العنوان الشيخ الأنصاري. أمة في فرد
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-1989
مشاهدات 78
نشر في العدد 940
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 07-نوفمبر-1989
الحزن على الشيخ
عبدالله الأنصاري حزن على ثروة من الخلق والعلم والفضائل والتجارب.
كثير أولئك
الذين نفقدهم ولكن لا يؤدي فقدهم إلى فراغ في الحياة، مثل الفراغ الذي سيخلفه
الشيخ عبدالله الأنصاري.
فما كان قيس
هلكه هلك واحد *** ولكنه بنيان قوم تهدما
وإيماننا بيقين
الموت ونهاية الحياة لا يستطيعان أن يمنعا عنا دموع الحزن، وألم الفراق على شخص
كان بالأمس بيننا ملء السمع والبصر، يفيض علينا من روح السماحة والمحبة ودماثة
الأخلاق وكرم السجايا، ونور العلم، فقد حرص على أن يكون كل ذلك، وأن يكون واسطة
خير، وأن يستخدم مكانته وجاهه ونفوذه من أجل نشر العلم وفعل الخير، وقد وجد
التجاوب من الدولة وأميرها وولي عهده لتحقيق الهدف السامي في نشر الثقافة
الإسلامية وتعميم الكتاب الإسلامي، إذ لا تكاد مدينة في العالم الإسلامي إلا وفيها
هدايا دولة قطر من الكتب واسم الشيخ عبدالله الأنصاري عليها، مهداة من دولة قطر
لكل طالب علم، فهو الساعي في هذا الخير، ولا تسمع إلا عرفانًا بالجميل، وشكرًا
ودعاءً من أولئك الذين انتفعوا بهذه الكتب، كل ذلك من غير مقابل ولا منة. وإلى
جانب هذا لا يألو جهدًا في مساعدة إخوانه المسلمين في كل مكان، وما سفراته ورحلاته
في العالم الإسلامي إلا من أجل خدمة الإسلام والمسلمين، وتقديم ما يستطيعه من دعم
مادي ومعنوي لمختلف المشاريع الإسلامية، وقد عرف بغيرته الدينية وأمره بالمعروف
ونهيه عن المنكر واهتمامه بالقرآن الكريم، فيتدارسه في بيته وفي المسجد مع أهل
التلاوة ليعلم الناس كيف يقرأون القرآن، ويشجع الطلاب والطالبات، والكبار والصغار
من أجل حفظ القرآن، فإذا جاء رمضان تضاعفت أعباء الشيخ في الوعظ والإرشاد
والعبادة، إنه جماعة في واحد، أمة في فرد، همة عالية ونشاط متواصل كبرت همته
فأثقلت على جسمه وشيخوخته.
وإذا كانت
النفوس كبارًا *** تعبت في مرادها الأجسام
إنه عندما تخلو
الساحة من أمثال هؤلاء الرجال ولم يكن هناك من يعمل أو يسخر ما عنده من إمكانيات
في سبيل أمته ودينه، ويقدم للناس النصح، ويساعد الضعفاء والفقراء، وأهل الحاجة
تصاب الأمة باليأس، والأوطان بالعجز والعقم فتحل الكوارث، ولولا المصلحون، وأهل
النخوة والتضحية ما قامت حضارات، ولا انتصرت شعوب، فالهمة جناح الحظ، ولا تدور رحى
المجد إلا بقطب الهمة، وقيمة كل امرئ همته وقد قيل:
حاول جسيمات
الأمور ولا تقل *** إن المحامد والعلا أرزاق
وأرغب بنفسك أن
تكون مقصرًا *** عن غاية فيها الطلاب سباق
وما المرء إلا
حيث يجعل نفسه *** ففي صالح الأخلاق نفسك فاجعل
لقد جعل الشيخ
عبدالله نفسه في صالح الأخلاق فحاز حب الناس وتقديرهم، فأنت عندما تحل في أي بلد
إسلامي، ويعرف أنك قادم من قطر إلا ويسألك أهل الخير والفضل فيها عن الشيخ عبدالله
الأنصاري الذي يحبونه ويُكنون له كل الاحترام والإجلال، فيزيد بذلك تقديرك وحبك
للرجل، وتسمو مكانته ويجل في نظرك ما يقدمه لوطنه وأمته، وتشعر أنه وجه مشرق تفتخر
به. ونحن إذ نبكيه إنما نبكي همم الرجال وعزمهم وتصميمهم على بلوغ الغايات
الشريفة، ونبكي الوفاء والشهامة والمروءة ومكارم الأخلاق في عصر قل فيه أهل الوفاء
والشهامة والمروءة وذوو المكارم والأخلاق.
أبكيه ثم أقول
معتذرًا له *** وفقت حين تركت الأم دار
جاورت أعدائي
وجاور ربه *** شتان بين جواره وجواري
وأكثر ما أكسب
الشيخ حب الناس وودهم تواضعه الجم، وقد قيل لبعضهم ما التواضع؟ قال: أخلاق المجد
واكتساب الود، فقيل ما الكبر؟ قال: اكتساب البغض، وقالوا: التواضع إحدى مصائد
الشرف، ومن لم يتضع عند نفسه لم يرتفع عند غيره، فالشيخ من أولئك الذين يخفضون
الجناح لإخوانهم، وقد أمر الله حبيبه ونبيه صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿وَاخْفِضْ
جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء:215).
ولا غرو أن
يقتدي رحمه الله بخير الخلق عليه الصلاة والسلام القائل: «إنكم لن تسعوا الناس
بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم». والقائل: «إن أحبكم إلي أحاسنكم أخلاقًا الموطئون
أكنافًا الذين يألفون ويؤلفون». وقيل لأحد الفلاسفة هل من جود يتناول الخلق؟ فقال:
نعم أن تُحسن الخلق وتنوي لكلّ الخير، وفي الأثر: «حرم الله النار على كل هين لين
سهل قريب».
لو أنني خيرت كل
فضيلة *** ما اخترت غير مكارم الأخلاق
فالشيخ فعلًا
كان في خُلقه هينًا لينًا وكان من أولئك الموطئين أكنافًا الذين يألفون ويؤلفون.
لقد فقد العالم الإسلامي بوفاة الشيخ عبدالله الأنصاري ركنًا من أركان الدعوة
الإسلامية وعالمًا من علماء الإسلام، ونصيرًا عظيمًا من أنصار الجهاد الإسلامي.
ولم يكن الشيخ الأنصاري علمًا على شخص إنما كان علمًا على ثروة ضخمة من الفضائل
والعلم والأدب، وأنه لو تُذكر في حياته من يبكي عليه لوجد الباكين عليه لا يُحصون،
ووجد العلم والكتب أشدهم بكاءً عليه، وليس كذلك العالم الذي قال في حياته:
تذكرت من يبكي
علي فلم أجد *** سوى كتب تُختان بعدي أو علم
إن الشيخ
الأنصاري ستبكيه الكتب، وسيبكيه العلم، وستبكيه الأخلاق جميعها، وسيبكيه أهل العلم
والخير، وسيبكيه المسلمون في آسيا وأفريقيا وفي كل مكان سيبكيه الفقراء وطلبة
العلم وأهل الحاجات في كل أوطان المسلمين، سيبكيه المجاهدون المسلمون على خطوط
النار في فلسطين وفي أفغانستان والفلبين وإرتيريا، واللاجئون في مخيماتهم
وملاجئهم، ستبكيه قاعات المؤتمرات الإسلامية التي طالما جلجل فيها صوته بقول كلمة
الحق، لا يخاف في الله لومة لائم. إن الجماهير الغفيرة التي احتشدت للصلاة عليه في
المسجد الكبير، وضاق بهم المسجد على سعته ثم تلك الجموع الحاشدة التي خرجت تودعه
إلى مثواه الأخير جاءت من كل حدب وصوب في يوم مشهود لم يُسبق مثله في تاريخ قطر،
كل هذه الجموع جاءت تُعبر عن تقديرها وحبها للمعاني الجليلة التي يُمثلها الشيخ
عبدالله الأنصاري. إن هذه الجموع تُذكرنا بما رواه التاريخ لنا عن الجموع التي
احتشدت لتشييع جنازة الإمام أحمد بن حنبل في بغداد، وشيخ الإسلام ابن تيمية في
دمشق. ولقد تساءلت وأنا أشاهد تلك الجموع كيف لو تمكن من الحضور أولئك الذين
يعرفون فضل الشيخ وأياديه البيضاء من المسلمين في الهند والباكستان وبنغلاديش
وأفغانستان وكوريا والفلبين وفي بلدان أفريقيا، فهل ستسعهم هذه الساحات؟ إن دعوات
هؤلاء المسلمين بالرحمة والمغفرة للشيخ تكفيه رصيدًا عند ربه إذ لن يخلو أحد من
هؤلاء المسلمين أن يكون صاحب دعوة مستجابة. رحم الله الشيخ عبدالله بن إبراهيم
الأنصاري رحمة الأبرار وأسكنه دار القرار، وألهمنا جميعًا وأهله وأولاده ومحبيه
الصبر والسلوان، ونقول إذ نعزي فيه:
إني معزيك لا أني
على ثقة *** من الحياة ولكن سنة الدين
وإننا لا نملك
في هذه اللحظات إلا أن نُكرر دعاءنا له بالمغفرة والرحمة، وقد قلنا ما نعلمه عنه
ونحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدًا. تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جناته، ولا
نقول إلا ما قاله الصابرون إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل