العنوان الشعر الإسلامي المعاصر بين التحدي والثورة
الكاتب محمد هدى قاطرجي
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أكتوبر-1978
مشاهدات 134
نشر في العدد 417
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 24-أكتوبر-1978
تصبغ الشعر الإسلامي الحديث ألواناً كثيرة من التحدي والثورة، وهذان لونان يكادان ينسحبان على كل شاعر مسلم في هذا العصر، وأراني لا أجد تفسيرًا لذلك إلا بالصراع المستمر بين العقيدة الإسلامية وخصومها من أصحاب المبادئ الهادمة، أو الطواغيت المستبدين الذين يعبرون عن حرب العقيدة بحرب رجالها ودعاتها والمعتصمين بها. ولما كان الشاعر المسلم لا يحيد عن عقيدته قيد شعرة، فلا شك في أن المصراع بين الحق والباطل سيشمله، لتكون الكلمة المحمولة في إطار العروض والقافية هي سلاحه في حربه الإعلامية التي يخوضها إلى جانب ضروب الجهاد العملية الأخرى. وإذا كان عدو العقيدة يحاول قص أجنحة دعاتها في بوابات المسجون السوداء، وفنون التعذيب الوحشية، فإن هذا السلوك الحاقد لا يزيد المسلم إلا إصرارًا وتصميمًا وحقدًا على حزب الشيطان، وهذا قمة في تحدي الباطل وزيفه ودعاواه. فلن يكون السجن للشاعر إلا القاعدة التي سينطلق منها إلى معترك الجهاد العقائدي الحي، وفي قصيدة الأستاذ وليد الأعظمي صدى الكفاح ما ينبض بهذه الحقيقة المصممة وهذا التحدي الذي يسعى إلى الشهادة والنصر، يقول:
ستنفض عنا غبار السجون
ونشرق كالبدر وسط المدجون
ونصعق حزب الهوى والمجون
إذا ما تراعت دماء الشهيد
نرى إذا تزامن القيد وهو بعض مناكب الشاعر المسلم، هل ينفك عن تحديه؟ وهل يأخذه السأم وطول الانتظار؟ وهل ترهقه أهوال الظلمة الجائرين من أولي الأمر الذين خرجوا عن جادة الحق؟ لا، أن أمل النصر على العدو هو الذي لا ينفك يداعب مخيلة صاحب العقيدة الإسلامية، أن سيد قطب رحمه الله يعبر عن حقيقة التصميم والثقة بنصر الله، يقول:
أخي، إنني ما سلمت الكفاح
ولا أنا ألقيت عني السلاح
وإن طوقتني جيوش الظلام
فإني على ثقة بالصباح
أما إذا كان السجن هو الأداة الحاكمة التي تستوعب مشاعر التحدي الإسلامية وتذيبها - كما يظن- سلاطين السجون، فإن تصور الشاعر المسلم يختلف مع صاحب السجن في فاعلية هذه الأداة، ذلك أن تصور العقيدة المتمثل في الشاعر المسلم يختلف مع رجال الباطل في حقائق الأمور. أن السجن والتعذيب والقهر إنما هو التكريس المتين الذي تتجلى فيه صلابة النفوس المسلمة، فتصيح بأعلى صوتها من وراء الجدران السميكة والقضبان المقفلة: حي على الجهاد، وهذا التكريس المتين الذي خلفته القاعدة الإيمانية في شخصية الشاعر الإسلامي إنما هو فلسفة خاصة في فهم المسلم للسجن والسجان، بحيث يصبح السجن هو مصنع الثورة والتحدي والحقد، وهو المنطلق الذي ينطلق منه الشاعر المسلم بعد تحطيم جدرانه وكسر قضبانه على رأس النخاس. وفي مقطع -صفارة الإنذار من ديوان الشاعر محمد الحسناوي في غيابة الجب- تجد هذه الرؤية الإيمانية الصلبة تصرخ بأعلى صوتها:
من جُبنا
من حقدنا
من ألف ألف مخلب في كفنا
سننقب الجدران
سنملأ الأسواق
ونفجأ النخاس والقرصان
إن هذا النوع من التحدي لا يجده الدارس في مواقف اللادينيين من الشيوعيين والملاحدة، الذين ضمهم السجن خلال صراعهم المادي مع أمثالهم من أهل الباطل، ذلك أن هذا اللون لا يوجد إلا لدى أصحاب العقيدة الإسلامية المؤمنين أن طريق القبر هو أحد طريقين محتمين على المسلم الذي يسعده أن يسعى إلى الشهادة في سبيل الله.
وإذا سئل الشاعر المسلم عن السبب الداعي إلى هذا النوع من التحدي، فإن جوابه سيكون مشحونًا بالتحدي، وسوف يبين أن استعلاء العقيدة الإسلامية في نفوس المسلمين هو سبب التحدي ودافعه، فالمسلم لا يرضيه أن يركع لفراعنة الأرض، لأن عقيدته رفضت الأوثان منذ أن وُلدت في نفسه، ومنهاج الله الذي يتمسك به كل الشعراء الإسلاميين هو الدافع إلى تحدي المناهج الأخرى وتحدي أصحابها، أولئك الذين اعتدوا على حق الله، ومن ثم فإن الحرب واقعة بين المسلم والمعتدين. ولعلنا نرى أبعاد التحدي المنبثقة من الصراع بين المنهج الإسلامي والمناهج الوضعية، التي نصبت من البشر آلهة وأوثانًا منحتهم حق التشريع، في أبيات الشاعر الإسلامي الثائر الأستاذ محمد مثلًا، غزيل التي ضمنها قصيدته -الله والطاغوت- يقول:
منهاجنا الدين والتوحيد صبغته
والعدل شرعته الكبرى ومبناه
هيهات ترضى بآلهة عقيدته
والحق خالصه فيها وأبقاه
يا أيها الفجر لن تقوى على رشد
في عمق أعماقنا الفرقان
أمانة غدًا نخوض الوغى تترى كتائبنا
ويزهق الباطل الباغي دعاواه
غدًا سيطوى الهدى طغيان قيصره
وتنطفي بالهدى نيران كسراه
وينظر الشاعر المسلم إلى هذه الحياة التي تعيش في أشكال الانفصام الكامل بين ما أراده الله وما أراده المشرعون الوضعيون، فلا يرى إلا الصراع هو المائل في جنبات الحياة كلها. إذًا فلا بد من خوض الشاعر المسلم لهذه الحرب، وهنا يتفاعل الشاعر عبد الله عيسى السلامة بفوز المسلم في معركته مع الباطل، ويدعو إلى كيفية خوض غمار هذه الحرب، فقد أعد أصحاب الباطل عدتهم، إلا أن التحرر سيكون لهم مصيرًا ونهاية.
إن الحياة سعير حرب مرة
بين الهدى وشرائع الأحلاف
فانظر أخا الصلصال كيف تخوضها
فالنقع أريد والرياح سواف
والحق يبرق في الدجنة سيفه
والخزي فوق جماجم الأحلاف
أما هوية الثورة الإسلامية التي يسعى إليها الشاعر المسلم، فهي تلك الهوية التي حددتها عقيدة الجماعات الحزبية واللادينية، التي تحدد هوياتها بالاندفاع نحو السلطان والملك الأرضي، فإن الثورة التي يسعى إليها الشاعر الإسلامي لا تبتغي سوى الله في حركتها، إنها ثورة تحت راية معلومة هي راية الجهاد الإسلامي وراية التوحيد الإلهي التي لا يرضى المسلم راية غيرها. ولذلك، فليس من الغريب أن يقدم المسلم عمره وحياته ودنياه ضحية تحت سلطان هذه الراية الإلهية، وهنا يعلن الشاعر المسلم ثورته العاصفة، لا يهمه قيد ولا يضنيه ألم، ولا يثني عزيمته شيء، يقول الأستاذ نجيب الكيلاني في قصيدته مدرسة الرعب:
أخي فلنمض عاصفة، ونغز الأرض طوفانًا
أخي، فالنمشِ فوق الشوك والآلام فرسانًا
ونحمل راية التوحيد للثوار عنوانًا
وندفع عمرنا الدامع للرحمن قربانًا
لكن، هل يقيد مفهوم الشاعر الإسلامي في ثورته سبب عنصري أو دعوة إقليمية أو مفهوم قومي؟ لا، إن المسلم الذي يعتبر الأرض كلها ملكًا له، لا ينسى أن أخوة الإسلام هي الرابط الأعلى بينه وبين إخوته المسلمين في كافة أنحاء الأرض، ولا ينسى أيضًا أن الجهاد الذي يؤمن به سبيلًا إلى التحرير والثورة على الباطل هو نفسه الجهاد الذي يؤمن به كل مسلم على وجه هذه الأرض، سواء أكان عربيًا أم لم يكن. ولعل دعوات التحرير المشوهة التي تتردد على ألسنة الكثيرين من ادعياء الثورة إنما هي باعتبار الشاعر المسلم دعوات وثنية، تهدم الحدود الجغرافية، ونادت بالخضوع لسلطان المفاهيم العنصرية التي رفضها الإسلام من أول يوم وُلد فيه. وهنا نجد الشاعر عبد الله عيسى السلامة يطرح مفهومه الشمولي للثورة الإسلامية، ذلك المفهوم النابع من العقيدة الواضحة والإيمان الصحيح، فهو سيخوض حربه في كل أصقاع الأرض، لا تقف دونه الحدود ولا تمنعه الموانع والسدود. يقول في قصيدته ساحة المجد:
سأخوضها هوجاء تجتاح الدنا
لو لم يكن في ساحها إلا أنا
سأخوضها والفجر يطفح بالشذا
وأخوضها والأفق يلعب بالسنا
سأخوضها عربية هندية
والأسد تزار من هناك ومن هنا
روسية تركية صينية
ذل المحال بها فاضحي ممكنًا
حبشية كورية جاوية
لا يعبد الإنسان فيها موطنا
يشتد في الأمريكيتين لهيبها
ويهز باريس الدوي ولندنًا
سأخوضها في الكون إسلامية
تتمزق الأسماء فيها والمكنى
هذا هو المفهوم الشامل للثورة الإسلامية التي يسعى إليها الشاعر المسلم، وهو مملوء بالتحدي، ومشحون بالحقد على كل غاصب لأرض وحق، وعلى كل طاغوت وقرصان ونخاس باع الأمانة وتولى الباطل، وسوف يظل الشاعر الإسلامي يعيش بين التحدي والثورة إلى أن يحقق أمنية غالية طالما داعبت أجفانه وعاشت في وجدانه، أو يرث الله الأرض وما عليها، أما أن تكون هناك هدنة بينه وبين الغوغائية في جاهلية هذا القرن، فهذا ما لا يجد سبيله إلى قلب المؤمن أبدًا، فالجاهلية المطبوعة على الغدر والخسة والخيانة ليست أهلًا لمهادنة المؤمن، لأن وجودها في حد ذاته هو الحرب المعلنة المستمرة على كل المؤمنين الذين يقولون على لسان عبد الله عيسى السلامة:
لا تعط جيش الجاهلية مدنية
فالجاهلية لا تهادن مؤمنًا