العنوان السيرة النبوية مستقرة في سفر الخلود
الكاتب د. عبد الله عبد القادر الحسيني
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يناير-1982
مشاهدات 74
نشر في العدد 556
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 12-يناير-1982
إن ذكرى سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم تستقر في نفس كل مؤمن، لا تنسى ولا يختص بها زمان دون زمان.. وقرن الله بينه وبين اسمه الكريم في كلمة التوحيد التي بها يكون المرء مسلمًا والتي هي الحد الفاصل بين الإيمان والكفر «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وجعل المناداة باسمه جزءًا من الأذان الذي يتكرر في كل يوم خمس مرات بصوت مسموع تتجاوب بن المآذن في بيوت الله من الصباح إلى المساء إيذانًا بالصلوات المكتوبة، وجمعًا للمسلمين على عبادة الله فيتعارفون ويتحابون ويتعاونون، وإنه ليذكر في التشهد كلما صلى مسلم فرضًا أو نفلًا.
وقد خلد الله ذكره في كتابه الخالد، ذكره باسمه الصريح، وذكره بوصف الرسالة اصطفاءً من الله على علم، وذكره بوصف العبودية لله الواحد، وذكره بعظمة خلقه، وذكره برحمته للمؤمنين، وبرحمته للناس أجمعين، وذكره بالتبشير والإنذار، وبأنه شهيدٌ على أمته، وبأنه صاحب المقام المحمود، وجعل محبته من محبته، وطاعته من طاعته، وعصيانه من عصيانه.
وهكذا تلمع هذه الذكرى المحببة في كل موطن من مواطن الإسلام عقيدةً وعبادة ًوقدوةً واهتداءً، وتذكرها ملايين الألسنة والشفاه في مشارق الأرض ومغاربها كلما أذن مؤذنٌ، أو أجاب مجيبٌ، أو صلَّى مصلىّ أو آمن مؤمنٌ أو تلا قارئ أو حدث محدثٌ، تلك لعمري هي الذكرى وهذا هو الخلود.
كان إيمان الأولين بهذه الذكرى، وبصاحب هذه الذكرى عليه السلام إيمانًا عمليًا بالأفعال قبل الأقوال، بالأرواح والقلوب قبل الصور والأشباح، بالدماء، بالأموال، بالأولاد، بالأهل والعشيرة بالمتاع والنعيم، بكل لون من ألوان التضحية والإيثار والجهاد، آمنوا بنبيهم، وذكرى نبيهم لا عن طريق الخطب تلقى في شمائله، ولا عن طريق الحفلات تطلق فيها الأنوار الصناعية، وإنما آمنوا عن طريق إتباعه، وإحياء سنته، والتحلي بأخلاقه، وإقامة شرعه ودينه، آمنوا بهذا وعلموا أن الإيمان الحق يثمر المحبة الصادقة، وللمحبة الصادقة حقوقٌ وعليها تبعات، فمن حقوقها المتابعة للمحبوب، والرضا بما يرضيه، والغضب بما يغضبه، ومن تبعاتها تحمل المشاق والتضحية بأعز شيء في سبيل الوصول إلى رضاه ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (آل عمران: 31). ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (التوبة: 34).
هكذا كان شأن المؤمنين السالفين، يوم كان الإيمان قويًا في النفوس تشتعل جذوته فتلتهب الجوارح، وتبذل الأنفس، وهكذا كانت ماثلة في كل شيء، في أقوالهم إذا نطقوا، في حركاتهم إذا تحركوا، في سكونهم إذا سكنوا، في جميع شؤونهم الفردية والاجتماعية، السرية والعلنية، الدنيوية والأخروية، أساسها هذا النور المبين الذي جاء به محمد عن ربه، فكان دستور الحياة، وينبوع العزة والقوة والسعادة ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: 9).
هكذا كان شأنهم، كانت جميع أيامهم وجميع أوقاتهم وجميع أعمالهم ذكريات متجردة متتابعة لهذا الرسول الكريم، وكانت حالتهم مثالًا صادقًا، ومرآةً صافيةً، ترى منها سيرته -صلى الله عليه وآله وسلم- وشرعته وأخلاقه، فلم تكن بهم حاجة إلى مذكر وهم في الذكرى دائمًا سابحون، وبنورها مهتدون.
ظل المسلمون كذلك حتى ضعفوا واستكانوا فانطفًا هذا النور من قلوبهم، وأقفرت بصائرهم من أسراره ولم يبق لهم منه إلا صور مرسومة بحروف في الصحف أو الكتب يرجعون إليها كلما عاودتهم الذكرى، أو أهل عليهم شهر ربيع.
اكتفوا بذكر محمد- صلى الله عليه وآله وسلم- في شهر ربيع من كل عام، كما اكتفى غيرهم، وإنه كان على خلق عظيم، وإن شريعته صالحةٌ لكل زمان ومكان، وتركوا الاقتداء والتأسي، وانحازوا إلى شرائع وتقاليد وأخلاق لا يعرفها سيدنا محمد وما أنزل الله بها من سلطان، فانخفضت رؤوسهم، وألتوت أعناقهم، وضعف سلطانهم، وتفرق شملهم، وتناثرت عزتهم، شغلوا بالقول ونسوا أن دينهم ومنبع عظمتهم ومجدهم، أساسه الإيمان والعمل. ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (سورة العصر).
أتعلم أن في القرآن أو في تعاليم الرسول آية واحدة أو حديثًا واحدًا يجعل مسلك السعادة مجرد القول؟ كلا- بل نراهما ينوطان النجاح دائمًا بالإيمان والعمل. وينعيان على القوالين بأفواههم ما ليس في قلوبهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: 2-3).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل