكثر من زعيم عربي لزيارة ريغان في عقر داره، ولكن جميع تلك الزيارات لم تفلح في لفت انتباه ريغان وأعوانه.. فالوضع بالرغم من كل مظاهر الاقتتال والدمار، أو القلق وعدم الاستقرار لم يستدع جهدًا أمريكيًا خاصًا في اعتقاد إدارة ريغان، لأن معادلة الشرق الأوسط الأمريكية لم تتبدل ولا خوف على أي من مصالحها أو مصالح إسرائيل، فقد أفلحت السياسة الأمريكية في تجيير قوة النفط الاقتصادية لصالحها وحلفائها، كما أفلحت في ربط دول المنطقة بشبكة من العلاقات تضمن ولاء كل منها، واعتمادها في تحقيق أمنها على المظلة الأمريكية.

 

ولهذه الأسباب ركزت الإدارة الأمريكية على مكافحة النفوذ السوفيتي، وأضافت له من جديد مكافحة ما أسمته الإدارة الأمريكية بالإرهاب.

 

وقد تشكلت لجنة خاصة لهذه المهمة يرأسها نائب الرئيس جورج بوش الذي زار المنطقة خلال الأيام القليلة الماضية، في محاولة على ما يبدو للرد على مقولة عدم اهتمام أمريكا بالشرق الأوسط والخليج.

 

ومع تطور حرب الخليج على نحو أخذ ينذر باتساع رقعة الحرب، وازدياد النقد الموجه لموقف أمريكا من الحرب من جهة، ولتطور الأوضاع في الشرق الأوساط بما يفتح مجالًا لاحتمالات شتى، في أعقاب إعلان الملك حسين عن وقف التنسيق مع قيادة ياسر عرفات، والأحداث المصرية، والمواجهة الأمريكية الليبية في خليج سرت، بدأ الإعلام الأمريكي يسرب معلومات عن تبني الإدارة الأمريكية لمبادرة سلام جديدة دون الإعلان عن التفاصيل.

 

فهل هناك مبادرة أمريكية جديدة حقًا؟

 

زيارات:

 

كما قلنا قبل قليل فإن الإدارة الأمريكية سربت بعض المعلومات الصحفية مفادها أن إدارة ريغان باتت مقتنعة بضرورة كسر الجمود ودفع جهود التسوية، وتعتزم إرسال مندوب أمريكي على مستوى عالٍ إلى المنطقة، ذكرت أنباء صحفية بعد زيارة بيريز لواشنطن أنه وزير الخارجية جورج شولتز. وفي الوقت نفسه أعلن عن زيارة بوش وميرفي للخليج. وقد قام بوش بزيارة ثلاث من دول الخليج الأعضاء في مجلس التعاون هي السعودية والبحرين وعمان كما زار اليمن الشمالي وكان قد سبقه ريتشارد ميرفي الذي زار الكويت وقطر والإمارات ثم واصل جولة شرق أوسطية بدأها بزيارة تل أبيب ثم القاهرة ثم عمان. وبعد مغادرته لتل أبيب بساعات وصل وكيل الخارجية الأمريكية مايكل آرما كوست الذي قيل إن جولته التي ستشمل القاهرة وعمان تعتبر تمهيدًا لزيارة جورج شولتز القادمة..

 

وقد أعطت جولات هؤلاء المندوبين إضافة للتسريبات الإعلامية مؤشرًا على أن لدى الإدارة الأمريكية شيئًا جديدًا.

 

لا مبادرات:

 

لكن هذه الإدارة اضطرت للإعلان على لسان الناطق باسم الخارجية عن عدم وجود أية مبادرة أمريكية جديدة، مكتفيًا بالقول إن هذه الإدارة ستواصل جهودها لدفع مسيرة التسوية. وكان هذا التصريح بمثابة تكذيب واضح لبوش الذي أعلن في السعودية عن وجود مبادرة أمريكية جديدة دلل عليها بجولة ميرفي الذي فارقه من الرياض. وذكرت تقارير صحفية أن ثمة خلافًا بين بوش من جهة وشولتز وريغان من جهة أخرى، قيل إنه كان سببًا في فشل اتفاق كاد يتوصل إليه ميرفي في جولته السابقة يقوم على إعلان المنظمة الاعتراف بقرار ٢٤٢، وفي الوقت نفسه تعلن أمريكا اعترافها بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، حيث وضع شولتز الفيتو ضد هذا الاتفاق.

 

وعلى أية حال، فإن التجربة تقول بأن كل جولات المندوبين الأمريكان السابقة، كانت ترافقها تصريحات أو تلميحات مماثلة، ولكن ظل الموقف الأمريكي ثابتًا. فهل تختلف هذه الجولات عن سابقاتها؟

 

جولة بوش:

 

لنأخذ على سبيل التحديد جولة بوش وميرفي الخليجية.

 

فقد أكد الرجلان في أكثر من حديث على أن أكثر ما يهم أمريكا فيما يتعلق بالحرب العراقية -الإيرانية هو ألا تتسع رقعتها الجغرافية بحيث تشمل دول الخليج الأخرى، وليس ذلك حبًا في هذه الدول، وإنما وفاء لالتزام أمريكي أمام العالم بالحفاظ على تدفق النفط من الخليج إلى العالم.

 

وأما عبارات المديح لجهود مجلس التعاون والإعراب عن وقوف الولايات المتحدة إلى جانب الدول الأعضاء فيه إن هي تعرضت للعدوان وطلبت المساعدة، فلا تزيد عن كونها مجاملة أمريكية لا معنى لها سوى كونها فرصة لعرض الوجود العسكري الأمريكي في الخليج والمحيط الهندي، ولعل زيارة بوش لحاملة الطائرات انتر برايز وإشادته بالجنود العاملين عليها قائلًا: «بسببكم ما زال الخليج -مفتوحًا»، أبلغ دليل على المقصود الأمريكي، وإمعانًا في التضليل طلب ريغان من الكونغرس رسميًا الموافقة على صفقة أسلحة للسعودية تقدر بـ ٣٥٤ مليون دولار.

 

أسعار النفط:

 

وأما الموضوع الآخر الرئيس الذي طالب به بوش وميرفي فهو مطالبة دول الخليج وخاصة السعودية بضرورة التعاون لاستقرار أسعار النفط التي تدنت إلى دون عشرة دولارات للبرميل، الأمر الذي انعكس سلبيًا على صناعة النفط الأمريكية. ولذلك دافع الرجلان عن ضرورة انخفاض الأسعار لكن ليس إلى ذلك الحد الذي يضر بالصناعة الأمريكية، لذلك طالب بوش بأن تكون الأسعار «لا منخفضة جدًا ولا مرتفعة» ومع أنه لم يبحث أرقامًا محددة، إلا أن محللين نفطيين قالوا بأن أمريكا ترغب في سعر بين ١٥ إلى ١٧ دولارًا للبرميل، أما الموضوع الآخر الذي قال بوش إنه سيبحثه فهو «الإرهاب» ومع أنه انتقد القذافي إلا أنه لم ترد أية معلومات حول هذا الموضوع.

 

تكذيب:

 

هذه هي المواضيع الأساسية التي جاء من أجلها بوش، لكنه اضطر بسبب ما طرح عليه من نقاش لأزمة الشرق الأوسط أن يعلن «التزام أمريكا بعملية السلام». وأن هناك تحركًا أمريكيًا جديدًا كذبته الخارجية الأمريكية. بل قالت بعض المصادر إنه طالب بكل وقاحة بمعاقبة منظمة التحرير لعدم موافقتها على القبول بقرار ٢٤٢.

 

وربما يأتي تصريح ميرفي في الكويت ليؤكد هذا التوجه الأمريكي عندما أعلن أن أمريكا ما زالت مصرة على موقفها بضرورة اعتراف المنظمة مسبقًا بقرار ٢٤٢.

 

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار نتائج زيارة شيمون بيريز لواشنطن التي قابل فيها شولتز وبوش، حيث وافقت أمريكا على منح إسرائيل مساعدات مالية عاجلة، ووافقت على المشاركة في تطوير البحرية الإسرائيلية، كما وعدت بدراسة مشروع بيريز الشبيه بمشروع مارشال، الذي يهدف لخلق ظروف وقيادات جديدة تقبل مع الزمن خطة حزب العمل لحل القضية الفلسطينية والتي تنطوي على إعطاء السكان العرب شيئًا من الحكم الإداري المستقل، اقترح بيريز أن يبدأ في قطاع غزة.

 

سياسة مخادعة

 

إذا وضعنا ذلك بعين الاعتبار تتضح لنا معالم السياسة الأمريكية المخادعة، التي تلتزم التزامًا كاملًا بحماية وضمان أمن دولة العدو الإسرائيلي ومده بكل أسباب الحياة والتوسع والعدوان. وفي أثناء ذلك تدعي أمريكا بأنها حريصة على أمن الدول العربية، وكلما اهتزت المصداقية الأمريكية عند هذه الدول، سارعت الإدارة الأمريكية بإرسال الموفدين على مختلف المستويات للترضية والتهدئة فقط.

 

فالسياسة الأمريكية لا تتبنى حل الأزمات، بل إدارتها بما يضمن مصالحها ومصالح حليفتها الاستراتيجية دولة العدو الإسرائيلي.

 

وإن مراجعة بسيطة لتاريخ المشاريع الأمريكية للتسوية في الشرق الأوسط توضح أن هذه المشاريع إنما كانت توضع لضمان المصلحة الآنية لدولة العدو الإسرائيلي، ولسحب بساط الدعم الشعبي من تحت أرجل منظمة التحرير الفلسطينية، وخاصة حركة فتح. فالمعروف أن القبول بخوض غمار مشاريع التسوية قد أدى إلى تفتيت هذه الحركة وفتور حماس الجماهير لها، الأمر الذي أسهم في دفع قيادتها لمزيد من التنازلات والمراهنات على مشاريع التسوية. فياسر عرفات بعد دعوته للاستسلام يقول إنه لا يزال ينتظر الجواب الأمريكي على صيغة الصوت.

 

صحيح أن القضية أكبر من المنظمة، وأنها تعرضت لضغوط دولية وعربية رهيبة، لكننا نعتقد أن وضوح الموقف الأمريكي وإصراره على إركاع وإذلال الجميع على العتبة الإسرائيلية، ينبغي أن يكون فرصة لإعلان الكفر بالسياسة الأمريكية ومشاريعها الاستسلامية المذلة. والعمل من جديد على أساس إسلامية القضية تاريخًا ووسيلة وهدفًا، فالمسجد الأقصى لا تعيده إلا السواعد الفتية المتوضئة، والجهاد لا يقوده إلا الواثقون بنصر الله وتأييده. وما عدا ذلك فهو هباء منثور وفيما مضى من تجربة أكبر عظة لأولي الألباب.

الرابط المختصر :