العنوان الشهيد الأعزل حسن البنا
الكاتب محمد عبدالله السلمان
تاريخ النشر السبت 12-فبراير-2005
مشاهدات 57
نشر في العدد 1638
نشر في الصفحة 34
السبت 12-فبراير-2005
في الذّكرى الأولى لاستشهاده كان كتابي «الإسلام حائر بين أهله» ، مهدى إلى روح الشيخ حسن البناء، وقام القلم السياسي بجمعه من الأسواق، وحققتْ معي النيابة، وبعد عدة جلسات في المحكمة تطوع خلالها بعض الإخوة المحامين، وكانتْ هناك لفتة كريمة من الأستاذ فهمي ناشد الذي كان ضمن هيئة الدفاع، تقرر الإفراج عن الكتاب وكان رئيس المحكمة الأستاذ عبد العزيز سليمان مدير جامعة عين شمس فيما بعد. ولم يكن عجيباً في بلد العجائب . أو المصائب . أن أُستدعى للتحقيق معي بشأن الكتاب عام ١٩٦٥م من معتقل مزرعة طُرة، والحديد في يدي برغم حكم المحكمة الذي مضى عليه خمسة عشر عاماً، مدة التّقادم بالنسبة للأحكام الخاصة بالجريمة، ولكن لا قيمة للقانون في نظام همايوني يخرج لسانه للقانون !!
. وفي عام ١٩٥٤م انتهيتُ من كتابي : الشهيد الأعزل، وفي ليلة السابع من أكتوبر قررتُ أن أدفع الكتاب إلى المطبعة، وفي جوف اللّيل كان زوار الفجر يطرقون علي الباب، وحملوا معهم ما حملوا وساقوني إلى الباستيل الناصري – السجن الحربي - مكبّلاً بالأغلال، وأُفرِج عني بعد بضعة عشر شهراً، ولمْ أهنأْ بالإفراج مع ضياع نسخة الكتاب الوحيدة .
عندما فكرتُ لأول مرة في الكتابة عن الإمام الشهيد كتابة مباشرة أحسسْتُ بالرهبة: «حسن البنا الرجل والفكرة» تذكرتُ ما ذكره لنا ونحن خلف الأسوار الأخ محمد عبد الحميد أحمد المدرس الثانوي من أنه . وهو على أبواب دخول الجامعة سأل العلامة الشيخ طنطاوي جوهري، وكان صديقاً لوالده عن هيئة إسلامية يعمل بها فقال له: عليكَ بجماعة الإخوان المسلمين فإنّ مرشدها يجمع بين شجاعة عليّ وذكاء معاوية.
. وكان بين يدي كتيب يحمل عنوان الرجل القرآني دراسة موجزة للكاتب الأمريكي روبير جاكسون، بدأها بقوله : في فبراير ١٩٤٦م كنت في زيارة للقاهرة، وقد رأيت أن أقابل الرجل الذي يتبعه نصف مليون شخص، وكتبتُ في النيويورك كرونيكل بالنص: «زرت هذا الأسبوع رجلاً قد يصبح من أبرز الرجال في التاريخ المعاصر.. وقد يختفي اسمه إذا كانت الحوادث أكبر منه ذلك هو الشيخ حسن البنا زعيم الإخوان» .
. هذا ما كتبته منذ خمس سنوات.. وقد صدّقتْني الأحداث فيما ذهبتُ إليه .. فقد ذهب الرجل مبكراً وكان أمل الشّرق في صراعه مع المستعمر.. وأنا أفهم جيداً أنّ الشرق يطمح إلى مصلح يضم صفوفه، ويرد له كيانه . غير أنّه في اليوم الذي باتَ فيه مثل هذا الأمل قاب قوسين أو أدنى، انتهت حياة الرجل على وضع غير مألوف وبطريقة شاذة.!
وفي أسى مرير يقول: هكذا الشرق لا يستطيع أن يحتفظ طويلاً بالكنز الذي يقع في يده .. لقد لفتَ هذا الرجل نظري بصورته الفذّة، عندما كنت أزور القاهرة بعد أنْ التقيت طائفة كبرى من زعماء مصر ورؤساء الأحزاب فيها ...
.. أقول: هذا رأي كاتب أمريكي غير عربي وغير مسلم، نضعه أمام الأقلام، بل والألسنة المتدنية التي نالتْ من الرجل في حياته وبعد رحيله، ومثل هذه الأقلام والألسنة، لا يساوي حملتها وأصحابها التراب الذي كان يمشي عليه.
وفي أسى مرير - أيضاً - قال جاكسون.
كنت أتوقع أن يجيء اليوم الذي يسيطر فيه هذا الرجل على الزعامة الشعبية لا في مصر وحدها بل في الشرق كله.
ولا أعتقدُ أنّ الكاتب قد غاب عنه أنّ الرجل كان مثار قلق مؤرق للقصر والأنظمة الحزبية والاستعمار في المقدمة، الذي كان له دور في حل الجماعة عام ١٩٤٨م، وخاصةً أنّ الجميع كانوا موقنين بخطورة الجماعة على وجودهم السياسيّ بعد أن ذهب المئات من شبابها إلى فلسطين لقتال اليهود، وأثبتتْ الجماعة أن مبادئها ليستْ مجرد شعارات جوفاء لمجرد الاستهلاك، وهي تردد: «الجهاد سبيلنا .. والموت في سبيل الله أسمى أمانينا
. وقد صدقتْ نبوءة الكاتب :
كان لابد أن يموت هذا الرجل الذي صنع التاريخ وحوّل مجرى الطريق شهيداً .. كما مات عمر وعليّ والحسين... فقد كان الرجل يقتفي خطواتهم.
وفي الثاني عشر من فبرير عام ١٩٤٩م اغتِيل بطريقة تجاوزت في كل حدود الدناءة والخسّة والنذالة.
كانت حكومة الباشا إبراهيم عبد الهادي بإذن من القصر الملكي، هي التي دبرتْ المؤامرة وقامتْ بتنفيذها بعد. إطلاق الرصاص عليه أمام جمعية الشبّان المسلمين ليلاً، لم ينتظر سيارة الإسعاف، بل سعى إليها لتحمله إلى القصر العيني، وفيه تُركتْ دماؤه تنزف إلى أنْ فاضتْ روحه إلى بارئها، ولتُزفّ البشرى إلى الملك فاروق هدية إليه في ذكرى ميلاده.
وأشار الكاتب الأمريكي إلى أنّ الغرب لم يكن يقف مكتوفاً أمام مثل هذا الرجل... الذي أعطى كلمة الإسلام وأعلاها على نحو جديد .. وكشف لرجل الشارع حقيقة وجوده ومصيره.. وجمع الناس على كلمة الله وخفتت بدعوته ربح التغريب، والجنس، ونزعات القومية الضيقة، وكما أثار الكاتب «درت» حكومة لفتة ذات أهميةٍ استطاع حسن البنا أن يؤلف بين طائفة ضخمة من الأتباع بسحر حديثه، وجمال منطقه وروعة بيانه، فتنصرف هذه المجموعة الضخمة من حول الأحزاب والجماعات والطرق الصوفية، وتنضوي تحت لوائه وتطمئن له وتثق به.
وكان لابد أن يكون هذا مثار حسد الناس له ومثار حقد بعض ذوي الرأي، كما كان طبيعياً أن يتنكر له بعض الناس، وأن يذيعوا عنه المرجفات، فليس أشدّ وقعاً في نفوسهم من أن يسلبهم أحد سلطاناً كان لهم، وليس أبعد أثراً في نفوسهم من أن يَجيء رجل من صميم الشعب ليجمع الناس حوله باسم القرآن.
وأخيراً ... وليس آخراً :
فأقول: كم أحس بالرهبة وأنا أمسك بالقلم لأكتب عن الإمام الشهيد الأعزل إلّا من إيمانه بربه، وثقته فيه . جل شأنه . وأنَّى لقلم متواضع أن يُلمَّ بكل جوانب هذه الشخصية الفذّة، بل إنّ الإلمام بجانب واحد يعتبر نجاحاً له ولا جدال في أنّ الرجل ترك مكانه شاغراً، ولو عاش حافظ إبراهيم - شاعر النيل - ورأى نهاية الرجل لقال ما قال في الإمام محمد عبده . بعد رحيله
رفعنا إلى الأيام بعـدكراحنا فردت إلى أعطافنا صفرات
حسبنا هذه الكلمات على لسان جاكسون: قد حرّر حسن البنا نفسه من مغريات المجد الناقص، ومفاتن النجاح المبتور، ومثل هذا التحرر في نظر امرسون غاية البطولة، ولذلك فلم يكن عجيباً أن يقضى الرّجل على هذه الصّورة العجيبة، فكان فيها كشأنه دائماً غير مسبوق، وخِيلَ إليَّ بعد أن انطوتْ حياة هذا الرجل على هذه الصورة العجيبة وثار حولها ذلك الغبار الكثيف، أنّ وقتاً طويلاً يجب أن يمُرّ قبل أن يقول التاريخ الحق كلمته، ويروي المؤرّخ النزيه قصته !!
الشّهيد الأعزل
دبرتْ حكومة الإرهاب المنحلّة اغتياله وفي مساء السبت ١٢ فبراير سنة ١٩٤٩م، وأمام دار للشبّان المسلمين.. صوبتْ إليه يدٌ أثيمة وتحت حراسة رجال مسؤولين عن الأمن وقتئذ بضع رصاصات.. فسالت دماؤه الزكية تسطّر للمجرمين صفحات من الخزي، وتعيد مأساة الحسين، وفي جوف الليل فاضتْ روحه الطّاهرة تشكو إلى بارئها بغيَهم وعدوَانهم، أولئك الذين بطعنهم الشهيد الأعزل طعنوا الإسلام في صدره، ونكسوا بأيديهم رايته متدرعين بقوى البغي مستترين بظلمات الاستبداد !!
لقد ذهب الإمام الشّهيد حسن البناء إلى ربه، والجُناة الآثمون يمرحون في الأرض طَلقاء، وقد فاتَهم أنّ العدل إذا اختفى في الأرض فلن يختفي في السماء، وأنّ ميزان الحق إذا اختلّ في الدنيا فلن يختلّ في الآخرة، يوم يضع الله الموازين القِسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً.
وحسبنا الله ونعم الوكيل !!
والله أكبر ولله الحمد القاهرة في ١٢ فبرير ١٩٥٠م السمان
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل