; الشعب التونسي لا يرضى عن هدم أحكامه الشرعية | مجلة المجتمع

العنوان الشعب التونسي لا يرضى عن هدم أحكامه الشرعية

الكاتب محمد الشاذلى النيفر

تاريخ النشر الثلاثاء 28-نوفمبر-1989

مشاهدات 67

نشر في العدد 943

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 28-نوفمبر-1989

- الشعب التونسي لا يرضى عن هدم أحكامه الشرعية

- الجهاد شرعه الإسلام دفعًا للخطر وإفساحًا للدعوة إلى الله وإرشاد المعرضين عن دعوة الحق.

استمعنا إلى ندوة صحفية اتجهت اتجاهًا غير معهود من مسؤول عن وزارة ذات حساسية لاتصالها بكل أفراد الشعب، لأن لها الإشراف على التكوين للأجيال من الابتدائي إلى منتهى التعليم العالي، وهو السيد محمد الشرفي، حيث اتجهت حملته على الإسلام بانتقاده ساخرًا مستهزئًا بالأحكام الشرعية المتعلقة بالأحوال الشخصية لإقصائها عن التربية الدينية لأنها لا توافق العصر الحاضر، منددًا بأحكام الطلاق ساخرًا من الطلقة البائنة والطلقة الرجعية إلى غير ذلك مما هو مقرر شرعًا ونقلًا.

- التمسك بالأحوال الشخصية

مست هذه الحملة الشعواء على الفقه الإسلامي في الأحوال الشخصية شعور الشعب التونسي المسلم، الذي حافظ على أحواله الشخصية حتى مع دولة غير إسلامية متمسكًا بها أشد التمسك، فلما أرادت فرنسا تجنيس الشعب التونسي بالجنسية الفرنسية لم يقبل ذلك لأن في التجنس انسلاخًا عن أحكام الأحوال الشخصية، مما أدى إلى أن الشعب في محاربته لفرنسا التي أرادت فرض التجنس على الشعب استصدر فتاوَى أجمعت على أن الرافض للأحكام الشرعية كافر، لما لذلك من آثار وخيمة على ديانة المسلم، لأن الإسلام من قواعده سد الذرائع.

- التسوية في الميراث

ولما أراد الرئيس السابق السيد الحبيب بورقيبة التسوية في الميراث بين الرجل والمرأة، وضحت له أن ثورة تونس سببها التجنس، لأنه قضاء على الأحكام الشرعية، فالروح الإسلامية في تونس لا تخمد أمام هدم الشرع الإسلامي.

- إصلاح الزوجة بالموعظة

ومما أراد به تشويه الحكم الإسلامي حملته على قوله تعالى عز من قائل: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (النساء: ٣١). حيث إن الضرب يتعاقب عليه، فكيف يكون تأديبًا للمرأة؟ راميًا من وراء ذلك إلى أن هذا الحكم يلتئم مع الحياة الزوجية ناسيًا أو متناسيًا للحالات المختلفة. نزلت هذه الآية الكريمة موضحة لحال النشوز المؤدي إلى ما لا تُحمد عقباه، والنشوز الكراهية للزوجية وإساءة حياة العشرة.

وإذا بلغت المرأة إلى هذه الحال الشاذة في الزوجية والخارجة عن قانون التعامل بين الزوجين، بيَّن القرآن الكريم أن إرجاع المياه إلى مجاريها يبتدئ بالنصيحة المقدمة من الزوج لتقويم الاعوجاج، وكم أفلحت النصيحة ولم تؤدِّ إلى ما بعدها من وسائل التقويم، ولو أن الرجل ابتدأ حياته الزوجية بتعريف زوجه أن الزواج شركة في الحياة ولا تقوم الحياة إلا ببنائها على معرفة واجبات الشركة بينهما، وإذ ذاك لا تصل المرأة إلى النشوز.

- الإصلاح بهجرة المضجع

فإن لم تُجدِ الموعظة الحسنة وتمادت الزوجة الشاذة في غلوائها ودوس الحياة الزوجية برجليها، فالانتقال إلى الهجرة في المضاجع المفيد أن هناك عزمًا ومغالبة للدوافع الجنسية، وبذلك تشعر الزوجة أن الرجل ليس أسير شهواته، بل له ما يقاوم به النزعات النفسية، وله من التمكن والقوة ما يحوره في صورة توجب المصالحة، وترك المنازعة، فهجرة المضاجع إنما هي لحسم الغرور بسبب تلك الصلة الزوجية، فهو تأديب نفساني ليس المقصود منه غيره.

- التأديب الأخير

بقي التأديب الثالث وهو الذي ركز عليه في حملته الوزير ناظرًا له بمنظار واحد في غير وقته، وهو الضرب إن لم تجد الموعظة الحسنة ولا الهجرة في المضاجع، مع أن التأديب بالأمر الثالث هو أمر شاذ يكاد لا يقع، غير أنه يضطر إليه في أقصى حال النشور، إذ يكون لا معدل عنه كما هو الشأن في العقوبات.

وإقرار المشروع له ليس كما يتخيله المتخيل من أنه موجع قاس، بل غير مبرح، ولله در ابن عباس رضي الله عنهما كما رواه عنه عطاء قال: «سألت ابن عباس عن الضرب غير المبرح، قال ابن عباس: بالسواك ونحوه، والسواك يكون بعود الأراك في غلظ الإصبع، وهو لا يتجاوز القبضة إلا بقليل، فما هو إلا شبيه بوضع اليد للتنبيه والتحذير».

وكيف يظن بالإسلام القساوة مع المرأة مع أن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يحرض على المعاملة الحسنة للمرأة حيث يقول: «ألا واستوصوا بالنساء خيرًا». ثم يقول: «ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن» (من حديث رواه الترمذي وصححه).

والفقه يقرر أن الإضرار يوجب للزوجة التطليق، قال خليل في مختصر ما به الفتوى: ولها التطليق بالضرر البين. وفي الإكليل: من ضرر الزوج لها قطع كلامه عنها وتولية وجهه عنها في الفراش، فقطع الكلام وتولية الوجه اعتبرا من الضرر مع أنهما من أخف الأشياء وأولى ما هو أشد منهما، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار». فالتأديب بالأمر الثالث كما اتضح لا ضرر فيه ولا يمس حتى بالكرامة، لأنها بادئة والبادئ أظلم، وهي التي جرت ذلك عليها بالنشور

- حتى لا نصل إلى الفرقة

 ثم إن الإسلام قرر الحكمين في حال التخالف لإصلاح ذات البين بين الزوجين، فالإسلام يحرص على بقاء العقلية الزوجية وقرر لها سبلًا موصلة إلى بقائها إبعادًا للطلاق، لأنه كما جاء في الحديث النبوي: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» (رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم في المستدرك عن ابن عمر).

وحصرًا لهذه الفرقة حتى لا تنتشر جعلها الله بيد الزوج دون الزوجة، لأنها لو أعطيت للزوجين لانتَشر الطلاق، وهذا ما نقاسي منه اليوم، فإن قضايا الطلاق تكاثرت بصورة فاحشة. ثم إن التأديب الذي أشارت إليه الآية القرآنية من أسبابه ما عليه بعض النفوس التي لا يؤثر فيها إلا ذلك، كما قال المرحوم سيد قطب في ظلال القرآن: «وبعض النساء يستجبن إلى هذه الوسيلة كما تدل عليه الشواهد، لأن فيهن انحرافًا معينًا». وهن وإن كنَّ أقل من القليل إلا إنهن موجودات حتى مع إعطاء الحرية المطلقة، ولكن عفا الله من ذلك الكثير من النساء وخاصة من أطعن الله ورسوله، فإنهن يجتهدن في حظوظ أزواجهن، فهؤلاء ما عليهن من سبيل لمعافاة الله لهن.

- منزلة الجهاد في الحياة

وجاء عنه حذف دراسة الجهاد من برامج الدراسة لأن العصر عصر التآخي لا عصر القتال، وكأنه لا يعيش في هذا العصر الذي فيه التسابق في التسلح ولم يسلم العالم بأسره من حربين طاحنتين، الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية اللتين كل واحدة منهما طحنت آلاف الآلاف من البشر وخربت المدن وأيتمت العدد العديد الذي لا يحصى، ولا تزال هذه الحرب الأخيرة ترن لا في الآذان فقط، بل في القلوب.

فالجهاد شرعه الإسلام لا لتناحر البشر، وإنما شرعه دفعًا للخطر وإفساحًا للدعوة إلى الله وإرشاد المعرضين عن دعوة الحق. فها إن المسلمين حين تركوا الاستعداد للجهاد أصبحوا فريسة لأوروبا، وإنما الآن هم فريسة لإسرائيل، فحين يدعو وزير التربية تطلق إسرائيل صاروخًا له قدرة على حمل رأس نووي، فكأنه رد على ما يقوله بأنك تدعو مسلمي تونس إلى عدم الاستعداد لدفع العدو الصائل، وهو يجيبك أن هذا العدو الصائل مستعد لتحطيمك وإزهاق الأرواح وتخريب البلدان، فهل من مانع يتعظ؟

تُحذف دراسة كتاب الجهاد من برامج التعليم مع أن دراسته مقررة، والحماية الفرنسية على تونس درسنا الفقه في المدارس ومديروها فرنسيون، والفقه يدرس برمته ولا من حائل يحول، ويريد أن تُحذف أبواب من الفقه.

وما رفعت الحماية في تونس والجزائر والمغرب إلا بالجهاد الشعبي رغم نزارة السلاح، ولكن قوة الإيمان هي التي صمدت في وجه قوة ذات عدد وعدة، فلم تستطع تلك القوة أن تصمد إلا يسيرًا حتى انهارت ورضخت. 

فالجهاد إنما هو لحماية الدين والوطن ورفع المذلة عن الأمم المداسة بالاستعمار، وكما هو حماية هو ترقية للأمة، حيث إنها تخترع وتختبر فيما يحصنها ويدرأ عنها كيد الأعداء فتتقدم الصناعة وتتنوع لأن الاختراع وليد الحاجة. وحصل التقدم للأمم القوية اليوم وقبل اليوم بالاستعداد والتقدم فيه من أجل الدفاع ورفع الراية في المعارك الطاحنة في كل ناحية من النواحي، فالأمة الإنجليزية صعدت في وجه النازية بسبب «الرادار»، ولولا أنها تستعد للحرب لمَا فكرت فيه ولا وصلت إليه. 

ودعانا الإسلام إلى الاستعداد بقوله عز وجل: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (الأنفال: ٦٠) تحصية لهذه المنافع المنجرة عنه لأن الأمم التي لا تستعد تركد وتصبح فريسة لغيرها.

فالاستعداد للدفاع مطية لاستقامة الحياة وإفادتها بمنتجات الأفكار، وهو ما خرج بالمسلمين إلى اتساع حياتهم فتمكنوا من أن يصبحوا في مقدمة الأمم، ولولا أنهم استعدوا لأيام اللقاءات لمَا تأتَّى لهم ما أصبحوا عليه من حضارة وصيانة أوطان، فهو الدرع الحصين والملاذ الأمين. 

وأما تضييع الاستعداد فهو البلاء المنزل، وهو ما أصاب بغداد حين هاجمها التتار سنة ٦٥٥ هـ فقضى على حضارتها، ففي بضعة أيام تلاشى في بغداد مما جمعته منذ قرون، وحكمها هولاكو بسيف القهر والمذلة، ولولا قوة الإسلام التي اجتذبت المغول إلى الدخول فيه، لمَا بقِي الإسلام في بغداد. فالجهاد دفاع وحصانة لا تفريق بين الأمم.

الرابط المختصر :