العنوان السيرة الذاتية للشيخ أبي الأعلى المودودي وزوجته.. في العصر الحديث نساء مجاهدات
الكاتب نور محمد جمعة
تاريخ النشر السبت 11-أكتوبر-2008
مشاهدات 65
نشر في العدد 1822
نشر في الصفحة 38
السبت 11-أكتوبر-2008
كان «المودودي» يحكي لأبنائه تفاصيل حياة السجن.. وزوجته تربط حكاياته بنصوص شرعية من القرآن الكريم والحديث النبوي
المودودي: إدارة السجن علمت أن الجنرال «محمد أكبر خان» يتسلق الجدار ليتحدث معي.. فنقلوه إلى سجن آخر لاعتقادهم أننا نخطط لمؤامرة!
في 29 أبريل 1955 م رجع «المودودي» إلى بيته بعد خمسة وعشرين شهراً قضاها في السجن.. وكان يوماً مشهوداً
وصلتنا رسالة من أبي، وهو في سجن «ملتان»، يطلب فيها أن يكتب له كل منا رسالة، فكتب كل واحد منا رسالة خاصة له، فردَّ والدي على كل رسائلنا، وكتب لكل منا رسالة بخط يده، وأرسل لكل واحد كيسًا.. وكان لوالدي قميص أزرق قديم قطعه وفصله على شكل أكياس صغيرة خاطها بيديه، وملأها باللوز، والجوز والفستق، وكتب اسم كل واحد منا على ورقة ولصقها بالعجين على كيسه، وكتب قبل كل اسم إحدى هذه العبارات نور عيني.. قلبي.. فؤادي.. فلذة كبدي!
لا ندري ماذا فهمت والدتي وجدتي من هذه الأكياس؛ إذ اصفر وجه كل منهما بشدة، وبدأتا تبكيان وتذرفان الدموع وبقيت والدتي صامتة طيلة النهار، وكأن لسان حال هذه الأكياس الصغيرة يحكي قصصًا وحكايات يعجز عن فهمها الكثير من الناس، فلعلها كانت تصور معالم الحرمان والبعد عن الأولاد والأسرة، وأشياء أخرى لم نكن نعيها بحكم صغر أعمارنا.. صحيح أن الوالد كان جبلًا راسخًا من العزيمة الصادقة والإرادة القوية، لكن هذه الأكياس الصغيرة وهذه الأسماء المكتوبة عليها كانت تكشف لكل ذي بصيرة أن في جوف هذا الجبل قلبًا يخفق وفؤادًا يعشق.
حب صادق
وعلى الجانب الآخر، لم نكن نحن -الأبناء الصغار- نفهم ولا نعي ما تعنيه هذه العبارات «نور عيني.. فلذة فؤادي»، «قلبي».. فتحنا «نور عيني.. قلبي.. فؤادي فلذة كبدي» الأكياس وبدأنا نلتهم ما فيها بشراسة، ولم تكن حداثة أعمارنا وصغر عقولنا تسمح لنا بأن نشعر بعظمة تلك المحبة التي جعلت والدنا يقشر اللوز والفستق والجوز بيديه في تلك الظروف القاسية، أو أن ندرك مدى العشق الذي جعل تلك الأيدي تمسك بالإبرة والخيط وتصنع تلك الأكياس، أو نعي روح تلك الأبوة الصادقة التي جعلت القلم يسطر أمام أسمائنا تلك العبارات التي تترجم الحب الصادق والعشق الصافي ورحمة الأبوة السامية بكل صدق وإخلاص.
لم يرحم أحد منا تلك الأكياس، فبعد ما أكلنا ما فيها رميناها، لكن والدتي أخذتها واحتفظت بها.. والآن أتحسر على تلك الأيام وأتمنى لو احتفظت بذلك الكيس الذي كتب والدي عليه قبل اسمي »"قلبي..."، فلو بقي لكان أغلى تذكار في حياتي، ولأصبح أهم شيء أملك!
دعوة مستجابة
خلال عام 1953م، اشتد الوجع والهم على جدتنا فدعت: «اللهم من رمى ابني في غياهب السجون اسجنه على سريره واحرمه من نصف بدنه واجعل جزءًا من جسمه يتعفن يومًا بعد يوم».. وبعد شهر من دعائها نشرت الجرائد أن رئيس أركان الجيش الجنرال «ملك غلام محمد« أصابه الشلل!
وفي يوم 29 من أبريل 1955م، وبناءً على قوانين الصحة، رجع الوالد إلى البيت بعدما قضى خمسة وعشرين شهرًا في السجن وكان يومًا مشهودًا؛ إذ امتلأ بيتنا بالأزهار وباقات الورود والحلوى، وكانت هتافات السلام والتهاني تُسمع من كل جانب.
قضينا يومًا من أسعد أيام حياتنا، ولما أدركنا الليل زحفنا نحو فرشنا والنوم يغالب أجفاننا، ومن كثرة الفرح والسعادة والحركة والتعب نسينا صلاة العشاء، فإذا بصوت الوالدة يقرع آذاننا وتصرخ فينا: «ما هذا؟ استحيوا من أنفسكم يا أولاد، بدلًا من أن تقوموا الليل كله شكرًا لله تركتم فريضة العشاء أنسيتم يوم أن حكم على والدكم بالإعدام كيف كنتم تصلون النوافل وتتضرعون بالبكاء والدعاء؟ والآن وقد خرج لا تريدون شيئًا، ونسيتم الله U«... بهذه الكلمات اللاذعة انسللنا من فرشنا وبدأنا نتوضأ ونصلي.
الصلاة.. شكرًا لله
قامت الوالدة تلك الليلة كلها تصلي شكرًا لله، وتفي بما كانت قد عاهدت ربها إن أعاد إليها زوجها سالمًا أن تصلي مائة ركعة شكرًا لله، كما صلت من قبل مائة ركعة صلاة الحاجة في تلك الليلة التي دعت لزوجها بالنجاة، لكن هذه المرة وضعت بجانبها إبريقًا من الشاي تحتسي كوبًا منه كل بضع ركعات، في حين أنها لم تكن في تلك الليلة العصيبة التي فوجئت فيها بصدور حكم بإعدام زوجها تشرب شيئًا!
قالت لنا في صباح تلك الليلة السعيدة: ما أكفر الإنسان بنعم الرحمن! لما حكم على والدكم بالإعدام وكان الخطر قاب قوسين منه أو أقرب، وكنا نرى الموت واقفًا أمامنا، لم أشعر بالمائة ركعة؛ وكأنها لم تكن شيئًا يُذكر، لم أشعر بالتعب، ولا بالثقل ولم يكن النوم يطارد أجفاني ولا قلبي يتجه يمينًا ولا شمالًا، ولا أفكاري تتشتت هنا أو هناك، وكان لساني يترجم عن مكامن قلبي بكل صدق وإخلاص، وفؤادي يسبق ظهري إلى السجود، لكن البارحة كان الأمر مختلفًا؛ كان النوم يهجم علي من هنا والتعب يراودني من هناك، والصداع لا يكاد يفارق رأسي فلم أتحمس للطاعة مثلما تحمست في تلك المرة ولا شعرت بتلك اللذة.. كانت الوالدة وتلوم نفسها وتستغفر الله وتتوب إليه وتقول: حقا، نحن لا نستطيع أن نؤدي شكر الله كما يجب علينا، حتى لو بقينا طوال حياتنا ساجدين له سبحانه»!
إزعاج الأبناء
ذات مرة، تضايقت الوالدة من إزعاجنا فقالت لوالدي: «ليس هناك والد يدلل أبناءه مثلما تفعل أنت مرة اغضب عليهم، ومرة حاسبهم على أفعالهم، لا تتركهم هكذا«!... فأجاب الوالد بكل رزانة وهدوء: «أنت لا تدركين ما عانيته في السجن بسببهم، وكم كنت أشتاق لهم، وكم كنت أتمنى أن أرى وجوههم أو أسمع أصواتهم.. عندما دخلت السجن كان ابني الصغير خالد (1) قد بدأ الكلام، وكان يتتعتع في الكلمات وكان رنين كلماته المكسورة في أذني وأنا في السجن وكنت أشعر في نفسي أن شيئًا ثمينًا يضيع مني.. وعندما أخرج من السجن وأرى ابني خالد قد كبر وتخطى تلك الفترة الجميلة منى طفولته ويتكلم بطلاقة، وكنت أراه في خيالي وأتكلم معه بلغته، وأنت تأمرينني بأن أغضب عليهم وأخوفهم وأفزعهم، هذا ما لا أستطيعه»!
