العنوان الشاعر محمد وليد للمجتمع: الشعر الإسلامي شعر واقعي بحكم التزامه
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-مايو-1990
مشاهدات 58
نشر في العدد 965
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 08-مايو-1990
ميزة الشاعر د. محمد وليد أنه يجمع
بين الأدب والطب ولأن ما يقرب بين الاثنين، هو صفة «الإنسانية» فإن شاعرنا أبدع في
الأدب، مثلما أبدع في الطب. ما أجمل أن يمزج المرء بين العلم والفن، لأنه بذلك
يجمع بين شذرتين جميلتين من شذرات الحياة اللاهبة!
في هذا اللقاء يتحدث الدكتور محمد
وليد عن الشعر بشكل عام، والشعر الإسلامي بصورة خاصة، ورؤيته للواقع الإنساني
والحضاري من زاوية الأدب الملتزم.. وفيما يلي نص الحوار:
المجتمع: في مقدمة ديوانك «أشواق
الغرباء» حاولت أن تضع وصفًا معينًا للشعر، فذكرت أن الشعر هو تعبير بالكلمة
والإيقاع عن تجربة حية، ينفعل بها ضمير الشاعر، وانه إشراقة خيال تمد جسرًا إلى
عالم الحقيقة، حيث يلتقي الحق والصدق في قمة عالية من قمم الجمال، وأن الشعر وسيلة
راقية للتواصل الإنساني.
وفي حوار مع الشاعر والروائي
الإسلامي عبد الله عيسى السلامة، طلب منه أن يضع تعريفًا محددًا للشعر، فاعتبر ذلك
نوعًا من الاقتراب من المستحيل! فهل ترانا نقترب من المستحيل لو رغبنا في أن نرسم
صورة للشعر في سياقه الإسلامي؟!
د. وليد: إننا لا نقترب من المستحيل حينما نحاول رسم صورة للشعر في سياقه
الإسلامي، بل نجعل المستحيل قريبًا وواقعًا.
فالشعر الإسلامي شعر واقعي بحكم
التزامه الإسلامي، وواقعيته لا تعني اقتصاره على المدائح النبوية والمناجاة ووصف
المعارك الإسلامية، وإنما هو شعر يعبر عن كل خلجة من خلجات الحياة، ملتزمًا
بالمنظور الإنساني، ولا شك أن المضمون الخصب والصورة المجنحة، والكلمة المعذبة
أساسيات للشعر عموما، فإذا توافر ذلك للشعر.. والتزم إسلاميًّا، فإنه لا يكون بذلك
قد قارب المستحيل فقط، وإنما زاوج بصورة رائعة بين المستحيل والممكن في أبهى الصور.
ولا شك أن الشعر ظاهرة إنسانية نفسية
وفكرية معقدة، وتحديدها بتعريف ظلم لها.. وقد تعددت تعريفات الشعر بتعدد المدارس
الفكرية والأدبية، ولا يمكن أن نقول إن هناك تعريفًا محددًا للشعر، لأن التعريف
المحدد بطبيعته يلغي التعريفات الأخرى، وهذه دكتاتورية ثقافية لا يود المثقفون أن
يقعوا فيها.. ولعل ذلك هو ما قصده الشاعر والروائي الإسلامي عبدالله عيسى السلامة،
من أن التعريف المحدد للشعر هو اقتراب من المستحيل.
التجديد هو الحياة
المجتمع: في مقدمتك تقول: إنني مع
التجديد في الشعر، ومع الحرية فيه أيضًا، ولكنني «ضد الإرهاب النقدي»، فهل يمكن أن
تفسر لنا هذه العبارة؟!
د. وليد: إن التجديد يعني الحياة.. والتجديد من صفات الكائنات الحية.. وما لم
تتجدد مياه الينابيع تأسن، ولو لم تتجدد الطبيعة بفصولها الأربعة لأصبحت خرابًا
موحشًا، فمن الطبيعي أن أكون مع التجديد لأنني مع الحياة.. ومن الطبيعي أن أكون مع
التجديد في الشعر، لأنني أريده أن يكون حيًّا دفاقًا متجددًا.. وربيعًا دائم
الأزهار. أنا لا أريد لشعرنا أن يفوز بكنز القناعة، ويبقى واقفًا على الأطلال،
متغزلًا بديار الحبيبة، باكيًا بعر الآرام في عرصاتها الذي يشبه حب الفلفل، ولا
أريد له أن يقف على أعتاب الممدوح منشدًا بين يديه المعلقات الطوال في النفاق،
والكذب، وأنا أريد، أن يغوص داخل الموقف ليخرج لنا جوهرها، ويعطينا موقفه منها،
ليس بالوصف الخارجي السطحي، وإنما بالتحليل الدقيق الكاشف لمعالم الطريق.
الانحطاط الشرقي والغربي
المجتمع: وماذا تعني بالإرهاب
النقدي؟!
د. وليد: نحن اليوم بين نارين.. الأولى هي نار مدرسة الانحطاط الشرقية، والثانية
هي نار مدرسة الانحطاط الغربية.. أما الأولى فهي المدرسة القديمة في النقد، والتي
لا ترى في الشعر إلا المواضيع المستهلكة، والألفاظ القعساء المهجورة التي تجعل
القارئ عبدًا لمواد القاموس المحيط. لقد اختلط عند هذه المدرسة المفهوم الشعري
بالمفهوم الأدبي الغني.
فالحديث الشريف القائل: «خير القرون
قرني هذا، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه» هو دين نؤمن به، ولكن ذلك لا يعني أبدًا أن
الشعر الجاهلي أفضل من الأموي، وذلك أفضل من العباسي... إلخ، حتى إذا وصلنا إلى
العصر الحديث وصلنا إلى الصحراء الشعرية.. أنا على عكس هذا الرأي.. وأرى أن العصر
الحديث عصر انفتاح على المجهول.. وعصر تدافع الثقافات، وثورة المعلومات، وهو عصر
أصبحت فيه المعاناة الإنسانية كونية.. وهناك هموم كونية عظمى أمام الشاعر المسلم،
هموم مصادرة الحرية والعدالة.. وهموم الشمولية القمعية.. وهموم مصادرة إنسانية
الإنسان، وذلك يفتح أمام الشاعر المعاصر آفاقًا للواقعية الإسلامية، لم يكن يحلم
بها من قبل.. والشاعر المسلم أولى من غيره بولوج هذا الباب، لأنه هو المستخلف في
الأرض، وهو الأمين على حريات البشر.
أما النار الثانية فهي نار مدرسة
الانحطاط الغربية، وهي نار تلفح وجوهنا كل يوم، وكما تدعو مدرسة الانحطاط الشرقية
إلى تقديس القديم والانغلاق دون الجديد، فإن مدرسة الانحطاط الغربية تدعو إلى
تقديس الجديد وإلغاء القديم واغتياله.. لقد استوردت الأفكار، وزرعت دون مراعاة
الزمان والمكان.. ودون المعرفة بشروط التربة والمناخ. فحتى تكون مجددًا، يجب أن
تكون حداثيًّا!
وحتى تكون حداثيًّا يجب أن تفجر
اللغة! ولكي تفجر اللغة يجب أن تستعمل المفردات كإشارات حرة طليقة، تتعدد معانيها
بتعدد قرائها، ثم ترصفها بزوايا حادة ومنفرجة ومتعرجة، تضيع بينها آصرة النسب،
وتغيب عنها فلسفة العلة والمعلول. وحتى تكون حداثيًّا يجب أن تتبرأ من امرئ القيس
والمتنبي وأبي تمام، وأحمد شوقي، وإيليا أبو ماضي، وأن تذوب غرامًا بسان جون بيرس،
وت. س. إليوت، ومالارميه.. يجب أن تكفر بالغموض الشفيف، الذي يشحذ الفكر وينمي
الشعور، وتؤمن بالغموض الطلسمي، وبالتعمية المتعمدة في كل الفنون الأدبية، وإلا لن
يصدروا لك جواز سفر إلى العصر، وبقيت خارج نطاق الزمن، وعشت في كهوف ما قبل
التاريخ! بالله عليك، هل هذا نقد أم قمع؟!
وهل هذا فكر أم إرهاب؟!
وهل هؤلاء عصبة أم عصابة نقاد؟!
الاغتراب هو الذي يجعل لمثل
أدونيس قيمة
المجتمع: وكيف تقيم موقف أدونيس
من الحركة الشعرية والفكرية المعاصرة؟!
د. وليد: إن موقف أدونيس واضح، فقد أعلن معارضته للإسلام والأديان صراحة، وتحول
من النصيرية إلى النصرانية، ثم إلى الإلحاد، في رحلة فكرية نكدة، وهو لا يخفي
دعوته جهارًا نهارًا إلى التخلص من الثابت الذي هو الله والدين، ويدعو إلى
الاغتراب والانسلاخ الثقافي التام.
إنني لا ألوم أدونيس، فهو صريح،
ولكني ألوم الذين يلبسونه غير لبوسه، ويجعلونه نجم محافلهم ومهرجاناتهم الثقافية
والشعرية، وينصبونه قيصرًا على عرش التجديد في الشعر العربي المعاصر، أي اغتراب
وانسلاخ حضاري يعيش فيه أدبنا وشعرنا هذه الأيام؟
المدرسة الأدبية الإسلامية مازالت
في مرحلة الطفولة
المجتمع: لا شك أن الساحة
الإسلامية تعج الآن بالكثير من الشعراء، فهل تستطيع القول إن مدرسة الإسلام
الأدبية قد نضجت وتكاملت؟!
د. وليد: لا أعتقد أن مدرسة الإسلام الأدبية قد نضجت وتكاملت بعد.. إذ لم يتنبه
المسلمون إلا مؤخرًا إلى أهمية الدراسات الأدبية للمنظور الإسلامي، بل إن المدرسة
الأدبية الإسلامية مازالت في مرحلة الطفولة.
إذا قارنا الدراسات الفكرية
الإسلامية المعاصرة، بالدراسات الأدبية الإسلامية المعاصرة، نجد أن الأولى في غنى
وتنوع وإحاطة.. تشكل استجابة حقيقية للتحدي الحضاري الذي تواجهه أمة الإسلام،
بينما لا تشكل الدراسات الأدبية الكم والكيف المطلوب.
الفكر العلماني يتصدر المنابر
الأدبية
المجتمع: وبماذا تفسرون هذا
الوضع؟!
د. وليد: هذا يرجع في اعتقادي إلى طبيعة النظرة التي ينظر بها المسلم المعاصر
للأدب والشعر عمومًا، فمن خلال احتكاكي مع الكثير من المثقفين المسلمين، وجدتهم
يعتبرون الأدب عمومًا والشعر خصوصًا من الكماليات الثقافية، ولا أظلمهم حين أقول
لهم: إن تلك نظرة قاصرة.
فالأفكار اليسارية والعلمانية
والإلحادية تتصدر المنابر الأدبية في بلاد المسلمين اليوم، وإن نظرة سريعة على
الصحف والمجلات والملاحق الأدبية تؤكد ذلك، ولا شك أن دور الأدب في تربية الأجيال،
لا يقل عن وسائل المعرفة الأخرى إن لم يتفوق عليها.
إن الساحة الإسلامية تعج الآن
بالكثير من الشعراء، ولكن إنتاجهم لا يرقى إلى المستوى الذي يتطلبه الإسلام منهم
إلا عند القلة النادرة، وحتى هذه القلة ينقصها التألق والتفوق كما يقول أستاذنا
الشاعر عمر بهاء الدين الأميري.
إن حسن النية وسلامة العقيدة لا
يعوضان عن الموهبة الأدبية والعمل الجاد لصقلها بالفكر والدراسة.. وأنا أستغرب؛
ألا يوجد في عالمنا العربي شاعر إسلامي من وزن محمد إقبال في شمول نظرته وعمق
فلسفته الإسلامية.
الشعر ينبغي أن يعالج كل شؤون
الحياة
المجتمع: هناك من يحاول أن يحشر
الشعر الإسلامي في الأبعاد الدينية البحتة، وكأنه يريد أن يميز هذا الشعر عن غيره
من الشعر الجاهلي المعاصر، كيف تنظر إلى الميدان الذي يجب على الشعر الإسلامي أن
يجول فيه؟!
د. وليد: كما أن الإسلام دين يعالج كل شؤون الحياة فإن الشعر الإسلامي يعالج كل
شؤون الحياة أيضًا، والشاعر الإسلامي- كما يقول سيد قطب رحمة الله عليه- مطالب بأن
يكون صادقًا في تصوير أهداف الحياة اللائقة بعالم البشر.
وليس من المعقول أن يحصر الشاعر
المسلم نفسه في المناجاة، ووصف الكعبة، والحطيم ومشاعر الحجيج، وإن كان ذلك من
الشعر الإسلامي. كما أن الشاعر المسلم ليس ضابط إيقاع للأناشيد الدينية التي لا
ترى من محاسن الرسول- صلى الله عليه وسلم- إلا جمال وجهه وبياض أسنانه، وليست مهمة
الشاعر المسلم أن ينظم سيرة ابن هشام، ومغازي الواقدي بكلام موزون مقفى، فليس ذلك
شعرًا وهو ليس مؤرخًا.. الشاعر المسلم قطرة في نهر الحياة، تحس بأهداف النهر من
المضي والتدفق والإرواء والإحياء.. وهو موكل بالجمال يتبعه في كل شيء، وكل معنى في
هذا الوجود.. جمال الكون والطبيعة والمشاعر بما فيها من حب وخير، وجمال القيم،
والنظم، والأفكار.
بين العاطفة والسياسة
المجتمع: المتتبع لشعرك يجد تنامي
خطين رئيسيين تسير عليهما في معظم قصائدك، وهما الخط الإنساني العاطفي، والخط
السياسي.. أين تجد ذاتك الشعرية حقيقة؟ وهل تعتقد أن بروز الجانب السياسي في شعرك،
يعود إلى الأوضاع الخاصة التي تعيشها العديد من البلدان العربية والإسلامية، وخاصة
بلدك سوريا؟
د. وليد: لقد كانت السياسة في الماضي متعلقة بالسلطان وحاشيته، أما السياسة في
ظل الأنظمة الشمولية التي نعيشها اليوم، فتعني الحاضر والمستقبل.. تعني رغيف الخبز
الذي نقيم به أودنا.. وتعني الأقلام والدفاتر التي يكتب بها أطفالنا صفحات
مستقبلهم، وتعني الهوية في زمن عربي رديء، أصبحت فيه الكلمة الحرة هائمة في
المرافئ والمطارات لا تجد ملجأ تأوي إليه.
لقد ماتت لغة الحوار، وأصبحت الرصاصة
هي لغة التخاطب، في ظل الأنظمة القمعية، فكيف يمكن للشاعر المسلم أن يقف صامتًا
حيال السياسة، في زمن أصبح فيه إلغاء وجوده سياسة رسمية معتمدة. أما الخط الإنساني
في شعري، فإنه ينبع من طبيعة الالتزام بالإسلام الذي سوى بين خلق الله، وجعلهم
سواسية كأسنان المشط، ونهى عن استعبادهم.. الإنسان في الإسلام يولد حرًّا، ويعيش
حرًّا، ويموت حرًّا.. فإذا كان هدف المذهب الإنساني في جوهره، هو تحقيق رخاء
الإنسانية قاطبة، وتحقيق السعادة المثلى لها، فإن أقرب المذاهب إليها هو أكثرها
قربًا من الإنسان، وأشدها اهتمامًا بقضاياه، وتكريمًا له وهو الإسلام.
لقد غابت هذه المعاني الكلية عن
دائرة الضوء في وعي كثير من الشعراء المسلمين في العصور المتأخرة.. وقد آن الوقت
لكي تحتل المساحة المناسبة لها من هذا الوعي.
الإبداع الشعري يلتزم إبداعًا
نقديًّا
المجتمع: هل تعتقد أن جزءًا من
الأزمة التي يعيشها الشعر الإسلامي المعاصر يعود إلى غياب النقد لما يصدر وينشر،
أو لنقل بصراحة: تقاعس النقاد؟
د. وليد: إن الكثير من الإصدارات الشعرية الإسلامية المعاصرة تشعر باليتم،
لأنها تفتقد الحنان والرعاية، والتسديد والتقويم، في هذا البحر المتلاطم من
العقائد والأفكار.. إن ديوان الشاعر قطعة من كبده تمشي على الأرض، ومما ينغص فؤاده
أن يرى ديوانه يولد في الظل، ويعيش في الظل، ويموت في الظل، دون أن يحظى حتى ولو
بكلمة تأبين.. ولا شك أن الإبداع الشعري يستلزم بالضرورة إبداعًا نقديًّا يواكبه..
ونحن حتى الآن ما زلنا مستهلكين للبضاعة النقدية الشرقية والغربية، نستهلك النظرية
النقدية وتصلنا آخر تقليعاتها، كما نستهلك السيارة والتلفزيون واللحوم المعلبة،
ولا أحسبني أجافي الحقيقة إذا قلت إن المدرسة النقدية الإسلامية مازالت هي الأخرى
نبتة واعدة طرية العود، تنتظر حبات المطر، والتربة الخصبة لكي تنمو وتزدهر. وهناك
أصوات شعرية مميزة على الساحة اليوم، مثل الشاعر محمود مفلح، وعدنان النحوي، ومحمد
الحسناوي، ويحيى حاج يحيى، وخالد البيطار، ومأمون فريز جرار، والقاص والروائي عبدالله
عيسى السلامة... ولا يحضرني الآن أسماء الكثيرين.. وهي أصوات مبدعة تعيش في ظلام
نقدي دامس.. وحتى قممنا الشعرية المعاصرة مثل الشاعر عمر بهاء الدين الأميري، لم
تعط حقها في النقد رغم عطائها الغزير الذي لم ينقطع منذ نصف قرن من الزمان.
إن الأدب الإسلامي المعاصر، يعيش
اليوم الفترة الزمنية التي كان يعيشها الفكر الإسلامي قبل عدة عقود من الزمان..
فقد أثبت الفكر الإسلامي وجوده على الساحة بديلًا عقيديًّا حيًّا لأيديولوجيات
تموت.. ولم يحدث ذلك إلا بعد معاناة كتاب إسلاميين كبار خاطبوا العصر بلغته،
ففهمهم العصر، وفتح لهم ذراعيه.. فمتى يخاطب الشعراء الإسلاميون العصر بلغته، حتى
يفتح لهم ذراعيه؟!
معركة القرن القادم ضد الإسلام
المجتمع: في الساحة الإسلامية
اليوم بؤر عديدة تشهد عمليات مواجهة ضخمة بين قوى الحق الإسلامية، وقوى الشر
والباطل، وينشط بعض الشعراء في سبيل مجاراة هذه الأحداث والمواجهات، ولعل ذلك يشكل
نواة لما يمكن أن نطلق عليه «أدب المقاومة والجهاد» وهو لون بدأ يصبغ ميدان الأدب
الإسلامي بعد أن استغرق طويلًا في أدب التصوف والمناجاة. هل تؤيد مثل هذا
الاعتقاد؟ وما هي المقومات السليمة التي يجب أن يبنى عليها أدب المقاومة والجهاد؟
د. وليد: إن أدب المقاومة والجهاد ليس جديدًا على الساحة.. وهو بمعناه الضيق من
وصف لوقائع المعارك الإسلامية، وتمجيد لأبطالها، موجود منذ زمن بعيد.. بل هناك
الكتب المتخصصة في أدب الجهاد في مراحل معينة من التاريخ الإسلامي، مثل العهد
النبوي الأول، وفترة المواجهة مع الصليبيين مثلًا! ولكن يجب ألا يغيب عن بالنا
أبدًا أن الصراع اليوم في عهد تفكك الإمبراطوريات لا يحمل الطابع العسكري فقط،
وإنما الطابع العقيدي الأيديولوجي في أشرس صوره. وبسقوط الشيوعية الدولية تحت
عجلات البرويسترويكا تكون قد سقطت آخر القلاع الكبرى أمام الغرب الرأسمالي، ولم
يبق مستعصيًّا عليه إلا الإسلام، وقد سقطت قبلها اليهودية الموسوية تحت عجلات
الصهيونية السامرية- كما سقطت النصرانية العيسوية تحت عجلات الكهنوتية الكنسية-
ونسخت الاثنتان بشريعة الإسلام.
ورغم سقوط الإسلام السياسي في
القرنين: التاسع عشر، والعشرين، فإنه لم يسقط فكريًّا، بل إنه يستعيد حيوية وخصوبة
«عجيبة» هي من طبيعة هذا الدين. ولذا فإن المعركة في القرن القادم هي المعركة
الكبرى ضد الإسلام، فبعد الإجهاز السياسي على الإسلام، يحاول أعداؤه اليوم الإجهاز
العقائدي عليه. لذا فإن أدب المقاومة اليوم مدعو لأن يبرز نقاط القوة والجمال في
الإسلام من خلال نماذج شعرية وأدبية حية، تعمل على تغيير الواقع المر للمسلمين،
وتتواصل مع التراث، وتهدم ما لا يتفق منه مع الحياة، وتبني على أسسه حضارة القرن
القادم.. ولا يكفينا اليوم أن ننظم الملاحم في القادسية وحطين ومعارك جلال آباد،
بل إننا مطالبون بأن نغوص داخل المواقف الحضارية الراهنة، ونقوم بالتحليل الدقيق
الكاشف لها ولمعالم الطريق.
المجتمع: شكرًا وجزاكم الله خيرًا..
بطاقة شخصية
الدكتور محمد وليد
- مواليد مدينة اللاذقية
«سوريا» عام ١٩٤٤.
- دكتوراه في الطب البشري
من جامعة دمشق عام ١٩٦٨.
- دبلوم في أمراض العيون من
جامعة لندن عام ١٩٧٣.
- أستاذ مساعد في كلية الطب
بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة عام ٠١٩٨٨
- عضو جمعية أطباء العيون
البريطانية.
- عضو رابطة الأدب الإسلامي
العالمية.
- له اهتمامات أدبية مبكرة،
ونشرت قصائده في معظم الصحف والمجلات الإسلامية.
کتبه ودواوينه:
- «أشواق الغرباء» شعر ١٩٨٨.
- معجم أمراض وجراحة
العيون- بالاشتراك- ١٩٨٩
- مذكرات طبيب- مخطوط.
- الإسلام والنصرانية في
بريطانيا- مخطوط.
- يوم في حياة صياد اللؤلؤ-
شعر- تحت الإعداد.
- الوجيز في أمراض العين
وجراحتها- بالاشتراك- تحت الإعداد.