العنوان الشطرنج الدبلوماسي
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر السبت 01-مايو-2004
مشاهدات 60
نشر في العدد 1599
نشر في الصفحة 45
السبت 01-مايو-2004
أنقرة للمجتمع:
قبل أن يصوت القبارصة اليونانيون الأسبوع الماضي برفض خطة الأمم المتحدة لتوحيد قبرص.. شهدت المفاوضات بين القبارصة اليونانيين والقبارصة الأتراك مساومات ومراوغات سياسية.. نسلط الضوء على جانب منها.. فأثناء المساومات الحارة بمنتجع بورجنشتوك في سويسرا طرح رئيس الوزراء اليوناني كوستاس کرامانلس هذا الاقتراح «دعونا نرجئ التداول حول الموضوع ونعود كحكومتي أثينا وأنقرة إلى مائدة المفاوضات في شهر أكتوبر القادم لحل القضية بشكل حاسم».
هذا الاقتراح عرضه كرامانلس على كل من الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان ورئيس الوزراء التركي الطيب أردوغان قائلاً: إنه سيكون من الأسهل آنذاك حل القضية القبرصية؛ لأن الشطر الرومي سيكون (حسب تعبيره) قد انضم في كل الأحوال إلى عضوية الاتحاد الأوروبي وشرع ينظر إلى الأمور بصورة أهون، ويكون الطرفان قد استعدا وأعدا رأيهما العام بشكل أفضل.
الجانب التركي رفض قبول الاقتراح، والسبب أن انتخابات الرئاسة الأمريكية تجري في شهر نوفمبر القادم وتأثير اللوبي اليوناني- الرومي سيزداد كثيرًا لهذا السبب في شهر أكتوبر وهذا ما يستهدفه كرامانلس ولا يمكن لنا قبوله. هذا نموذج حي للدقائق والخلفيات التي يجب التفكير بها في المجالات الدبلوماسية قبل اتخاذ أي قرار. بطبيعة الحال فقد أحس الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان بامتنان عميق من رفض الأتراك للاقتراح اليوناني؛ لأن المهم بالنسبة له ليست الانتخابات الأمريكية بل استمرار الأجندة التي حددها في نيويورك دون تعثر. أثناء المفاوضات القبرصية أبدت الولايات المتحدة وإنجلترا نشاطات حميدة استفادت منها أنقرة كما نعرف ولكننا عندما ننظر خلف الستارة يطالعنا الحجم الحقيقي لهذه النشاطات. السؤال هو: لماذا تبذل الولايات المتحدة وبريطانيا مثل هذا النشاط المكثف أحبًّا في سواد أعين تركيا أم لسبب آخر؟
هناك أسباب عديدة منها:
- ضمان الأمن والاستقرار شرقي الأبيض المتوسط وانعكاسه الإيجابي على التوازن في الشرق الأوسط.
- الحاجة إلى زخم جديد يحققه حل قضية مستعصية على الحل منذ عدة عقود.
أما الموقف اليوناني - الرومي فقد بدا للعالم بشكل مغاير تماماً للانطباع السائد عنه، بعبارة أخرى كان الرأي العام العالمي يعرف الجانب اليوناني والقبرصي الرومي بأنه الطرف الراغب في حل القضية القبرصية وأن الطرف التركي وخاصة الزعيم القبرصي التركي رؤوف دنکطاش هو المتعنت والرافض للحل.
أما الآن وبعد الحزم الذي أبدته حكومة أردوغان لإبقاء دنكطاش على مائدة المفاوضات وعدم تركها مهما كان فقد سقط القناع عن وجه أثينا ونيقوسيا وأظهر للعالم أنهما يستهدفان عرقلة الحل في سبيل انضمام الشطر الرومي وحده لعضوية الاتحاد الأوروبي باسم قبرص بأسره.
كما قلنا فإن الدبلوماسية سلاح فتاك إذا عرفنا كيف نستخدمه، وهذا السلاح الذي كان موجهاً إلى نحر الجانب التركي أصبح اليوم بيده. إلى ذلك لم يأل رئيسا وزراء البلدين أردوغان وكرامانلس جهدًا في إظهار عزمهما على عدم السماح لقضية قبرص بإفساد العلاقات التركية اليونانية تحقق حلها أم لم يتحقق.
إن عصرنا الحالي هو (بالنسبة لدول العالم الثالث على الأقل) عصر حل المشكلات وتعزيز الصداقات، وهذا يستوجب بالضرورة لعب الشطرنج الدبلوماسي بمهارة فائقة، وهو ما تقوم به أنقرة هذه الأيام.
والآن لنستعرض النص الأخير أو الصيغة الأخيرة لمشروع عنان أي الصيغة التي تم وضعها من قبل الأمم المتحدة في بوغنشتوك لعرضها على الاستفتاء الشعبي في شطري الجزيرة، هل تخدم مصلحة الأتراك أم اليونانيين؟
الجواب ليس بنفس سهولة توجيه السؤال؛ لأن من الممكن سرد عشرات النقاط في الصالح وضده، ولكن الظاهر أن الجانب اليوناني- الرومي يرى شطرًا كبيرًا من هذه النقاط ضده أو بالأحرى من مصلحة الجانب التركي، ولكن الاستفتاء سيضع النقط علي الأحرف، وفي حالة القبول أو الرفض سيتغير الشيء الكثير في قبرص بالنسبة للجانب القبرصي التركي بشكل خاص؛ فلننتظر.