; الشباب العدد 310 | مجلة المجتمع

العنوان الشباب العدد 310

الكاتب أبو انور

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1976

مشاهدات 83

نشر في العدد 310

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 27-يوليو-1976

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (الكهف: 13)

حديث الشباب

طرحنا في عدد سابق مشكلة وقع فيها شاب مسلم التزم بالإسلام ووجد مضايقات كثيرة في مجتمعه.

وهذه المشكلة التي طرحناها ليست هي الوحيدة من نوعها والتي يواجهها الشباب الذي التزم بالإسلام، فهناك الكثير من المشاكل التي تجابه الشاب المسلم في يومه وقد لا يجد لها حلًا. 

هذه المشاكل تقع نتيجة للواقع الجاهل الذي نعيشه هذا الواقع الذي يحاول قدر استطاعته أن يضعف التزامنا بالإسلام.

وإن الكثير من المشاكل كما ذكرنا تحيط المسلم في يوميات حياته فإذا صرف جهده في البحث عن حل لكل مشكلة فلن يرتاح يوما ولن يجد المتسع لكي يصرف وقته وجهده في الدعوة لهذا الدين. إن الحل الأولى لكل مشكلة هو أن نزيل أثرها من واقع نفوسنا حتى لا يصبح لها أي تأثير على عمل الداعية وعلى بذله للدعوة. ومن ثم فالبحث عن حلول لهذه المشاكل سيكون هينا.

وقد وصلتنا رسائل كثيرة تعالج هذه المشكلة وتقترح الحلول ننشر منها في هذا العدد والعدد القادم ما يتسع المجال لنشره ولنشير للأخريات وندعو الله أن يوفق كل من التزم الإسلام على السير بصدق وإخلاص في طريق الحق والخير.

علاج المشكلة

أحمد الله لي ولك أولا - يا أخي- أن هدانا إلى نعمة الإسلام وأخذ بأيدينا إلى طريق الحق والرشاد فهي النعمة الكبرى التي لا تجاريها نعمة أخرى والبضاعة الرائجة التي كل شيء سواها إلى بوار. 

هناك حقيقة لا بد وأن يستشفها المسلم في ذات نفسه فيعلم أنه متى ما رفع راية الإيمان فإنه لا بد وأجدا رايات الشر تتعالى أمامه وصيحات الباطل تطن في أذنيه طنا. 

لا بد وأن يعلم- بل ويستيقن- أنه متى ما رضي الإنسان بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيًا ورسولا فإنه يعلنها حربًا لا هوادة فيها، حربا على المجتمع الغارق إلى أذنيه في الآثام. لا بد وأن يسبق أولى خطواته استعداد نفسي لخوض حرب طويلة شاقة ولكنها على كل حال حرب أكيدة أن أراد رضى المولى وتاقت نفسه إلى جنته ورضوانه. أقول لا بد وإن يسبق أول خطوة عملية له تصور الموقف على هذا النحو واستعداد له كما يجب وعزم أكيد على الصمود والثبات منها يكن الثمن. إن هذا الصراع ليس عرضا في الطريق ولا حدثا مفاجئا ولكنه أصل من أصوله ومرحلة لها وزنها إذ أن وجود معركة كهذه هي غاية في ذاتها من وجود الناس على هذه الأرض وهي بعبارة القرآن «الفتنة» التي ترد في بعض أي القرآن وفي ذلك يقول تعالى: ﴿الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ( سورة العنكبوت: 3). وهي المقصودة في قوله ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (سورة الملك: 2)، ثم تأتي الخطوات التالية تباعا في احتمال الاستهزاء والسخرية والشتم والسباب والتضييق في الرزق واستعداء الحبيب وتجبر القريب. وكل أنواع الفتن والمغريات للصد عن المضي في هذا الطريق. ويحتم واجب المسلم- في هذا الصراع- بعد الاستعداد النفسي له- بالتزام الجماعة دوما فإن الشيطان ضعيف على المسلم وعلى الاثنين أضعف. أجل مالتزان الجماعة وقرناء الخير فرض أكيد عليه كي يحافظ على دينه. ثم قبل هذا وذاك عليه اللجوء إلى الله تعالى في كل مشيه وخطوة واستشعار مراقبته في كل حين وفي كل مكان والإقبال عليه يذكره والبكاء بين يديه وطلب النصرة والتوفيق منه. 