وفي مرة أخرى، قال لها والدي: «إن الله -U- قد وهب لك هؤلاء الأبناء في يسر وراحة من غير سؤال ولا دعاء ولا تضرع منك، ألهذا تقولين: إنهم يزعجونك وتتضايقين منهم؟ إنك لا تعرفين حال من حرم الأولاد، ولا تشعرين بما تعانيه تلك الأم المحرومة من الآلام، وما تتحمله من المصائب والمشكلات، وقد تطرق جميع الأبواب وتقطع كل السبل، وترتكب ألوانًا من البدع والشرك والخرافات وتضيع دينها، عسى أن ترزق طفلًا واحدًا».
كان والدي يقول هذه الكلمات لوالدتي ونحن نسترق السمع في صمت وسعادة فتغضب والدتي وتقول: «كلامك هذا يجعلهم ما يصدقون أنفسهم ويتجرؤون أكثر»!
السجين الخادم
وجلاَّدُكَ الوحشُ أذللتهُ
كنا وقد ْكان يبغي هنا مصرعَك
نلح على الوالد أن يحكي سجنه، فسمع كلامنا يومًا، وقال: «نقلوني من سجن «لاهور»« إلى سجن «ملتان» وصلنا هناك ظهرًا في شدة الحر، كانت غرفة السجن من الدرجة الأولى، ولم تكن لنا عن أيام فيها مروحة ولا أنابيب ماء، وإنما كان هناك مضخة ماء يدوية، ووكل سجين من الدرجة الثالثة »ممن حكم عليهم بالسجن مع الأشغال الشاقة« ليخدمني في السجن وكان ينتظرني هناك.. كان رجلًا قويًا يبلغ من العمر أربعين عامًا، فحدق بعينيه في وجهي مليًا ثم تحرك وقام ورتب الغرفة بسرعة ثم أخرج ماء من البئر، وحمله إلى الحمام، ووقف أمامي يقول: «سيدي، لو سمحتم الحمام جاهز تفضلوا استحموا».
وعندما خرجت من الحمام رأيت معالم الغرفة قد تغيرت تمامًا؛ أرضيتها فرشت بالرمال ورش عليها الماء، والسرير قد أُعد في وسط الغرفة، فسألته مستغربًا: «لم يكن في الغرفة رمال، لماذا كلفت نفسك كل هذا؟»، فقال الخادم السجين: «الحرارة شديدة« يا سيدي وضعت الماء على الرمال حتى يلطف الجو قليلًا فتستطيع أن ترتاح قليلًا في هذه الحرارة الشديدة، وما أن فرغت من صلاتي حتى رأيت السجين قد أعد الغداء ورتب أمامي المائدة بذوقه الجميل، وأخذ يعتذر بشدة: «إنني لم أكن أعرف ذوق حضرتكم وجهزت ما أمكنني إعداده بسرعة، فأرجو أن تسامحني على تقصيري.
وكان يبالغ في خدمتي، ويُظهر حبًا وإخلاصًا جعلني أتحير من أمره، إلى أن قال يومًا: «يوم أن كلفوني بالخدمة في هذا القسم قالوا لي: سينقل إلى هذا القسم سجين خطير جدًا، رجل شرس أطار النوم من أجفان الحكومة، نريد أن نقومه، وواجبك ألا تتركه يرتاح ولو للحظة، اطبخ له طعامًا لا يقدر على تذوقه، وتفنن في إزعاجه قدر ما تستطيع، نريده أن يرجو العفو من الحكومة وأن يوقع على كل ما تشترطه عليه.. وكنتُ أنتظرك بفارغ الصبر، لأرى من هذا الوحش الكاسر؟ فقد كنت رجلًا أعشق الجريمة، ولا يفوقني فيها أحد، ولما رأيتك دخلت الغرفة استغربت وقلت في نفسي: هذا ليس وجه مجرم، ولا يمكن أن تصدر منه الجريمة! وهل لمثله أن يخوف إنسانًا، ناهيك عن الحكومة؟! فأول ما رأيتك يا سيدي دخل حبك في قلبي.
خطة مدير السجن: وذات يوم دخل علينا مدير السجن وسألني: «إذا كان لديك أي شكوى يمكنك أن تقولها لي» قلت له: «ليست لي أي شكوى أنا مرتاح هنا جِدًّا»، ومنذ ذلك اليوم أصبح يمر عليَّ يوميًا، ويكرر نفس السؤال ولا يسمع مني أي شكوى، إلى أن قال يومًا: «أنت إما لا تريد أن تصدقني وإما تقول ذلك مجاملة!»، قلت له: «يا أخي لو كانت لي أية مشكلة لأخبرتك بها، أما الآن فليست هناك أية مشكلة».. استغرب مدير السجن وقال:»كثير من القادة والسياسيين لم يستطيعوا أن يصبروا في هذا القسم أكثر من ثلاثة أيام فقط، واعتذروا للحكومة ووقعوا على طلب العفو بكل شروطه ونحن نحتفظ بتلك الأوراق في الأرشيف الحكومي، فكلما وجدنا هؤلاء السادة بدأوا يتجاوزون حدودهم ويتفوهون بما هو أكبر من أفواههم، أو يصدرون البيانات النارية أو الخطب الجماهيرية، يكفينا أن نلمح إليهم من بعيد بأن وثيقة العفو التي وقعتم عليها بالأمس قد تخرج على صفحات الجرائد غدًا، وهذا وحده يكفيهم لينكمشوا في جحورهم ويصمتوا وكأن عقارب لدغتهم وكل هؤلاء بعد يومين فقط كانوا يبكون ويولولون ويتمنون أن يخرجوا من هذا الجحيم وأنت بعد هذه الفترة الطويلة أراك مطمئن البال سعيدًا وتقول: إنك مرتاح جِدًّا، ولا تشكو من شيء، فلا أدري أي إنسان أنت؟!».
حاولت أن أفهمه أن الإنسان الذي يعيش لهدف وغاية يصبح عسر الحياة ويسرها، بردها وحرها، وقضبان السجن وآلامه بالنسبة إليه أمورًا ثانوية لا تستحق الوقوف عندها، وأنا قد اخترت طريقي بعد دراسة متأنية وإيمان راسخ، فجعلت شعاري »الحياة أرفع وأعلى من التفكير في الأرباح والخسائر المادية«، فلا ألتفت إلى تلك الظواهر من الشدة أو الراحة.. حاول مدير السجن أن يثير عواطفي وشجوني فقال: »يا رجل، لماذا تعذب أطفالك الثمانية، إلى من تركتهم، أليس لك قلب لتفكر في فلذات كبدك؟!»، فأجبته: «أما أولادي فاستودعتهم الله قبل أن آتي، ولا شأن لي بعد ذلك بما يريده لهم، وأما أنا فقد اطمأن بالي أنني تركتهم في حصن أمين عند من لا تضيع عنده الأمانات!
بعد هذا يئس مدير السجن وانصرف ولم يعد، فقد عرف أن خطته في أخذ التوقيع مني على وثيقة العفو باءت بالفشل.
طعام العيد
لاحظت يومًا أن السجين الخادم كلما كنت أجلس لكتابة تفسير »"تفهيم القرآن" أو أقف للصلاة يجلس بعيدًا ويضع رأسه على راحتيه يراقبني، ينعم النظر في.. وقبيل العيد ذهب بعض موظفي السجن لقضاء الإجازة، ولم يتركوا لنا ما نحتاجه من طعام، ولم يبق لدينا ما نطبخه صبيحة يوم العيد، وبقي السجين المسكين حزينًا باكيًا يقول لي: «كيف أصنع لك فطورًا ولم يبق لدينا شيء؟»، وبدأ يردد هذه الكلمات في نفسه إلى أن ثار على موظفي السجن وبدأ يشتمهم ويصرخ فيهم، وبدأت أهدئه وأقول له: «يا أخي ما بقي من العدس والخبز الجاف سخنه وسآكله ولا يهمك شيء بعد ذلك»، فقال: «لا، لا أبدًا، كيف أقدم لحضرتك طعام الليل؟ هل هناك من يأكل طعامًا فاسدًا بقي من الليل؟ فكيف أقدمه لك في صبيحة يوم العيد؟ لن يكون ذلك»... وأخذت أفهمه: «يا أخي، لا تفكر في، أنا سآكل العدس بكل سعادة وسرور».
كان والدي يلتزم بالأوقات بشكل رهيب فكان يفطر في الثامنة صباحًا، وينصرف لسائر شؤونه واحدًا تلو الآخر، حسب برنامجه الخاص، فأفطر ذلك اليوم بعدس الليل سعيدًا، وكان هذا نتيجة تربية جدتي التي كانت تضع الملعقة الذهبية في أفواه أولادها يومًا، والخبز الجاف يومًا آخر.
وتابع قائلًا: "كنت أتناول الفطور فإذا بصوت بكاء، فالتفت إلى الوراء، ورأيت صاحبي السجين جالسًا يبكي، فسألته: يا رجل ماذا دهاك؟ تذكرت أهلك وأولادك؟ فقال: لا، بل يتفطر قلبي وأنا أراك تأكل العدس والخبز الجاف، لم يحدث أبدًا أن أكل واحد منا نحن الفقراء في صبيحة العيد عدسًا وخبزًا بقي من الليل، فكيف بك وأنت رجل عظيم"؟!
فبدأت أخفف عليه وأهدئه وأفهمه بالشفقة واللين: »انظر يا أخي، أنا اخترت طريقي على فهم وإيمان، وأنا سعيد به جِدًّا وراض بكل ما يحصل لي، وإذا بقيت أيامًا لا أجد طعامًا فسأبقى بإذن الله صابرًا محتسبًا، فأرجوك ألا تكلف نفسك من أجلي.
خير وفير
بعد ما تناولت فطوري جلست أواصل كتابة جزء من "تفهيم القرآن"، لكن صاحبي السجين بقي حزينًا، ورفض أن يتذوق طعامًا.. بعد قليل سمعنا باب القسم يطرق بشدة، فذهب السجين يفتح الباب، فإذا بشرطي معه أكياس كبيرة وأوان عديدة مملوءة بالأطعمة، ظهر أمام الباب وقال: “سيدي الشيخ أبناؤك أحضروا لك هذه الأطعمة منذ الفجر، ولكن مكتب مدير السجن لم يفتح إلا بعد صلاة العيد، فبقي هؤلاء ينتظرون أمام مكتبه، إلى أن فتح وتم مراجعة الأغراض وتفتيشها، ولهذا تأخر وصولها إليكم..
بدأ السجين يفتح تلك الأكياس والصحون، وإذا بها أشهى الأطعمة وألوان الحلوى، فقلت لصاحبي السجين: «انظر، كل هذا جاء لك أنت ظللت تبكي وتظهر المسكنة والحاجة ولا تأكل شيئًا، فأرسل الله إليك هذا الخير الوفير، فكل حتى تشبع، وقسم الباقي على سائر السجناء وأظن أنهم كذلك لا يزهدون في اللحم المشوي والحليب والحلاوة»، والحقيقة أني كنت أمازحه بهذا الكلام وهو يعض بأصابع الندم ويتحسر، ويقول: «يا ليتني، بدلًا من أن أطعمك ذلك العدس كنت رميته قبل ذلك للغربان»، وبعد إصراري الشديد بدأ صاحبي يفطر ويقسم الباقي على سائر السجناء ويقول لهم: "هذا وصل إلى سيدي؛ لكنه يؤثركم على نفسه"«.
غداء مع الجنرال
كان والدي يحكي لنا تفاصيل حياة السجن من هنا، وكانت والدتي تربط تلك الحكايات بالنصوص الشرعية من هناك فتقول لنا: «انظروا، هذا هو ما تقوله لنا سورة «مريم»: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَيَجۡعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وُدّٗا﴾ (مريم:96)، وهكذا كانت والدتي دومًا تعلمنا القرآن والحديث بعد ربطها بمواقف حية من الحياة، وإلى الآن كأنني أسمع صوتها في أذني وهي تقول: "أخلصي في العمل، تري الآيات والأحاديث تتقدم إليك، وتشرح نفسها لك وتفهمك ما تعنيه«".
ومما قاله والدي عن أحداث السجن في ظهر أحد الأيام سمعنا صوتًا من وراء جدار القسم يقول: «أمسكوا طعام الجنرال» فقام صاحبي السجين وسأل: «من أنت؟» لم يأت جواب وإنما جاء قماش فيه خبز وصحن مرق وبعض السلاطة، وما أن أخذه السجين إلا وظهر فوق الجدار الجنرال محمد أكبر خان »المتهم في قضية مؤامرة «راولبندي» وكان سجنه بجوار سجن الوالد«، وقفز إلى قسمي، وقال: «أريد أن أتناول طعام الغداء معك».
بعد الغداء جلس الجنرال يتكلم ولا يكاد يسكت: «سيدي الشيخ تأخرنا نصف يوم فقط». سألت: «عم تأخرتم؟» قال: «الجنرال أكبر»: «عن فتح «سرينجار»، كنا على أبواب المدينة لما خسرنا اللعبة التي كسبناها على أرض المعركة فوق طاولات المفاوضات السياسية، فأضعنا الفتح وتركنا تلك المناطق التي كنا قد أخذناها خطوة خطوة بدمائنا.
وقال الجنرال عن مؤامرة «راولبندي» المتهم هو فيها: «هذه المؤامرة دبرت لنا بليل، بل هي مؤامرة على باكستان وعلى الشعب كله، فالإنجليز قبل أن يرحلوا عن البلاد رتبوا قوائم بأسماء كل القادة والجنود الذين يتمتعون بحماس ديني أو حس وطني، ويمكن أن يضحوا بدمائهم في سبيل أهدافهم، وسلموا هذه القوائم إلى حكومتنا ليتم القبض على معظم هؤلاء من خلال هذه المسرحية التي سميت بمؤامرة «راولبندي» حتى يسلموا مواقعهم لمجموعة من القادة اللصوص ومدمني الخمر والانتهازيين وأهل الرشاوى والفساد الأخلاقي ليمسكوا برقاب الشعب».. وأخرج الجنرال «أكبر» ما كان في صدره وخفف عن نفسه قليلًا ثم تسلق الجدار وذهب إلى قسمه».
حان وقت الشهادة!
في اليوم التالي جاء نفس الصوت مرة أخرى: »«خذوا طعام الجنرال»، ثم ظهر الجنرال على الجدار وقفز عندنا، وبدأ يحكي: »وصلت خطابات دعوة من كل من الاتحاد السوفييتي، والولايات المتحدة الأمريكية إلى رئيس الوزراء «لياقت علي خان»« في وقت واحد.. وهنا يطرح السؤال نفسه لماذا رفض خطاب الاتحاد السوفييتي؟»... سكت الجنرال قليلًا ثم أكمل: «الأنظمة الرأسمالية الأمريكية خطرها أعظم من الأنظمة الاشتراكية السوفييتية، فقد عاش المسلمون أكثر من ألف عام تحت سطوة هندوس يعبدون الأبقار، والقرود، والثعابين والأحجار لكنهم لا يسمحون لأحد بأن يتفوه بقول: «لا إله»، في حين أن النظام الاشتراكي الروسي يقول: «لا إله»، فلماذا لا نذهب نحن إليهم ونعلمهم الجزء الثاني من الشهادة «إلا الله«؟ فإنهم قد أقروا بالجزء الأول منها«!... كان الجنرال يطرح أسئلة ويجيب عنها بنفسه، ولا يكاد يقف عن الكلام.
وتسربت الأخبار إلى إدارة السجن أن »الجنرال أكبر خان« يقفز من فوق الجدار ويأتي إلي، ونظل نتحدث الساعات الطوال وبعد هذا الكشف الخطير الذي تفجر في السجن كالقنابل العنقودية اهتزت الجدران والأبواب، وفي بضع دقائق حمل جميع من تم القبض عليهم في مؤامرة «راولبندي» في سيارات خاصة، وتم نقلهم مباشرة إلى سجون أخرى.. وذهب صاحبي السجين ورأى بعينيه كيف كانوا يحملونهم في السيارات الخاصة، ورجع يحكي قائلًا بأن الجنرال «أكبر» لما وضع في السيارة بدأ يهتف: «لقد حان وقت الشهادة».. وهكذا كانوا يظنون أننا جلسنا نخطط لمؤامرة في السجن!
هامش
(*) كبرى بنات المودودي، وُلدت في ٢٢ يوليو ١٩٤٥م بالهند، وتعيش الآن بمدينة "لاهور" في باكستان.
(**) أستاذ بكلية اللغة العربية والحضارة الإسلامية بـ الجامعة الإسلامية العالمية في العاصمة الباكستانية - إسلام آباد.
1- ولد في «لاهـــــــــور» في 17 سبتمبر 1952م.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل