العنوان السياسة وفقه الواقع
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1998
مشاهدات 87
نشر في العدد 1306
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 30-يونيو-1998
فقه الواقع للزمان والأمم والشعوب والأحوال شيء لابد منه لمن أراد أن يفهم السياسة، ومن تعامى عن ذلك يكون قد فقد البصيرة السياسية والحس القيادي، وأصبح تائهًا في بيداء مظلمة لا يدري من أمر نفسه وأمته شيئًا، ونحن اليوم نعيش في منطقة قدر لها أن تبتلى بالوباء اليهودي وبالغزو الصهيوني الفاشي، وطبيعة اليهود معروفة للقاصي والداني، لهم منطق لابد أن يعاملوا به، ولكننا نخطئ الطريق تمامًا فاليهود على مر العصور والدهور قد تشكلت لهم شخصية خاصة، وطباع معينة، كانت لهم عنوانًا وسمة بارزة في مسيرتهم الحياتية تصدر من العمل والأفعال ما يوافق هذه الطباع، وينسجم مع تلك السمات.
والتاريخ البشري يحتفظ لليهود بالكثير من المكائد والأعمال المجللة بالإفساد في الأرض والوقيعة بين البشر من ذلك مكائدهم ضد بختنصر ملك بابل، وإفسادهم في الأرض، فعمد بختنصر إلى قتلهم وتشريدهم حتى امن شرهم وما جاءت سنة ٧٢١ قبل الميلاد حتى محت يد الأسر الأشوري مملكتهم من الوجود، ثم استرد اليهود أنفاسهم بعد وقوعهم تحت حكم الفرس سنة ٥٣٦ قبل الميلاد، فعادوا إلى ما كانوا عليه من الإفساد والعمالة والخيانة، فسار إليهم بطليموس خليفة الإسكندر فهدم القدس ودك أسوارها وأرسل مائة الف أسير إلى مصر.
واليهود هكذا طبيعتهم مع كل لون وجنس ومكائدهم مع اليونان بلقاء مشهورة، فقد عمل اليهود في الدولة الرومانية عملهم المعهود من المكر والخديعة والخيانة والإفساد وتدبير الثورات فانقض عليهم القائد «غابينوس» وأدبهم سنة ٥٧ قبل الميلاد، ثم جاء من بعده «هیرودوس» سنة ٣٧ قبل الميلاد، فوجد اليهود قد عادوا إلى ما كانوا عليه، بعد أن عفا عنهم واستمروا الفساد والفتن فحاصر هيرودوس» أورشليم بضعة أشهر، ثم دخلها وسلب ما سلب ثم ساق أميرها «انتغتس» مقيدًا في الأغلال إلى «أنطنيوس»، الحاكم الروماني فقتله شر قتلة، ثم عفا عنهم الرومان وتركوهم، فعادوا إلى الإفساد سنة ٧٠م، فسار إليهم القائد الروماني قيسيا، فحاصرهم في أورشليم، ثم عاد إلى روما، وجاء ابنه «تيطس» فدخل أورشليم واستباحها وأحرق الهيكل ثم عفا عنهم بعد ذلك، ثم عادوا إلى ما كانوا عليه إلى سنة ١٣٥م فذهب إليهم القائد الروماني باركوخيا، ودمر أورشليم وأنشأ مكانها مدينة جديدة أسماها «إيليل»، ولم تهدأ يهود على مدار التاريخ، قوميًا ولا دينيًا.
وصدق الله ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة: 100)، فقد أخلفوا وعودهم مع كل من عاهدوه، حتى مع الله، وقد أخلفوا ميثاقهم مع الله تحت الجبل، وكانت عهودهم مع الله دائمًا على هذا الغرار، هذا وقد تربصوا بأنبياء الله، فقد ثبت أن اليهود على مدار التاريخ كانوا يتربصون بالأنبياء والمرسلين والمصلحين فقتلوا كثيرًا وعذبوا كثيرًا وطردوا كثيرًا من المصلحين وصدق الله ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ (البقرة: 87) ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: 91) نعم، قتلوا من الأنبياء الكثير منهم على سبيل المثال:
- «أشعيا بن أموس» قتله «منس» أحد ملوك يهوذا أمر بنشره على جزع شجرة في سنة ٧٠٠ قبل الميلاد لأنه كان ينصحه بترك السيئات والموبقات.
- «أرميا» قتله اليهود رجمًا بالحجارة لأنه أكثر من توبيخهم على مذكرات أعمالهم وكبائر معاصيهم لربهم وكان ذلك في القرن السابع قبل الميلاد.
- «يحيى» عليه السلام قتله «هیرودوس» العبراني ملك اليهود من قبل الإمبراطور الروماني لأنه أراد أن يتزوج بامرأة لا تحل له، فعارضه يحيى عليه السلام فطلبت المرأة رأس يحيى، فأهدى رأسه إليها، وكان ذلك سنة ٣٠ ميلادية.
- «زكريا» عليه السلام قتله أيضًا «هيريدوس» لأنه دافع عن ابنه يحيى عليه السلام.
- عيسى عليه السلام ذهب اليهود ليقتلوه فألقى الله شبهه على يهوذا الذي أخبر الأعداء بمكانه فقتله اليهود اعتقادًا منهم أنه عيسى.
فهم في الحقيقة شرار خلق الله.
وفي الحديث: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل قتل نبيًا أو من أمر بمعروف ونهى عن المنكر».
وها نحن في هذه الأيام نحاول أن نتناسى كل شيء حتى أخبار نبينا وقرآننا، والتاريخ وحتى الوقائع التي نعايشها ونحاول أن نثق وبغير حدود في يهود، وهم يتربصون بنا في كل حدب وصوب فهل نحن بذلك نكون قد فهمنا الواقع؟ ونكون قد فهمنا السياسة أم أننا نعلم ذلك، ولكننا نسير إلى أمر لا نعلمه أو ندري منه شيئًا، إن إسرائيل لا تكف عن الاستعداد المادي والتكنولوجي والحربي، ونحن مسالمون مستسلمون، نسير عكس الزمن، ونلهث وراء البطون والشهوات، إسرائيل تربي جيل الصناعة والمبدعين ونحن نربي جيل المنافقين والمصفقين، إسرائيل تعمق الوحدة الوطنية وتلملم حجم شتاتها، ونحن لا نكف عن ضرب الوحدة الوطنية وتشتيت المخلصين، بل وسحلهم إذا لزم الأمر.
إسرائيل تستعد لابتلاع الأراضي العربية وقضم خيراتها، ونحن نستعد للتنازل حتى عن المياه التي تحيي موات الأرض، وتثبت الناس على أرضهم وممتلكاتهم.
والعالم من حولنا يحترم الأقوياء، ونحن نعشق الضعف والتماوت وفقدان الذات، شعوبنا الأصيلة تريد أن تفعل شيئًا يعيد لها كرامتها وعزتها المفقودة، ولكنها تضل الطريق ولا تجد الحادي المخلص، ولا الرائد الأمين الذي لا يكذب أهله أو يضلهم، وتريد أن ترود، وتسود، ولكنها مصابة بكلالة في الريادة وغباء في العمادة، وضحالة في السياسة، وجهل في فهم الواقع المعاش، فهل ستستطيع الأمة التغلب على تلك العقبة، وقهر هذه الصعاب، وهل ستقدر على تخطي هذا المأزق بأمان وبغير جراح، أم أن السنين ستفعل فعلها وقد يكون قاسيًا أحيانًا.
نسأل الله السلامة، أمين، أمين.