; الشيخ بدر متولي يرد على تعليقات الزرقا | مجلة المجتمع

العنوان الشيخ بدر متولي يرد على تعليقات الزرقا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 09-فبراير-1982

مشاهدات 77

نشر في العدد 560

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 09-فبراير-1982

فقد اطلعت على ما نشر في مجلتكم رقم ٥٥٦ تحت عنوان «ملاحظات على فتوى الشيخ بدر المتولي» وإني أرحب بكل تعليق ونقد هداف لأن الحق أحق أن يتبع وأن البحث عن الحقيقة «دأب العلماء قديما وحديثا» وإني أقدر فضيلة الأستاذ الشيخ مصطفى الزرقا حق التقدير ولدي تعليق على تعليقه وهو:

أولا: إنه قد بنى اعتراضه على الجواب الأول عن السؤال الأول أنه ليس كل بضاعة مؤجلة تكون من قبيل السلم. ولبيان الحقيقة أورد نص الاستفتاء الذي أجبت عنه ونص إجاباتي:

السؤال: يقوم الوسيط ببيع بضاعة ما، لیست حاضرة دائما يضرب لها أجل قريب أو بعيد لتسليمها ويقدم المشتري جزءا من الثمن عند التعاقد ويدفع باقي الثمن عند حلول الأجل المضروب فبأي اسم يمكن تسمية هذا النوع من التصرفات.

وكان جوابي على هذا الاستفتاء كالآتي: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد: إن هذا النوع من التصرفات هو في الحقيقة نوع من السلم ولكنه غير صحيح وبيان ذلك أن جميع الفقهاء المسلمين اتفقوا على أنه إذا اشترط في عقد بيع السلم تأجيل الثمن كله أو بعضه يكون فاسدا لأنه يكون من قبيل بيع الكالي بالكالي وهو بيع الأجل بالأجل وهو منهي عنه، وقد أجاز الإمام مالك رضي الله عنه تأجيل دفع الثمن كله أو بعضه على أن لا يكون ذلك مشروطا في العقد.

وقد اختلف الأئمة الآخرون في ما لو أجل بعض الثمن وعجل بعضه من غير شرط هل يفسد العقد كله أو يصح فيما يقابل ما عجل من الثمن ولكن «حسبما سمعنا من الندوة المسجلة على الشريط» تبين أن التأجيل مشروط في نفس العقد وهذا ما أجمع الفقهاء على فساده إذا كان بهذه الصورة.

ومن الاستفتاء يتضح لنا أن السائل إنما يسأل عن مبيع معين بالنوع لا معين بالذات وواضح أيضا أن البورصات العالمية وغير العالمية لا تتعامل على بضاعة معينة بالذات بل على بضاعة معينة بالنوع وواضح أيضا من تعليق فضيلة الأستاذ مصطفى الزرقا أنه لا اعتراض له بالحكم على ما استفتيت فيه والمفتي غير مطالب بأن يتعرض لأمر لم يسأل عنه وكذلك لا يشك قارئ السؤال والجواب أن الأمر لا يتعلق إلا ما يجري في البورصات العالمية وغير العالمية ولعل هذا يكفي للتعليق على الشق الأول من تعليق فضيلة الأستاذ مصطفى الزرقا. وإذا كانت هناك حالات شاذة في بعض البورصات بأن تقوم ببيع بضاعة معينة بالذات فالحكم فيها كما أفتى به فضيلة الأستاذ مصطفى الزرقا. 

ثانيا: إن الاستفتاء الموجه إلي في هذه المسألة الثانية نصه كالآتي:

هل يجوز شرعا أن أبيع بضاعة السلم «المسلم فيه» لشخص آخر يحل محلي قبل أن أستلم البضاعة وتسلم هذه البضاعة له عوضا عني وربما يتكرر البيع بعد ذلك لأكثر من مشتر؟

وكان جوابي: إن بيع المسلم فيه قبل قبضه فلا نعلم في تحريمه خلافا. هكذا نقل عن المغني لابن قدامة وهو كتاب معتمد عند العلماء جميعا لصحة نقوله. والحكمة في ذلك أن مثل هذا التصرف مما يثقل كاهل المستهلكين لأن الصفقة إذا تداولتها الأيدي بالملك قبل الحيازة تتحمل أرباح كل بائع والذي يتحمل الجميع المستهلك دون غيره، وأيضا فإن هذا النوع من التصرف في الحقيقة من قبيل الربا لأنه يؤول إلى أنه بيع نقد بنقد متفاضلا وبيان ذلك أن المشتري الأول قد دفع نقدا ثم قبل أن يحوز البضاعة باعها بربح وهكذا فليس في المسألة إلا بيع الدراهم بالدراهم والدينار بالدينار متفاضلا وهو الربا وهذا ما فهمه ابن عباس رضي الله عنه في نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يقبض «يراجع نيل الأوطار جزء 5 ص ٢٥٦ – ٢٥٩».

وأما ما أشار إليه فضيلة الأستاذ مصطفى الزرقا من أنه كان ينبغي أن يفعل كما ورد في تعليقه المنشور بمجلتكم ونصه كالآتي «إن المسألة مفروضة فيما إذا أراد المشتري في السلم أن يبيع سلما أيضا ذات المال الذي كان اشتراه وأسلم فيه إلى بائعه قبل حلول أجله، لكي يحل المشتري الثاني محل الأول تجاه البائع الأول في تسلم المال المبيع في صفقة السلم الأولى، أي أن المشتري يريد أن يبيع من شخص آخر ذات حقه الذي له تجاه البائع الأول، ثم يبيع المشتري الثاني ذات المال الأول إلى مشتر ثالث وهكذا.. حتى إذا حل السلم الأول يكون المشتري الأخير هو صاحب حق القبض من البائع الأول.

وبما أن المبيع في السلم هو دين ثابت في ذمة البائع، وليس سلعة معينة بذاتها في الوجود الخارجي، تكون النتيجة من قبيل ورود بيوع متعاقبة على دين واحد. هذه هي الصورة غير الجائزة فقها في بيع المال المسلم فيه قبل قبضه عند حلول أجله أن يبيع سلما أيضا بضاعة من النوع الذي اشتراه وإلى الأجل نفسه أو أبعد منه قليلا، وهو يقصد أن يقبض ما اشتراه من بائعه في أجله، فيسلمه إلى المشتري منه، فهذا لا مانع منه شرعا، ولو تكررت هذه الصفقات السلمية من مشتر لآخر، ذلك لأن المبيع مستقل في كل صفقة عنه في الأخرى وليست الصفقات اللاحقة منصبة على حق المشتري الأول نفسه تجاه البائع الأول، وكل بائع فيها مسؤول بالتسليم تجاه المشتري منه مسؤولية مستقلة لا علاقة لها بما سيستحق هو قبضه من بائعه هذا الإيضاح أراه ضروريا لأني وجدت من الناس من يفهم أن المشتري في السلم لا يجوز له أن يبيع بصفقة مماثلة نظير ما اشتراه سلما قبل حلول أجل ما كان اشتراه، وقبضه إياه. وقد سئلت عن ذلك ممن توهموا هذا واستشكلوه حتى أوضحت لهم الموضع بهذا التفصيل فاطمأنوا فلكل تاجر أن يرتب عقوده والتزاماته بترتيب زمني يحسب فيه ما سوف يعطي بناء على ما سوف يأخذ بآجال متقاربة وهذا أساس في دوران دولاب التجارة فلنا يحسن هذا التنبيه والإيضاح في الفتوى الثانية المذكورة.

وبدهي إن الاستفتاء الموجه إلي كان عن جواز بيع العين المسلم فيها قبل قبضها وفضيلة الأستاذ مصطفى الزرقا معي في أن هذا بيع فاسد أما الصورة التي أوردها في تعليقه فهي ليست من قبل البيع الممنوع لأنها لم ترد على نفس العين المسلم فيها بل هو بيع سلم جديد لا بد أن يستوفي شروطه وأركانه المعروفة شرعا.

والحمد لله قد اتفق رأيي ورأيه على هذه المسألة، ولست مطالبا بأن أفتي عن أمر لم أسأل عنه ولكن أود أن أبين الخطر من البيوع الوهمية التي تقع في البورصات ويتحمل المستهلكون أعباءها ويجني أرباب الأموال المضاربون ثمرات جهد وعرق المستهلكين.

ثالثا: أما بالنسبة للسؤال الثالث فإن السؤال نصه كالآتي:

ا - هل يجوز تعيين وسيطا ويكون وكيلاً عن البائع والمشتري في نفس الوقت؟ 

ب - وهل يجوز أن يقوم هذا الوسيط بالشراء والبيع دون إعلام المشتري أو البائع عن الجهة التي اشترى منها أو الجهة التي باعها إليها، وهل يشترط أن يكون السعر المتفق عليه محددا من قبل أحد الطرفين وتكون هذه التعليمات المسبقة منهما؟

وكانت إجابتي عليه كالآتي:

1 - أجاز بعض الفقهاء أن الشخص الواحد يمكن أن يتولى طرفي العقد وتيسيرا على الناس لا بأس من الأخذ بهذا الرأي.

ب - الوكيل كالأصيل فيما فوض فيه. فإن كانت الوكالة عامة فتصرفاته عن الموكل نافذة عليه. وإن كانت خاصة فهو مقيد بما خصصت به الوكالة. فإن عين الأصيل جهة ما للشراء منها أو البيع لها أو حدد ثمناً للبيع أو الشراء أو حدد مكانا أو زمانا تقيد تصرف الوكيل في حدود هذه الوكالة، وإلا كان متصرفا لنفسه ولا ينفذ تصرفه على الموكل.

ويكفي عرض السؤال والجواب حتى يرى القارئ إن كان الجواب قاصرا يحتاج إلى استدراج! 

وإنني أرحب بكل تعليق ونقد يكون هدفه الوصول إلى الحقيقة فإن الحق هو هدف المسلم في كل وقت وحين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

بدر المتولي عبد الباسط

المستشار الشرعي لبيت التمويل الكويتي

الرابط المختصر :