; الشعارات المطروحة في المنطقة العربية والجديد فيها | مجلة المجتمع

العنوان الشعارات المطروحة في المنطقة العربية والجديد فيها

الكاتب محمد النايف

تاريخ النشر الثلاثاء 19-فبراير-1974

مشاهدات 80

نشر في العدد 188

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 19-فبراير-1974

أود بمقالي هذا أن أدرس جملة من الحوادث والمفاجآت التي تقع في المنطقة العربية، وأن أخرج من هذه الدراسة بضوابط ومقاييس مستمدة من ديننا الحنيف، وأن تكون ثابتة لا تتغير وعلى ضوئها نقيس الحادثة فنعطي رأينا فيها لا لبس فيه ولا غموض، ونقوم الناس تقويما سليما لا تغيره المفاجآت الطارئة.

ونحن بأمسِّ الحاجة لمعايير لا يقوى على تغييرها من يدغدغون عواطف الجماهير، ويأتون بكل ما يحرك هذه العواطف ويضمن كسبها والناس ينسون ما يمر عليهم فإذا بطل اليوم كان قبل سنوات تحوم حوله الشبه وتوضع حول اسمه آلاف إشارات الاستفهام وما كان غير ممكن بالأمس أصبح اليوم حقيقة ملموسة.

ومات الإحساس في النفوس، وألف المسلمون حياة استعباد الناس للناس والذي كان قبل ردح من الزمن يقيم الدنيا ويقعدها، صار يمر دون أن يترك حتى ردود فعل!!

 وتفنن الشياطين في غسل الأدمغة وحشوها بالأوباء .

الوحدة:

     قبل ما يزيد على ربع قرن والمستعمرون يغادرون بلادنا- قامت أحزاب تنادي بالوحدة سواء وحدة الهلال الخصيب- سوريا الطبيعية، أو وحدة المغرب العربي أو الوحدة العربية. وليس من الصدف أن يكون رؤساء هذه الأحزاب صليبيين تتلمذوا في مدارس أوروبا التبشيرية، ووقف في صفهم الملاحدة والمنحلون من أبناء المسلمين فكانوا أجرأ على الإسلام والمسلمين من أساتذتهم وأولياء نعمتهم، فدخلوا المساجد- التي لم يستطع المستعمرون اقتحامها وإخراج الثوار منها- وقتلوا العلماء، وشردوا المؤمن وزجوا بهم في غياهب السجون

وشاء الله أن يفضحوا فحزب واحد انقسم أحزابا عند وصوله لدفة الحكم، فأكل بعضه البعض، وغدر الرفيق برفيقه. وحكم بلدين فعجز عن إقامة وحدة بينهما.

وما كانت القومية في يوم من الأيام بقادرة على أن تحقق وحدة وتآلفا، لقد فشلت بالأمس أن تجمع بين محمد صلى الله عليه وسلم وأبي جهل بل بين أبي بكر وابنه عبد الرحمن وما عرف العالم العربي وحدة بغير الإسلام؛ فبالإسلام فتح المسلمون الشرق والغرب. بالإسلام دخلنا فلسطين والأندلس وتركستان والصين وإفريقيا، فعاش الناس في أمن وعزة وكرامة وعدل، فلا عدوان ولا ظلم.

 وخرجنا من فلسطين وتركستان في ظل وثنية القومية وبدعة الاشتراكية، وأكذوبة الوطنية. جمع الإسلام منذ أيامه الأولى بين أبي بكر العربي وبلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي.

والأندلس لتحقيق شعار واحد.

﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (سورة الأنبياء: ٩٢)

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (سورة الأنبياء: ١٠٧)

كان رواد وحدتنا خالدا وأبا عبيدة وسعد بن أبي وقاص، وعقبة ابن نافع وعمرو بن العاص، ورواد مصائبنا اليوم- أنطون وميشيل وجورج وكوهين وباروخ نادل وكيسنجر وروجرز ويارينغ.

 فشلت القومية والوطنية والمصالح المشتركة ورابطة حسن الجوار أن تكون أساسا لنهضة أو أواصر الرابطة وتطلع العالم من جديد إلى شعار عالمي وليس هذا الشعار عندنا إلا الإسلام.

 وإذا كان العدو نجح في القضاء على الوحدة الإسلامية. فما زالت روابط الوحدة قائمة بين المسلمين فهم يتلون كتابا واحدا ويصومون شهرا واحدا، ويتجهون خمس مرات في اليوم لقبلة واحدة، ويلتقون في كل سنة في مؤتمر عالمي يحقق المساواة والتآخي ويذكرهم بضرورة الوحدة وتحطيم كل تآمر يحول بينهم وبين هذا الهدف المنشود.

وإذا كانت الوحدة أملا من آمال المسلمين، وشعارا محببا في نفوس الناس، انبرى السماسرة يتاجرون به، يتخذونه ستارا يقربهم إلى قلوب الجماهير، ويكسبهم التأييد.

فقامت وحدة بين سورية ومصر وأخرى بين العراق والأردن، ثم اتحاد بين الجمهورية العربية المتحدة والمملكة اليمنية، ثم اتحاد بين مصر وسورية والعراق، واتحاد بين السودان وليبيا ومصر، واتحاد بين ليبيا ومصر وسورية. ثم وحدة أخيرا بين ليبيا وتونس.

 وظن الطيبون الذين يأخذون الأمور على ظواهرها- أن عهد الخلافة الراشدة سيعود، ولكن هيهات لبناء قام على أساس من الملح أن يستمر أمام السيول الجارفة وماهي إلا سنوات قلائل حتى قام الانفصال بين البلدين، وانتقل أقطاب الوحدة الى مؤتمر شتورا يتبارون في إبراز الوثائق، بمستندات من ملفاتهم الرسمية، وكل طرف يثبت عمالة الآخر والعالم يستمع إلى أصدقاء الأمس وأعداء اليوم، ويعجب بما لديهم من الأدلة المفحمة فأحدهم يقول: »يا أخ ميشيل أنا لما أديت لـــــك سبعين ألف جنيه أنا كنت أعتبرك صديق ماكنتش أعتبرك عميل «.

 واتضح أن طرفا من أطراف الوحدة سعى إليها تخلصا من التنافس الحزبي آنذاك وخوفا من حلفائه الشيوعيين الذين كانوا قد تسربوا إلى الجيش كالسرطان وكل حزب كان يطمع أن يكون له نصيب الأسد، وأن ينشر أفكاره بعد أن يصبح البلدان بلدا واحدا

والطرف الآخر كان يعد لها رغبة في زعامة المنطقة، ورهبة من مشاكله الداخلية فيوجه شعبه إلى وجهة جديدة تشغله عن فقره المدقع، فلعله يجد مجالا اقتصاديا في القطر الثاني، وأهداف أخرى تحدث عنها دبلوماسيون أجانب كانوا مطلعين على بواطن الأمور، ونشروا كتبا بذلك متداولة اليوم في الأسواق.

قامت الوحدة على الكيد والمكر قامت تغني لها صباح ونجاح ليلا ونهارا!!، تدافع عنها أربع محطات للإذاعة ! والمواطنون الأبرياء الذين فرحوا لقيامها تسلط عليهم جيش عرمرم من المباحث، ولأول مرة في تاريخ المنطقة العربية تطبق الإجراءات الاشتراكية فأخذت الأراضي من أصحابها، والمعامل من مالكيها وأكثر مالکیها مساهمون بأسهم يعيشون من دخلها، وسلبت الأموال ممن تعبوا في جمعها فانتشر الفساد والظلم، وتحكم في رقاب الناس المستغلون الإرهابيون فلا يأمن الأخ من أخيه ولا الصديق من صديقه.

ومديرو المباحث في أكثر من منطقة هتكوا الأعراض بشكل مزر ومات في أقبيتهم العديد من المواطنين دون محاكمة ولا إصدار حكم.

 كل ذلك وأسباب أخرى قادت للانفصال أقول أسبابا أخرى لأن المنطقة صارت ألعوبة بأيدي الغير.

وأصبح البلد بلدين

ووقعت الكارثة، ونشطت التجزئة وفي كل قرية أمير المؤمنين ومنبر:

مما يزهدني في أرض أندلس /// ألقاب معتضد فيها ومعتمد

 ألقاب مملكة في غير موضعها /// كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد

 وأصبحت الوحدة في أذهان الناس مرتبطة بالظلم والاستغلال والبطش والتسلط، وخف الإقبال عليها وقل المتحمسون لها، مع أنها أمل من آمال المسلمين وتطلعاتهم فهل التجربة السابقة جاءت لإفساد كل محاولة في المستقبل ولمسخ هذا الشعار؟!

فلسطين:

شعار مهم، أسهموا بارتفاع متزايد منذ ربع قرن.

فدور النشر أثرت لكثرة الكتب التي أصدرتها عن فلسطين.

وناس نكرات صاروا زعماء وقادة عندما رفعوا شعار فلسطين.

 وأحزاب مشبوهة كسبت عطف الناس عندما بدت تجتر قضية فلسطين.

والاتحاد السوفياتي كسب أنصارا ورفاقا وأموالا وأقام قواعد من وراء فلسطين، وهو الدولة الثانية التي أيدت قیام إسرائیل وما زالت على أمتن الصلات معها.

وأمريكا سيدة الموقف عند العرب وإسرائيل، ولولا فلسطين لما كان لها هذا الشأن.

وأوروبا الصليبية نشطت في وجود إسرائيل، حتى إذا ما شعرت بشدة البرد من انقطاع نفطنا بدأت تلعب على الحبلين.

العالم كله مشغول بقضية فلسطين، ولكن هل تقدمت القضية؟! ما زالت قضية فلسطين في تقهقر خلال ربع قرن- رغم الأحلام المعسولة، والقصور الشاهقة التي يبنيها الثوريون لنا في الفضاء.

 رفضت الهيئة العربية والدول الرجعية!! تقسيم عام ١٩٤٨ وعام ١٩٥٦ أخذت إسرائيل شرم الشيخ ونفذت إلى أفريقيا والعالم، وأقامت بولیسا دوليا وفي أوائل الستينات قال لنا زعيم من الزعماء »اللي يقول لكم عندي خطة لتحرير فلسطين يضحك عليكم وأنا ما عنديش ولا خطة لتحرير فلسطين «ولماذا جئت للحكم؟!

وفي حرب عام ١٩٦٧ حصلت إسرائيل على الجولان التي كانت أقوى من خط ماجينو، سقطت القنيطرة وجنودنا الأبطال في الحولة هكذا قال وزير الدفاع؟!! وسقطت غزة وسيناء والقدس والضفة الغربية!!، وارتمينا من جديد في أحضان السوفيات والأمريكان وكانت مسرحية يارينغ، ثم تمثيلية روجرز ثم جاءت حرب ۱۹۷۳ فأخذ اليهود جيوبا في أرضنا لكنها جيوب طويلة عريضة، وفي حرب ١٩٦٧ كنا نقول خط الدفاع الأول والثاني والآن جيوب!!

وما كان مستحيلا بالأمس صار ممكنا في الكيلو ١.١ وفي جنيف ولا حرج في ذلك، فالمفاوضات ثورية تقدمية!!

المفاجآت والتناقضات:

نشأ بين الحاكم والمحكوم في المنطقة العربية «أزمة ثقة» سببها أننا اختبرنا الذين يرفعون الشعارات طويلا فوجدناهم لا يصدقون، ولا يتبعون القول العمل، وإذا كان طرح شعار ما بالأمس يحرك العواطف، ويشكل تيارا شعبيا يتاجر به محتكرو الشعارات من الانتهازيين، فلقد بات الإعلان عن مثل هذه الأخبار يتلقاه الناس ببرود کامل، وبالشك والحذر.

وكما أشرت سابقا كل شيء ممكن!! ا- فالحرب التي تتطلب أعدادا وتوحيد الصف، واستنفار كافة قوى الشعب، ومنح المواطن بعض حريته، فالكبت والإرهاب يورثان الجبن والخوف، والحرية تشعر المرء بقوته وعزته، وتتطلب الحرب سرية مطلقة- لا يعلمها كوهين ولا باروخ نادل.

وتنسيق ذلك مع الدول المعنية في إطار الكتمان هذه الحرب صارت تعلن بكلمة في الإذاعة فجأة، وبعد أن تشمر الحرب عن ساقها وتأكل الأخضر واليابس، وتلحق بالعدو خسارات فادحة، ونقدم فيها خيرة أبنائنا، صار يعلن عن وقوفها استجابة للصديق كيسنجر، والرفيق كوسيجين.

 تبقى في النفس أسئلة كثيرة كيف- وصل جيشنا طبرية وهذا حق- وكيف تراجع؟! كيف احتل جيشنا مرتفعات جبل الشيخ وكيف تراجع؟! هل استغلت شجاعة وبطولة الجندي العربي التي أذهلت العالم؟! كيف تقدم العدو إلى مسافات واسعة داخل أرضنا؟!

 هل حققت الحرب أغراضها حتى تتوقف؟ هل أفرج عن المعتقلين السياسيين وخاصة العلماء منهم؟! هل تصدق أن السلاح العربي نفد وقد وضعت جميع الدول العربية أسلحتها تحت تصرف المحاربين ويقول المطلعون إن السلاح العربي الذي وضع في المعركة يكفي لمدة شهرين من الحرب المتواصلة وبالتأكيد لا تقوى إسرائيل على الصمود شهرا واحدا.

 كيف نفذ اليهود من «الدفرسوار»؟ من المسئول عن ذلك؟! وكيف وصلوا للكيلو ١.١ ؟! وقد قيل لنا إنه جيب صغير تم حصاره وإنذاره بالاستسلام .

أسئلة كثيرة لم تأت الإجابة عليها حتى الآن من الرسميين!!

 مع أنه لم يبق شيء سري في بلادنا، فما تخفيه عنك الدولة يأتيك الجواب عليه من جندي أو صحيفة مطلعة، أو صديق من قوم كيسنجر لا سيما وأن الدبلوماسيين بأيديهم يكتبون المذكرات ويفضحون المتعاملين معهم.

  ومهما تكن عند امرئ من خليقة /// وإن خالها تخفى على الناس تعلم

 إن رفع الأحكام العرفية، ورد الحرية للمواطنين أمران لا يخشاهما من يسير على الطريق المستقيم.

لقد نقد وزير العمل في دولة العدو وزير الدفاع وهاجمه أشد الهجوم، ولم يستطع وزير الدفاع أن يعتقله أو أن يقتله، ما زال كل منهم في منصبه يقول ما يظن أنه حق وفيه مصلحة لبلده ولمواطنيه، أما نحن فآخر من يعلم ما يدبر لنا، نعلم أسرارنا من عدونا، نعلمها بعد فوات الأوان.

والوحدة التي تتطلب دراسة موضوعية بعيدة عن العواطف والارتجالية، والاستفادة من الأخطاء السابقة حتى لا يفجع الناس كل يوم بكارثة وتجزئة هذه الوحدة صارت تعلن فجأة بعد زيارة من الزيارات، ولا تسل عن الشعب، فالشعب قد فوض الرؤساء تفويضا مطلقا في كل زمان ومكان وغدا يأتي الاستفتاء ونتيجته معروفة سلفا ٩٩,٩٪ ضمن حرية كاملة يشهدها لفيف من مراسلي وكالات الأنباء.
 وبعد الوحدة والاستفتاء انفصال فمؤتمر للشتائم يتغير اسمه  «شتورا» فقط وإذا كان الأول جاء بعد ما يزيد على ثلاث سنوات فهذا قد يأتي بعد بضعة أشهر بل أيام بل ساعات ايضا..

وسوف نبقى في هذه الدوامة حتى نشعر بضرورة العودة إلى منهج الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ (الرعد: ١١).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل