العنوان الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية
الكاتب المستشار سالم البهنساوي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1992
مشاهدات 76
نشر في العدد 1019
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 06-أكتوبر-1992
القانون بين الشريعة
والقوانين الوضعية: مقارنة في مبدأ المساواة والضمانات الجنائية
من محاكمة الجمادات إلى
تمييز الطبقات
إنه قبل مائتي عام فقط كان الأوروبيون
يحاكمون الحيوانات والجماد ويضعونها في قفص الاتهام، وكانوا يعاقبون العائلة كلها
إذا ارتكب أحد أفرادها جريمة، خصوصًا في الجرائم السياسية.
وكانت القوانين الأوروبية تميز بين
الأفراد والعائلات وبين الحاكم والمحكوم. فكان للأشراف محاكم خاصة وقضاة مخصوصون،
ولرجال الدين محاكم خاصة. وكانت العقوبة تختلف باختلاف الأشخاص ومراكزهم
الاجتماعية. فالسرقة من الشريف عقوبتها تافهة وقد يعفى منها، بينما يعاقب عليها
باقي أفراد الشعب بأقسى العقوبات.
وكان الرؤساء لا يخضعون للقانون لأنهم
مصدر القانون، فكيف يخضعون له؟ وما زال الدستور الإنجليزي والبلجيكي يجعل الملك «ذاته
مصونة» لا تمس، وكذلك كان دستور سنة (1923) في مصر. وفيما يلي الفوارق في القانون
الجنائي:
(1): مساواة الرؤساء
تميز القوانين الوضعية رؤساء الدول،
فلا يكون مسؤولًا عن أي جريمة في بعض الدول، ويكون مسؤولًا عن الجناية العظمى فقط
في دول أخرى، بينما يتساوى الرؤساء مع باقي أفراد الشعب في شريعة الله، قال الله
تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ
النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ
بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (المائدة: 45) وقال
النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم
الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن
فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها».
(2): حصانة السلك
السياسي
تميز القوانين الوضعية رجال السلك
السياسي عن سائر الناس، فتعفيهم من سريان قوانين الدولة عليهم، فإذا ما اشتركوا في
جريمة قتل أو نسف، فلا يتم القبض عليهم ولا يحاكمون، إنما يعتبرون غير مرغوب فيهم،
فيعودون إلى بلادهم.
لمقارنة هذه الحصانات، يمكن زيارة
الاتفاقيات الدولية لحصانة الدبلوماسيين.
والإسلام يعتبر ذلك خروجًا على قاعدة
المساواة المشار إليها من قبل، والتي قال فيها الله: ﴿خَلَقَكُم
مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (النساء: 1) وقال النبي: «الناس سواسية كأسنان
المشط، كلكم لآدم وآدم من تراب».
(3): حصانة أعضاء
البرلمان
تعفي القوانين الوضعية أعضاء البرلمان
من العقاب عما يصدر منهم من جرائم داخل المجلس النيابي بحجة أنهم ممثلون للشعب
ويجب تمكينهم من أداء واجبهم. والإسلام يعتبر ذلك خروجًا على مبدأ المساواة بين
الناس، فضلًا عن أن في ذلك اعتداء على بعض حرمات الله، وذلك بإباحتها في هذه
الأماكن، ومن ذلك التجريح البذيء بالقول والإشارة الذي صدر من وزير الداخلية
المصري زكي بدر في حواره مع إحدى النائبات وأحد النواب سنة (1988).
(4): التمييز بين الغني
والفقير في الكفالة
كما أن القوانين الوضعية تخل بقاعدة
المساواة بين الغني والفقير عندما تجيز الإفراج عن المتهم عند دفعه لكفالة مالية؛
لأن الغني هو الذي يستطيع توقي استمرار حبسه حتى يفصل في التهمة أو حتى يفصل في
الاستئناف، بينما يظل الفقير محبوسًا لعدم قدرته على دفع الكفالة (م 180 من تحقيق
الجنايات المصري).
(5): التفرقة بسبب
المراكز الاجتماعية في الإجراءات
تكرس القوانين الوضعية التفرقة بسبب
المراكز الاجتماعية، فلا يملك وكيل النائب العام تحريك الدعوى الجنائية ضد المتهم
إذا كان عضوًا في البرلمان أو في بعض النقابات المهنية إلا بعد إذن جهات معينة،
وله أن يحفظ التهمة اكتفاء بجزاء إداري على هؤلاء، بينما أفراد الشعب لا يلقون هذه
المعاملة.
(6): التفرقة في
التعويضات
تجيز القوانين الوضعية التفرقة في الحق
بناءً على المراكز الاجتماعية، فالتعويض عن الأضرار الناجمة عن الأخطاء يختلف
باختلاف المركز الاجتماعي. فمن فقد يده أو عينه وكان مرتبه صغيرًا يحصل على نصف
التعويض المقدر لنظيره صاحب المرتب المرتفع، مع أن كليهما قد تساويا في الإصابة،
ومع أن الأضرار التي تلحق بورثة الفقير تزيد عن الأضرار التي تلحق بورثة الغني
لتحقيق الكفاية المعيشية لهم.
(7): قاعدة شرعية قبل
الثورة الفرنسية
قاعدة «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص»
عُرفت في أوروبا في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي بعد الثورة الفرنسية، حيث
قررت لأول مرة في إعلان حقوق الإنسان الصادر سنة (1789). وهذه القاعدة جاء بها رسل
الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ
حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: 15). وقال الله تعالى: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ
لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (النساء: 165).
(8): عدم سريان القوانين
على الماضي (الأثر الفوري للقانون)
قاعدة «عدم سريان القوانين إلا من
تاريخ صدورها»، أي عدم سريانها على الماضي، قد عرفتها أوروبا بعد الثورة الفرنسية.
بينما هي في تشريع الله تعالى قبل ذلك بقرون كثيرة، حيث نزل بها الوحي على رسل
الله تعالى...
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾
(الإسراء: 15). وقال الله تعالى: ﴿قُل
لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغفَر لَهُم مَّا قَد سَلَفَ﴾ (الأنفال: 38).
وقال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (المائدة: 93). فقد روى البخاري عن أنس قال:
«كنت ساقي القوم في منزل طلحة فنزل تحريم الخمر.. فقال بعض القوم قُتِل قوم وهي في
بطونهم، فأنزل الله هذه الآية».
(9): شخصية العقوبة
كانت أوروبا تعاقب عائلة الجاني ولم
تصبح العقوبة شخصية إلا بعد الثورة الفرنسية. أما في تشريع الله، فمنذ نزل على رسل
الله والقاعدة ألا يحاسب شخص عن جريمة غيره. قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى *
وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَن
لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (النجم: 36 - 39).
(10): ضمانات الحرية
الدينية لأهل الكتاب
من ضمانات حرية الاعتقاد والحرية
الدينية إعفاء الشريعة الإسلامية أهل الكتاب من جريمة شرب الخمر إذ لم يؤد إلى
السكر العام، وكذا أكل لحم الخنزير. وهذا الضمان لا وجود له في القوانين الوضعية.
إن استثناء أهل الكتاب من بعض الجرائم
الخاصة، والتي لا تعد جريمة في دينهم، منهج لا تأخذ به القوانين الوضعية، ولكن هذا
الاستثناء لا يخل بمبدأ المساواة والعدالة؛ لأن الإسلام صاحب مبدأ حرية الاعتقاد
وحرية العبادة، ومن ثم فمن العدل ألا يعاقب غير المسلم على فعل هو حلال ومشروع في
ديانته، وإن كان محرمًا في شريعة الإسلام، كما أن المساواة بين المسلم وغير المسلم
في ذلك ليس عدلًا، فلا مساواة إلا بين المتماثلين وهنا توجد فوارق الاعتقاد. ولكن
الشريعة لا تميز بين المسلم وغير المسلم في العقوبة، فتوجب المساواة التامة في العقوبات.
ومن أسباب الأسى والأسف أن بعض العلماء
المسلمين ظنوا أن السنة النبوية لا تجيز المساواة بين المسلمين وأهل الكتاب في
عقوبة القصاص، فالمسلم لا يقتل إذا قتل الذمي أي المسيحي أو اليهودي، وذلك لقول
النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقتل مسلم بكافر». وقد غفل هؤلاء عن باقي هذا
الحديث النبوي الذي رواه أحمد وأبو داود ونصه: «لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في
عهده». قال الشوكاني: استدلوا بهذا العطف على أن الكافر هو الحربي، فيكون التقدير
والمعنى: لا يقتل مؤمن بكافر حربي ولا ذمي معاهد بكافر حربي. وهذا يدل على أن
المسلم يقتل بالكافر الذمي أو صاحب العهد والذمة من أهل الكتاب، والمعلوم أن
المحارب إذا قتل لا يقتل من قتله، لأن صفته كمحارب تهدر دمه. وهذا نظام عام في
جميع الدول والمجتمعات المعاصرة.
(11): الإقرار وسيد
الأدلة
يعتبر الاعتراف بالجريمة والإقرار بها
سيد الأدلة في القوانين الوضعية، والتي يظن أنها القمة في توفير الضمانات للمتهم،
وذلك بعد أن ظلت أوروبا تعاقب الناس بالشبهات، حتى أنها أخذت بقانون ينص على أن
المرأة المتهمة بالزنا ولا يوجد دليل ضدها يسقيها الكاهن بالماء المر المشوب
بالغبار، فإن كانت قد خانت فعلًا، دخل الماء إلى المرارة فيتورم بطنها وتسقط ركبتها.
والمعلوم أن القرآن الكريم قد كفى
صيانة أعراض الناس من الاتهام بالباطل، فوضع عقوبة لمن اتهم غيره بغير دليل. وفي
بعض الجرائم كالزنا لا يكتفي القرآن بشهادة رجلين، بل اشترط شهادة أربعة رجال من
العدول، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع القاعدة في عدم الأخذ بالشبهات فقال:
«ادرؤوا الحد بالشبهات».
وطبقًا لهذه القاعدة، فإن المعترف على
نفسه بالجريمة والمقر بها له أن يعدل عن ذلك، ولا يلزم الأخذ بإقراره، وأيضًا
الشاهد إذا عدل عن شهادته وكانت هي دليل الإدانة الوحيد، يؤخذ بهذا العدول.
بل إنه لمزيد من الضمانات للإنسان
اشترط النبي صلى الله عليه وسلم لقبول الإقرار والاعتراف أن يؤكده المتهم أربع
مرات ويصر عليه، بل إذا صدر الحكم بناءً على هذا الإقرار ثم عدل عنه الشخص عند
تنفيذ الحكم، يوقف التنفيذ ويتم الإفراج عن المحكوم ضده.
ـــــــــــــــــــــــ
الهوامش: (1) - الخراج لأبي يوسف ص 50.
(2) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 1 ص 294.
(3) - التشريع الجنائي الإسلامي للشهيد
عبد القادر عودة ج 1 ص 334 بند 244.
(4) - نيل الأوطار للشوكاني ج 4 ص 10.
(5) - ورد ذلك في التوراة سفر العدد الإصحاح 5
ومن قبلها ورد في قانون حمورابي في المادة 29.
(6) - أخرجه ابن ماجه من حديث أبي هريرة.
والترمذي والحاكم والبيهقي من حديث عائشة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل