العنوان الشعب الفلسطيني يطالب الوفد المفاوض بالانسحاب
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الأحد 12-يناير-1992
مشاهدات 50
نشر في العدد 984
نشر في الصفحة 30
الأحد 12-يناير-1992
عمان – وليد الحسيني
قالت نعيمة صافي- وهي زوجة أحد المبعدين الاثني عشر الذين أصدرت سلطات
الاحتلال الصهيوني قرارًا بإبعادهم الأسبوع الماضي- قالت: إن على الوفد الفلسطيني
المشارك بالمفاوضات أن ينسحب فورا فقد كفانا ذلا!
وتابعت في مقابلة مع التلفزيون "الإسرائيلي" أجراها مع
عائلات المبعدين بأن حنان عشراوي لا تمثلنا ولا تمثل سوى نفسها.
كان ذلك ليلة 5/1/1992 وعقب زيارات أجراها أعضاء الوفد الفلسطيني
المفاوض لعائلات المبعدين بغية إظهار التضامن معهم.
المطلب الشعبي بانسحاب الوفد الفلسطيني
تعبير المرأة الفلسطينية «كفانا ذلا» هو اختزال من طراز فريد
للحالة الجماهيرية الفلسطينية التي تعم الأراضي المحتلة؛ إذ يشعر الفلسطينيون
بأن جبل مؤتمر مدريد لم يتمخض سوى عن فأر مشوه، وأن الفشل الذريع الذي خلصت
إليه مفاوضات الجولة الثانية في واشنطن جاء تتويجًا للموقف الصهيوني كما
جاء تتويجًا للموقف الأمريكي المعادي للرغبات العربية والمحابي للدولة الصهيونية
كموقف إستراتيجي لا يتغير.
ملامح الموقف الشعبي الذي يتمثل بالاستياء والشعور بأن البهرجة
الإعلامية التي رافقت افتتاح مؤتمر مدريد لم تكن سوى نوع من الطعم، قدم
للجماهير الفلسطينية والعربية المحيطة إثر أزمة وحرب الخليج وما حل بالأمة العربية
والإسلامية من تشتت وفرقة، هذه الملامح يمكن رصد بعضها في الآتي:
1- تصاعد الانتفاضة المباركة:
إذ لا تزال الفعاليات الانتفاضية تتصاعد وباتجاه أكثف نحو
استخدام الأسلحة النارية والمتفجرات، وهذا ما صرح به أكثر من مسؤول صهيوني
ويرصد هذا التصاعد على اعتبار أنه رد مباشر من القوى والتيارات الرافضة لمسيرة
التفاوض على أساس أنها مسيرة تفريط وتنازل، وقد وعدت هذه القوى بأن يكون ردها
على المفاوضات بتصعيد الانتفاضة، ولقد لقي هذا التصعيد تجاوبًا جماهيريًّا
يعكس الرأي الحقيقي للشعب الفلسطيني، ولعل أهم مؤشرات هذا التصعيد اغتيال
مستوطن صهيوني في غزة كان السبب وراء قرار الإبعاد.
2- فشل محاولات تغيير الرأي العام:
إذ تعثرت كل المحاولات التي بذلها الوفد الفلسطيني المفاوض
والفصائل المؤيدة للمفاوضات الرامية لإقناع جماهير الشعب بصوابية ما يقوم به
الوفد، وقد تمثلت هذه المحاولات في عقد سلسلة من الندوات والمحاضرات
يشارك فيها المفاوضون ويحاولون تزيين الموقف الفلسطيني في واشنطن وإظهار ما
سمي بمفاوضات الردهة وكأنها انتصار مؤزر. ويذكر أن تلك المفاوضات قد
أصبحت مجال تندر واستهزاء، حيث رفض الصهاينة مجرد الجلوس على طاولة واحدة مع الوفد
الفلسطيني، وهو الرفض الذي أدى إلى تفجير الموقف الغاضب لدى القطاعات الواسعة من
جماهير الفلسطينيين والتي عبّرت عنها نعيمة صافي كما أسلفنا
.
آخر فشل منیت به محاولات تغيير الرأي العام الفلسطيني هو ما حدث
في مدينة طولكرم في 30/12/91 حينما دعت الفصائل المؤيدة للمفاوضات إلى ندوة
عامة يشارك فيها فيصل الحسيني رئيس الهيئة الاستشارية للوفد المفاوض، إذ لم تعقد
الندوة بالأساس وحدثت صدامات مؤسفة بين المنظمين للندوة وهم بالأساس أحد أجنحة فتح
وبين أنصار حركة «حماس»، وذلك بسبب الإدارة التنظيمية الفاشلة للندوة ومحاولة منع
أي شخص يشتبه بمعارضته للمفاوضات من الدخول إلى القاعة على الرغم من
كونها دعوة عامة، ويبدو أن المنع جاء إثر نجاح الإضراب الشامل الذي دعت إليه
حركة حماس في طولكرم، تعبيرًا عن رفض المدينة وأهلها للمفاوضات واعتبارها
تنازلا واستسلامًا، وهو الإضراب الذي حاولت «فتح» کسره بكل الوسائل والطرق
وإجبار التجار على فتح محلاتهم بالقوة وشطب الشعارات الداعية للإضراب مما
أضفى على المدينة جوا مشحونا بالتوتر.
|
·
استمرار الانتفاضة المباركة وتطورها نحو المواجهة المسلحة دليل
لرفض العشب الفلسطيني لما يسمى بمؤتمر السلام |
ولدى التوجه إلى الندوة التي أقيمت في سينما الأندلس (وهي سينما
مشهورة بعرض الأفلام الإباحية وقد قام السكان بإغلاقها) فوجئ الجمهور
بأن المؤيدين لمسيرة التفاوض بدأوا يكيلون السباب والشتائم والهتافات
المستفزة ضد المعارضين للمؤتمر وضد حماس تحديدًا، بل والاعتداء بالضرب
والتهديد بالسكاكين للمعارضين وتخزين الأسلحة البيضاء داخل السينما، وقد
تفجر الموقف بالفعل وحصلت أحداث مؤسفة سارعت «حماس» إلى تطويقها بإصدار
أوامر لأفرادها بالانسحاب حقنًا للدم الفلسطيني وادخارًا له، بينما استمر
الطرف الآخر بتصعيد الموقف حتى إن أحد الحراس الشخصيين لفيصل الحسيني
قام بإطلاق النار من مسدسه المرخص! مما زاد في تسخين الموقف بسبب نجاة أحد
الحضور من إطلاق النار إذ ذاك بصعوبة.
وفي اليوم التالي استمر بعض المشبوهين بتوتير الأجواء وقاموا
باقتراف جريمة نكراء في اغتيال المجاهد جبر الضميري أحد شباب المساجد
وأحد نشيطي حماس في المنطقة وذلك عقب خروجه من المسجد بعد أداء الصلاة
ومن دون أي سبب يذكر، وقد قام بالعملية أحد المشبوهين المنتسبين لفتح ويدعى أمجد
عوفي، هذه الجريمة وما سبقها من ممارسات أدت إلى انتشار مشاعر السخط
والاستياء والاستنكار العام في صفوف جماهير الشعب ونددت بأن تراق قطرة دم
واحدة على مذبح التفاوض والتفريط.
ومن الجدير بالذكر هنا أن «حماس» قد نعت شهيدها ونددت بالقتلة،
وقالت في بيان صدر التوضيح الحقيقة في أوائل الشهر الجاري إننا ندعو
كافة الاتجاهات إلى احترام القيمة الوطنية في التعامل واحترام الآخرين ومواقفهم
والكف عن محاولات محاصرة ومصادرة الرأي الآخر وتحريم الاقتتال والاغتيال
السياسي والأخذ على يدي المجرمين المستهترين بدماء أبناء شعبنا.
3- الملمح الثالث
للموقف الشعبي:
هو ردة الفعل الجماهيرية العارمة على قرارات الإبعاد والتي تتلخص في
مطالبة الوفد الفلسطيني بالانسحاب من المفاوضات والعودة إلى حقوق الشعب
وكانت قرارات الإبعاد التي طالت اثني عشر مناضلا من حماس وفتح والجبهة
الشعبية قد صدرت بدعوى مقتل مستوطن صهيوني بالرصاص قرب دير البلح في
قطاع غزة يوم 2/1/92، وقد علقت الدراسة في الجامعة الإسلامية في غزة يوم 4/1
احتجاجًا على قرارات الإبعاد وعم الإضراب الشامل كامل القطاع في نفس اليوم
واندفع المئات من الشباب إلى الشوارع واشتبكوا بالحجارة مع قوات ضخمة ومعززة من
الجنود "الإسرائيليين" وكان الهتاف الذي يردده الجميع أثناء
المواجهات «الله أكبر» وقد أسفرت المواجهات عن اعتقال أربعة شباب من المتظاهرين.
الذين أبعدوا من «حماس»، من الاثني عشر هم خطيبا مساجد في جباليا
وخان يونس من القطاع، وهما الشيخ خضر محجز من مواليد 1952
خطيب مسجد في جباليا، والشيخ أحمد نمر حمدان -إمام وخطيب
مسجد في خان يونس، وهما من الخطباء المشهورين في القطاع والذين يحظون
بقاعدة شعبية عريضة.
الوفد المفاوض متردد
انعكاسات الموقف الشعبي الفلسطيني ظهرت جلية على تصرفات وقرارات
الوفد المفاوض الذي وجد نفسه مضطرًا لتأجيل موعد سفره لواشنطن لحضور الجولة
الثالثة كنوع من التعبير عن التضامن مع المبعدين، فبين الموقف الشعبي
الصارم وبين الفشل الذريع المتوقع يقف الوفد الفلسطيني حائرًا ومطاردًا من قبل الوعود
التي قطعها رئيسه على نفسه حيدر عبدالشافي الذي قال إنه سينسحب إذا لم تتوقف
عمليات الاستيطان التي ازدادت وتائرها وخصصت لها ميزانية الدولة الصهيونية
التي أقرت قبل أيام مبالغ هائلة.. فإلى أين يسير الوفد وما هي النهاية التراجيدية
التي تنتظره؟