ثم أن هناك نقطة أخرى هامة . فقد ذكر الأخ الفاضل أنه يثور ويغضب إذا ما استهزاء بدينه أمامه، ونحن إذ نشكر فيه روح الغيرة على دين الله ويقظة الوجدان في نفسه إلا أننا نخالفه في سلوكه وموقفه. صحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان كالعذراء في خدر أمها فإذا ما انتهكت أمامه حرمات الله علا وجهه الغضب وثارت نفسه وفارت. ولكنه رغم ذلك كله كان يواجه الموقفة بحكمة وروية. لقد غضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غضبا شديدا لم يرى بغضب مثلها قط حين جاءه رجل من المسلمين يقول له: 

إني لأتاخر من صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا. فكان جواب الرسول- عليه السلام- أن قال «يا أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم أم الناس فليوجز فإن من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة». متفق عليه. 

فنجد أنه برغم غضب الرسول- عليه السلام- من فعل الإمام في إطالته في الصلاة إلا أنه لم يوجه اللوم إليه وحده وأنما قام ووجه كلامه إلى المسلمين كلهم ثم عرض عليهم جوانب الخطأ في هذا المسلك من صد عن سبيل الله دون قصد في رحمة وشفقة.

فكأن في غضبه إشعارا لهم بالخطأ وفي قوله علاجا نفسيا عميقا مؤثرا في نفس صاحبها. مكان هذا درسا له وللمسلمين كافة في أن يقعوا في مثل هذه المزالق.

وكذلك كان موقفه حينما جاءه رجل يستأذنه في الزنى فغضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غضبا شديدا ثم قال له. ارتضاه لامك؟ قال: لا فقال فإن الناس لا يرضونه لأمهاتهم، ثم قال: أرضاه لابنتك. قال لا فقال -عليه السلام- فإن الناس لا يرضونه لبناتهم ثم قربه إليه ووضع يده على صدره ودعا له، فلم يخرج الرجل من مجلسه حتى غد ما كان ساعيا نحوه أبغض شيء إلى نفسه. وهنا أيضا فتبين مدى الحكمة في علاج الموقف مع ما كان يملأ قلبه من رحمة وعطف، والأدلة في هذا الباب كثيرة ولا يسعنا حصرها في هذه العجالة. ولكن الذي لا بد وأن ننتبه له هو أن الغضب من أجل انتهاك حرمات الله لهو الدليل على يقظان القلب وصدق الإيمان ولكن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال مواجهة الموقف بالانفعال والعاطفة، بل لا بد من الحكمة والموعظة الحسنة ومخاطبة الناس على قدر عقولهم. إن فقه الدعوة ومعرفة ما يجب أن يأخذ المسلم وما يذر في الأحوال المختلفة لهو موضوع جدير بالاهتمام والدراسة حتى لا يسلك المسلم مسلكا يصد فيه عن سبيل الله وهو في اعتقاده أنما يقدم خيرا لدينه. وإني على يقين أن معظم المشاحنات التي يتعرض لها الداعية المسلم أنما يكون هو السبب من ورائها وأن كثيرا من هذه المشاحنات يمكن تلافيها لو لم تواجه بالجمود والتعصب وإنما بالحكمة والروية. ولست أقصد بالجمود هنا بالتنازل عن المبادئ والأصول وإنما أعني أن يحسن الداعية في تبليغ هذه الدعوة ويحسن عرضها حتى لا ينفر عن دين الله ولا يصد عنه.

الرابط المختصر :