العنوان الشهباء تُودِّع واحدًا من خيرة أبنائها
الكاتب زهير سالم
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يناير-2000
مشاهدات 94
نشر في العدد 1383
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 04-يناير-2000
كاتب سوري
سلام عليك أبا عابد.
سلام عليك أيها المجاهد الصامت.
سلام عليك يا من لذت بالصمت،
وعملت بصمت، وحببت إلى غيرك الصمت.
سلام عليك، من إخوة درب ما زالوا ينتظرون يسألون الله الثبات على الأمر، والعزيمة على الرشد، تملأ أعينهم الدمعة وتفجع قلوبهم اللوعة، ولا يقولون إلا ما يرضي ربهم إنا لله وإنا إليه راجعون، وإنا على فراقك يا أبا عابد لمحزونون.
سلام على الحكمة التي اختزنتها في قلبك وفكرك، فكانت تضبط حركتك إيقاعًا منظمًا، يبعد الوهن، ويسد المنافذ على الشيطان.
سلام على الحلم والأناة اللذين بهما أعليت في الشهباء البنيان، ما انبتت يومًا ولا أحببت المنبتين، ولا تسرعت ولا أحببت المتسرعين، ولا تلهفت على أمر من أمور الدنيا، ولا تعجلت شأنًا من شؤونها.
سلام عليك- أخي أمين يكن- شابًا يافعًا تفاصل برفق من أجل دعوتك أقرب الناس إليك، وتحتمل في سبيل ذلك ما تعجز عنه همم الرجال المجربين.
سلام عليك داعية نشطًا تتابع بنفسك كل صغير وكبير من أمور إخوانك وأمور دعوتك.
سلام عليك جبلًا شامخًا تصمد بإباء في أعماق الزنازين، وتحت سياط الجلادين، تحمي ببعض لحمك أسرار دعوتك، وتفدي بروحك إخوانك.. فما يحصل منك الطغاة -رغم قسوتهم- كثيرًا أو قليلًا.
سلام عليك وهم المفجوعين من أبناء دعوتك يسهر ليلك، ويضني نهارك، ويملأ عينيك بدموع تجدها -إن شاء الله- في ميزان حسناتك.
سلام عليك داعية، وسطًا، تقول التي هي أحسن، وتدعو للتي هي أحسن، وتدفع بالتي هي أحسن.
وبعد يا أبا عابد.. كيف كانت عاجل بشراك؟ وهل استطاعت الشهباء أن توقيك يوم وداعك بعض حقك؟
الشهباء التي خرجت بشيبها وشبابها، وبكل أطفالها لوداعك لأنك كنت بالنسبة إليها الرمز، وكانت الجماعة التي تمثل بالنسبة إليها الأمل.
ألم يقل إمام المحن الأول في تاريخ هذه الأمة الإمام أحمد، قولوا لأصحاب البدع: بيننا وبينكم الجنائز؟ ألم يقل أحد سلاطين الدنيا وقد أطل على جنازة العز بن عبد السلام -رحمه الله-: «الآن استقر لي ملك مصر، لو نازعني هذا الرجل الملك لنزعه مني؟».
ترى ماذا قالت جنازتك في حلب الشهباء يا أبا عابد؟
أما لإخوانك ولمحبيك، فقد قالت الكثير مما لا يدخل في إطار لغة، ولا يحيط به قلم بليغ.
أما للآخرين فماذا عساها تقول؟ هل قالت ما قالته جنازة العز بن عبد السلام لحاكم مصر؟ ولكن ربما يكون الفرق أن أبا عابد لم يكن فردًا، وإنما كان رمزًا، كان جماعة شارك في بنائها وإعلاء شأنها.
هل قالت لهم جنازة أبي عابد ما مكانة هذه الجماعة عند أبناء الشهباء، وما حجم الحب لهذه الدعوة؟ وما عمق الولاء لهذا الدين هل دعتهم جنازتك إلى مراجعة حساباتهم؟!
هل وضعت على رأس أولوياتهم أن يعيدوا تثبيت أقدامهم على أرض الوطن، وأن يتشابكوا مع أبنائه لأن الثبات على الأرض أقوى ألف مرة من التعلق بحبال الوهم سواء كانت أمريكية أو صهيونية.
هل وعظتهم جنازتك -وكفى بالموت واعظًا- وأنت تشيع بالقلوب والدموع، فتساءلوا بماذا غدًا سيعيشون؟!.
رحلت يا أبا عابد وفي صدرك أمل، وفي حلقك غصة، وفي نفسك إرادة، إرادة إشاعة الحب والخير والمعروف في ربوع وطنك وخرجت جماهير الشهباء أجمع لتبارك أملك، وتدعم إرادتك، وتدعم من خلالك إلى إشاعة الحب والخير والمعروف بين الناس.
فسلام عليك أبا عابد في الآخرين والأولين، وسلام عليك إلى يوم الدين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل