العنوان الشيخ رشيد رضا.. ومعاركه مع العلمانية والصهيونية
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 31-مايو-2008
مشاهدات 75
نشر في العدد 1804
نشر في الصفحة 34
السبت 31-مايو-2008
- حدث لفكره وسلوكه تحول عظيم بعد قراءته لأعداد من مجلة العروة الوثقى التي كان يصدرها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده... فأصبح يرى الإسلام دينًا يوازن بين الدنيا والآخرة
هو السيد محمد رشيد علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين مثلا علي خليفة القلموني ( ١٢٨٢ - ١٣٥٤هـ. ١٨٦٥ - ١٩٣٥م)، نسبة إلى بلدته القلمون.... إحدى قرى نواحي طرابلس الشام... ولقد نزحت أسرته إلى «القلمون» من بغداد، فهو بغدادي الأصل، أما لقب السيد.. الذي اشتهر به، واعتز به. فلأن أسرته «شريفة»، يرتفع نسبها إلى الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما....
ولد رشيد رضا بقرية «القلمون»، في ٢٧ جمادى الأولى سنة ١٢٨۲هـ ١٨ أكتوبر سنة ١٨٦٥م.. والمشرق العربي خاضع للدولة العثمانية.. وطرابلس الشام ولاية من ولاياتها.
وفي المحيط المتدين للأسرة بدأ رشيد رضا يتلقى دروس تعليمه الأولى بقريته على عادة عصره، فحفظ القرآن الكريم وأخذ بأسباب التعليم التي تؤهله كي يكون عالمًا من علماء الإسلام.
وفي طرابلس. عاصمة الولاية. التحق بالمدرسة الوطنية الإسلامية... كما درس في بيروت وانتهى به المطاف، بعد أن درس علوم القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، واللغة العربية والفقه. إلى نيل شهادة العالمية من طرابلس، بعد أن حصل ما يشابه علوم الأزهر الشريف في مصر.
ولقد تتلمذ في تعليمه هذا على نفر من علماء سوريا وأدبائها البارزين مثل الشيخ حسين الجسر ( ١٣٦١ - ١٣٢٧هـ. ١٨٤٥ - ١٩٠٩م)، والشيخ عبد الغني الرافعي ( ١٣٣٦ - ١٣٠٨هـ. ۱۸۲۱ - ۱۸۹۱م).
ولقد كان تحصيله ثمرة لمنهج دراسته، يغلب عليه الطابع السلفي، الذي يهتم بالمنقول مع فضيلة التدقيق في الأسانيد دينية كانت علوم هذا المنقول، أو تاريخية....
ومن الكتب التي طبعت فكره ووجهت سلوكه. في المرحلة الأولى من حياته ، كتاب إحياء علوم الدين لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي (٤٥٠ - ٥٠٥ هـ. ١٠٥٨. ۱۱١١م)، فلقد مال به إلى الزهد، وسلكه في سلك الصوفية، فأصبح واحدًا من المريدين، في طريقة النقشبندية الصوفية الشهيرة...
واشتغل بالوعظ والإرشاد في قريته والقرى المجاورة لها، حتى لقد كانت نزهاته التي يروح بها عن نفسه في القرى المجاورة مجالًا لعظات يلقيها على الناس، مستعينًا بكتب المواعظ السلفية، من أمثال كتب الزواجر عن اقتراف الكبائر.
ولقد تهيأ له في هذه الفترة أن يتدرب على الخطابة الدينية فأجادها... كما طمح إلى الكتابة، فألف كتابًا عن الحكمة الشرعية... ونشر في إحدى الصحف مقالًا طويلًا عن الأخلاق وكيف أنها هي والوجدان مصدر عمل الإنسان... كذك صاغ بعض أفكاره شعرًا منظومًا.
ولقد تصادف أن ولت الدولة العثمانية على طرابلس متصرفًا، كان من أنصار الحرية، وهو حسن باشا سامي... وفي أحد الاجتماعات التي حضرها خطب الشيخ رشيد خطابًا تحدث فيه عن طبقات الأمة، حاكمين ومحكومين، وحبذا أن يكون العمل هو معيار التمايز بين الطبقات.. وهو فكر استاء منه البعض وخشي عليه أصدقاؤه مغبته... لكن المتصرف التركي أعجب به فعين الشيخ رشيد عقب ذلك عضوًا في شعبة المعارف بطرابلس!
وفي سنة ١٣١٠ هـ (۱۸۹۲). (۱۸۹۳م). وكان الشيخ رشيد في الثامنة والعشرين من عمره حدث لفكره وسلوكه تحول عظيم... فبينما هو يقلب الأوراق في محفوظات والده، إذ به يعثر على بعض أعداد مجلة العروة الوثقى التي أصدرها فيلسوف الإسلام وموقظ الشرق جمال الدين الأفغاني ( ١٢٥٤) ١٣١٤٠هـ. (۱۸۳۸ - ۱۸۹۷م) وتلميذه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ( ١٣٦٥ - ١٣٢٣هـ. ١٨٤٩ - ١٩٠٥م) من باريس سنة ١٨٨٤. لسان حال جمعية العروة الوثقى... والتي توقفت بعد ثمانية عشر عددًا....
فقرأ الشيخ رشيد هذه الأعداد التي أحدثت مقالاتها انقلابًا شاملًا في عقله ووجدانه.. فأخذ يبحث عن بقية أعداد المجلة فوجدها كاملة في مكتبة شيخه حسين الجسر فنسخها، وأكب على مطالعتها وفقهها مرات ومرات فتغيرت صورة الإسلام في فكره، ومن ثم تغيرات في صورة المسلم النموذجي، ورسالته في الحياة.. فلم يعد الإسلام هو زهد إحياء علوم الدين.... ولم يعد المسلم هو السلفي العاكف على إصلاح العقيدة وحدها.. وإنما تبدى له الإسلام -مع ذلك- الدين الذي يوازن بين الدين والدنيا. والفرد والمجموع.. والحضارة والشعائر... والتمدن وتطهير القلوب.. الإسلام المجاهد في سبيل إصلاح دنيا المسلمين، التي هي السبيل لإصلاح أخراهم وسعادتهم فيها!
ولقد تحدث الشيخ رشيد عن هذا الانقلاب اذي أحدثته مقالات العروة الوثقى في حياته - وهو لما يزل طالبًا للعلم في طرابلس.. فقال:
ثم إني رأيت في محفوظات والدي بعض نسخ العروة الوثقى، فكان كل ولد في بغداد عام ١٨٦٥م وحصل على العالمية من طرابلس وكان يغلب على دراسته الطابع السلفي الذي يهتم بالمنقول سواء كان دينيًا أو تاريخيًا عدد منها كسلك من الكهرباء، اتصل بي فأحدث في نفسي من الهزة والانفعال والحرارة والاشتغال ما قذف بي من طور إلى طور، ومن حال إلى حال.. كان الأثر الأعظم لتلك المقالات الإصلاحية الإسلامية ويليه تأثير المقالات السياسية في المسألة المصرية. والذي علمته من نفسي ومن غيري ومن التاريخ أنه لم يوجد لكلام عربي في هذا العصر ولا في قرون قبله بعض ما كان لها من إصابة موقع الوجدان من القلب، والإقناع من العقل، ولا حد للبلاغة إلا هذا....!!
لقد تعلم من العروة الوثقى، أن الإسلام ليس روحانيًا أخرويًا فقط، بل هو دين روحاني جسماني أخروي دنيوي من مقاصده هداية الإنسان إلى السيادة في الأرض بالحق، ليكون خليفة لله في تقرير المحبة والعدل!
وهو يمضي مصورًا معالم ذلك الانقلاب الذي حدث له فيقول:
ولقد أحدث لي هذا العهد الجديد في الإسلام رأيًا فوق الذي كنت أراه في إرشاد المسلمين. فقد كان همي قبل ذلك محصورًا في تصحيح عقائد المسلمين ونهيهم عن المحرمات، وحثهم على الطاعات، وتزهيدهم في الدنيا.. فتعلقت نفسي بعد ذلك بوجوب إرشاد المسلمين عامة إلى المدنية، والمحافظة على ملكهم، ومباراة الأمم العزيزة في العلوم والفنون والصناعات، وجميع مقومات الحياة فطفقت أستعد لذلك استعدادًا...
ومنذ ذلك التاريخ، وهذه التحولات في الفكر والتوجهات تاقت نفسه لإقامة الصلة بينه وبين جمال الدين الأفغاني. الذي كان يعيش يومئذ بالأستانة. والإمام محمد عبده. الذي كان قد عاد من منفاه إلى مصر.... فكتب الشيخ رشيد إلى الأفغاني كتابًا بليغًا امتلأت عباراته بشحنات الإكبار والإعجاب التمجيد.
ثم سنحت له الفرصة فلقي الشيخ محمد عبده مرتين لقاء عابرًا:
المرة الأولى: عندما ذهب الأستاذ الإمام الزيارة المدرسة الخاتونية بطرابلس.
والمرة الثانية: عند زيارته الطرابلس مصطافًا، وبصحبته القانوني المصري البارز أحمد فتحي باشا زغلول (۱۲۸۰ - ۱۳۳۲هـ. ١٨٦٣ - ١٩١٤م).
وفي هذين اللقائين عبر الشيخ رشيد للأستاذ الإمام عن إعجابه به وبالأفغاني، وعن تأثير العروة الوثقى في التحول الذي حدث له، وكيف انتقلت به من طور إلى طور فأخرجته من قوقعة التنسك الصوفي إلى رحاب الإسلام المصلح، على نحو ما صنع الأفغاني بالشيخ محمد عبده عندما تقابلا بمصر في مطلع سبعينيات القرن التاسع عشر!!
ولم يفكر الشيخ رشيد في السفر إلى الأستانة ليتتلمذ على الأفغاني.. فلقد كان يعلم أن المناخ هناك. من الناحية الفكرية. قاتل للإبداع والطموح.. وأن الأفغاني. في الأستانة.
امتدت حياته الثلاثة وثمانين عامًا.. خمسون منها امتلأت بالفكر والممارسة على طريق الإصلاح وخاصة منذ أن جاء إلى مصر عام ١٨٩٧ م وحتى وفاته عام ١٩٣٥م
في مارس ١٨٩٨ م أصدر جريدة المنار لتركز على الإصلاح الديني وربط الشريعة بالواقع وعقد مصالحة بين الدين والعلم
المنار ١٣١٥ مجلة شهرية تحت في فلسفة الدين وشؤون الاجتماع والعمران «تصدر في كل شهر عربي مرة» أنشأها السيد محمد السيد رضا
يحيط به من جواسيس السلطان أكثر مما يحيط به من التلاميذ!
• فلما توفي الأفغاني سنة 1314هـ - ۱۸۹۷م، توحدت وجهة الشيخ رشيد رضا، فنشأت لديه فكرة الهجرة إلى مصر، كي يتخذ من الشيخ محمد عبده أستاذًا له، وليكون موقعه منه كموقع محمد عبده من جمال الدين، فأخذ يعد عدته للسفر، فادخر من أجره عن تحرير «الحجج» والعقود، نفقات رحلته -كما يقول-... ثم تسلل إلى إحدى السفن الذاهبة إلى الإسكندرية، فوصلها مساء الجمعة ٨ رجب سنة ١٣١٥هـ أول ديسمبر سنة ۱۸۹۷م.. ومن الإسكندرية قام برحلة إلى «طنطا» «فالمنصورة»، «فدمياط» «فطنطا» -ثانية- ثم وصل القاهرة يوم السبت ۲۳ رجب سنة ١٣١٥هـ . ١٨ ديسمبر سنة ۱۸۹۷م... وفي اليوم التالي.. مباشرة ذهب لزيارة الأستاذ الإمام...
• وفي القاهرة وضع الشيخ رشيد قدمه على طريق تحقيق ما بنفسه من طموحات وآمال... ووفق عبارته: «فلقد كنت أعتقد أن استعدادي كله يبقى ضائعًا إذا بقيت في سوريا، وأنه لا يمكن أن يظهر هذا الاستعداد بالعمل إلا في مصر، لما فيها من الحرية المفقودة في البلاد العثمانية...».
• ولقد كانت عينه -وهو يفكر في تحقيق طموحاته المستقبلية، والدور الذي يتطلع إليه- على ذلك الحدث الذي هز كيانه، وحول اتجاهه، وهيأ له الاكتشاف الصادق لحقيقة الإسلام - حدث «العروة الوثقى»، فهو يريد إصدار مجلة تحل محل «العروة» وتواصل رسالتها.. وتحمل هذا الإسلام الشامل ورسالته الإصلاحية إلى عالم الإسلام والمسلمين.
وإذا كانت «العروة الوثقى» قد جاءت ثمرة لصحبة محمد عبده للأفغاني، وتتلمذه عليه وزمالته له.. فلتكن «المنار» وهي المجلة التي يطمح في إصدارها... هي العروة الوثقى الجديدة.. وليكن هو ترجمان أفكاره الأستاذ الإمام... فلابد للإصلاح من زعيم تثق به الأمة... وهو الآن محمد عبده، ولا بد لهذا الإصلاح من ترجمان، فليكن هو هذا الترجمان ولتكن «المنار» هي الامتداد الجديد والمتطور «العروة الوثقى».
• وفي لقائه بالأستاذ الإمام – في ٦ شعبان سنة ١٣١٥هـ - ٣١ ديسمبر سنة ۱۸۹۷م عرض عليه مشروعه -مشروع إصدار مجلة «المنار»- فباركه الأستاذ الإمام، بعد أن استوثق أن المجلة «ستبحث في موضوع مرض الأمة وضعفها، وفي معالجتها بالتربية والتعليم ونشر الأفكار الصحيحة المقاومة الجهل والأفكار الفاسدة التي فشت، كالجبر والخرافات».
وأن لدى صاحب المشروع -الشيخ رشيد- القدرة المالية على الإنفاق عليه عامًا أو عامين حتى يستقر ويجلب الأرباح التي تضمن له الاستمرار... وفي هذا اللقاء قال الأستاذ الإمام للشيخ رشيد:
إن كان هذا فهو حسن، وهذا أشرف الأعمال وأفضلها، وأنا إذا كنت على ثقة من مشرب هذه الجريدة فإني أساعدها بكل جهدي.
فأجابه الشيخ رشيد:
إني أعاهدكم على أن أكون معكم كالمريد مع أستاذه -على نحو مما يقول الصوفية- ولكني أحفظ لنفسي شيئًا واحدًا أخالفكم فيه، وهو أن أسأل عن حكمة ما لا أعقله، ولا أقبل إلا ما أفهمه، ولا أفعل إلا ما أعتقد فائدته.
فقال له الإمام:
هذا ضروري لا بد منه!
• وفي لقاء تال - في ٦ شعبان سنة ١٣١٥هـ ٦ يناير سنة ١٨٩٨ م . طلب الأستاذ الإمام من الشيخ رشيد:
1- ألا تتحيز الجريدة لحزب من الأحزاب.
٢- ولا يهتم بالرد على ذام أو منتقد.
٣- ولا تخدم أحدًا ممن يسميهم الناس كبراء... تستخدمهم نعم.. لكنها لا تكون في خدمتهم!
فوافق الشيخ رشيد على ما طلب الأستاذ الإمام.
• وفي ٢٢ شوال سنة ١٣١٥هـ - ١٧ مارس سنة ۱۸۹۸م، صدر العدد الأول من جريدة «المنار» لتواصل رسالة «العروة الوثقى» مع مراعاة الزمان والمكان والظروف والملابسات... ومع مراعاة تميز منهج الأستاذ الإمام في أولويات الإصلاح عن منهاج أستاذه الأفغاني في هذه الأولويات... صدرت المنار لتركز على الإصلاح الديني... وربط الشريعة بالواقع المتطور... وتطهير العقيدة من الخرافات.. وتحرير العقل من الجمود والتقليد.. وعقد المصالحة بين الدين والعلم.. والعقل والنقل.. والإسلام والتمدن.. إلخ.
ولقد بلغت -في ذلك- على امتداد عمرها، الذي امتد حتى وفاة الشيخ رشيد سنة ١٣٥٤هـ - سنة ١٩٣٥م، ما لم يبلغه منبر إسلامي شهدته الأمة في ذلك التاريخ... فكانت بحق ترجمان أفكار الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده.. أي المنار لأعظم تيارات التجديد الإسلامي في العصر الحديث، وكانت «المشكاة» التي أضاءت من خلالها أنوار العبقرية التجديدية للشيخ محمد عبده.. ولولاها لخبت في عقل هذا الرجل نيرانه وأنواره على حد سواء.
ففضل الشيخ رشيد يتعدى حدود التعبير عن حركة التجديد التي مثلها الإمام محمد عبده، إلى الإسهام في قدح زناد هذا الفكر المجدد للإمام، وتفجير ينابيعه، وتهيئة السبل والمناسبات وخلق الدواعي لاستمرار تدفقه... هذا إلى الإسهام الجاد والخلاق في هذا التجديد.. ثم -وهذا مهم جدًا- حمل هذا الفكر التجديدي والإصلاحي إلى سائر أنحاء العالم الإسلامي على امتداد ما يقرب من أربعين عامًا!
وعن مكانة الشيخ رشيد من فكر الأستاذ الإمام يقول الأستاذ:
«إن الله بعث إلى بهذا الشاب ليكون مددًا لحياتي، ومزيدًا في عمري، إن في نفسي أمورًا كثيرة، أريد أن أقولها أو أكتبها للأمة، وقد ابتليت بما يشغلني عنها ، وهو رشيد رضا، يقوم ببيانها الآن كما أعتقد وأريد، وإذا ذكرت له موضوعًا ليكتب فيه فإنه يكتبه كما أحب، ويقول ما كنت أريد أن أقول، وإذا قلت له شيئًا مجملًا بسطه بما أرتضيه من البيان والتفضيل، فهو يتم ما بدأت ويفصل ما أجملت»!
• ولقد كان طبيعيًا أن تخوض «المنار» معارك الأستاذ الإمام ضد خصومه.. وأن تصيب صاحبها السهام المصوبة إلى الأستاذ الإمام.. حتى لقد حاول هؤلاء الخصوم التفريق بين الرجلين، فلما فشلوا هموا بإخراج الشيخ رشيد من مصر، وأوعزوا إلى الدولة العثمانية أن تستدعيه بحجة أنه متخلف عن تأدية الخدمة العسكرية!... وكادوا ينجحون لولا أن أثبت الرجل بالوثائق أنه قد تمتع بالإعفاء من الجندية لطلبة العلم أولًا، ثم لبلوغه مرتبة العلماء المشتغلين بتدريس العلم بعد ذلك!
• وعندما حانت منية الأستاذ الإمام سنة ١٣٢٣ هـ - ١٩٠٥م، كانت قد رسخت في الأذهان حقيقة سلم بها الجميع، وهي أن مكانة الشيخ رشيد من الأستاذ الإمام هي مكانة الإمام من أستاذه الأفغاني... وأنه هو رأس حركة الإصلاح الإسلامي بعده، وأبرز تلاميذه العاملين في هذا الميدان.. بل لقد عبر الأستاذ الإمام -تلميحًا- عن هذه الحقيقة في الأبيات التي نظمها وهو على فراش الموت عندما صور رسالته الإصلاحية ومكان الشيخ رشيد باعتباره مرشدًا رشيدًا، يأمل الأستاذ الإمام أن يواصل السير بعده على طريق الإصلاح الديني والإحياء الإسلامي، الذي مثلته هذه المدرسة الإحيائية في عصرنا الحديث.. عبر الأستاذ الإمام عن ذلك فقال:
«ولست أبالي أن يقال محمد
أبل واكتظت عليه المآتم
ولكن دينًا قد أردت صلاحه
أحاذر أن تقضي عليه العمائم
وللناس أمال يرجون نيلها
إذا مت ماتت واضحات عزائم
فيا رب إن قدرت رجعي قريبة
إلى عالم الأرواح وانفض خاتم
فبارك على الإسلام وارزقه مرشدًا
رشيد يضيء النهج والليل قائم
يماثلني نطقًا وعلمًا وحكمة
ويشبه مني السيف والسيف صارم»!
• وبعد وفاة الأستاذ الإمام، مضى الشيخ رشيد ناهضًا بالريادة في ميدان الإصلاح الديني.. وكانت علاقاته قد توطدت وتوثقت بتلاميذ الإمام محمد عبده من أقطاب الفكر والصحافة والسياسة بمصر... وأيضًا بكوكبة من أبرز الزعماء والمفكرين والمصلحين العرب والمسلمين الذين اتخذوا مصر موطنًا لنضالهم، بعد أن لجأوا إلى الهجرة فرارًا من اضطهاد آل عثمان -بالمشرق- أو الاستعمار الفرنسي -بالمغرب-.
• لكن انفراد الشيخ رشيد بالعمل في الحقل الإسلامي -بعد وفاة الأستاذ الإمام- قد طبع فكره وممارساته بسمتين لم تكونا ملحوظتين عندما كان يعمل في ظل شخصية الشيخ محمد عبده وفكره:
١- فالتكوين السلفي النصوصي المبكر للشيخ رشيد، والذي يهتم «بالمنقول» أكثر من «المعقول»، والذي كان قد توارى فترة صحبته للأستاذ الإمام، قد عاد إلى البروز مرة أخرى... ولقد ظهر ذلك في الأجزاء التي فسرها من القرآن الكريم، مواصلًا تفسير أستاذه الإمام.. لقد غلبت «الرواية» على الدراية... وغلب «المنقول» على «المعقول» في تفسير هذه الأجزاء... وإن ظل للعقل مكان ملحوظ في عطائه.
٢- كذلك زاد انغماس الشيخ رشيد -بعد رحيل أستاذه- في السياسة والعمل السياسي... فأفاض في معالجة علاقات العرب والأتراك.. والمسألة الشرقية... والتدخل الاستعماري الغربي في المشرق العربي والإسلامي... كما كان في طليعة الذين أبصروا خطى المشروع الصهيوني على فلسطين والعرب والمسلمين.
وفي الممارسة السياسية وجدناه قطبًا من أقطاب حزب اللامركزية الذي تألف من مجاهدي المشرق العربي لإبراز الكيان العربي في الإطار العثماني وهو الحزب الذي تألف بالقاهرة (١٣٣٠هـ -۱۹۱۲م)، ووجدنا العلاقات الوثيقة بينه وبين حركة الشريف حسين بن علي (١٢٧٢ - ١٣٥٠هـ - ١٨٥٦ - ١٩٣١م)، لتأسيس دولة عربية مستقلة عن العثمانيين.. حتى لقد ذهب إلى سوريا عندما أعلن أهلها استقلالها تحت حكم الملك فيصل بن الحسين (١٣٠٠ - ١٣٥٢هـ - ١٨٨٣ - ۱۹۳۳م)، وانتخب رئيسًا للمؤتمر السوري فيها، ولم يغادرها إلا عندما أجهض الاحتلال الفرنسي هذا الكيان العربي (۱۳۳۸هـ - ۱۹۲۰م)..
كذلك وجدنا الشيخ رشيد، داعية من دعاة الإصلاح الدستوري للدولة العثمانية يزور الشام، ويخطب للإصلاح من فوق منبر الجامع الأموي بدمشق، عقب إعلان الدستور العثماني سنة ١٣٢٦هـ - ١٩٠٨م، حتى لقد فجرت خطبه الصراع بين أعداء الإصلاح وأنصاره، الأمر الذي اضطره إلى العودة إلى مصر!
• كما رأينا رحلاته إلى الحجاز والعراق، والهند، وثيقة الصلة بالإصلاح السياسي مزدوجًا بالإصلاح الديني.
• وذلك غير رحلته إلى حج بيت الله الحرام سنة ١٣٣٤هـ - ١٩١٦م.
• ناهيك عن علاقاته الوثيقة بالحركة الوهابية، وزعيمها الملك عبد العزيز آل سعود (۱۲۹۷ - ۱۳۷۲هـ - ۱۸۸۰ - ١٩٥٣م).. وكتابه الوهابيون والحجاز شهيد وشاهد على هذه العلاقات.
• لقد برز الطابع السياسي في دعوته الإصلاحية، وأخذت السياسة الدولية بصراعاتها وتوازناتها وتوازنات قواها، تجد لها مكانًا بارزًا على صفحات «المنار»... من الثورة البلشفية إلى المسألة الليبية، مرورًا بالهند ومراكش والحجاز... إلخ، وهو طابع لم يكن بهذا الوضوح على عهد صحبته للأستاذ الإمام.. بل إن الشيخ رشيد يكتب عن هذا التحول في افتتاحية
المجلد الثاني عشر من «المنار» ١٣٢٧هـ - ۱۹۰۹م.. أي بعد أربع سنوات من وفاة الأستاذ الإمام فيقول:
«سالمنا السياسة فساورت وواثبت وأسلسنا لها فجمحت وتقمحت وكنا نهم بها في بعض الأحيان، فيصدف بها عنا الأستاذ الإمام ! ولم ننل منها ما نهواه إلا بعد أن اصطفاه الله»!
• وإذا كان التراجع الجزئي من الشيخ رشيد عن المعقول، إلى «المنقول» وعن «الدراية» إلى الرواية... بعد حياة الأستاذ الإمام . مما يحسب عليه.. فإن تزايد الاهتمام عنده بالسياسة هو مما يحسب له.. لأنه كان في ذلك مستجيبًا لتزايد حدة التحديات السياسية التي نزلت بالعرب والمسلمين بعد حياة الأستاذ الإمام... وبتزايد أخطار العلمانية والتنصير والإلحاد على حركة الإصلاح الإسلامي، تبعًا لتزايد التغريب والغزو الفكري المصاحب لعموم بلوى الاستعمار العالم الإسلام.
• وإذا كان «المنار» قد ظل الميدان الأول لفروسية رشيد رضا الفكرية.. فإن مؤلفاته وتحقيقاته قد كانت ميادين أخرى مهمة ونافعة لهذه الفروسية الفكرية.. ومن هذه الآثار الفكرية النفسية لهذا الإمام الجليل:
«تفسير المنار» في اثني عشر مجلدًا، فسر فيها اثني عشر جزءًا من القرآن الكريم.. وضمنه تفسير الإمام محمد عبده لما فسر من القرآن.
و«تاريخ الأستاذ الإمام» في ثلاثة مجلدات و«الوحي المحمدي»... و«شبهات النصارى وحجج الإسلام»... و«عقيدة الصلب والفداء»... و«المسلمون والقبط والمؤتمر المصري» و«محاورات المصلح والمقلد» و«الوهابيون والحجاز» و«ذكرى المولد النبوي» و«الخلافة.. أو الإمامة العظمى»... و«نداء الجنس اللطيف» و«يسر الإسلام وأصول التشريع».
• كما أشرف على طبع الآثار الفكرية للأستاذ الإمام.... وأعاد في «المنار» نشر أغلب مقالات العروة الوثقى.
• وكذلك أشرف على تحقيق العديد من الكتب التراثية المتميزة، مواصلًا بذلك جهود لجنة إحياء الكتب العربية -التي كونها أستاذه الإمام محمد عبده- من مثل كتب: «تفسير ابن كثير»، و«تفسير البغوي» و«العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشايخ» للمقبلي، و«شرح عقيدة السفاريني» لابن قدامة و«المغني في شرح مختصر الخرقي» و«دلائل الإعجاز» للجرجاني، و«إنجيل برنابا».... إلخ.
• امتدت حياة هذا الإمام الكبير ثلاثة وثمانين عامًا، خمسون عامًا منها امتلأت بالفكر والممارسة على طريق الإصلاح وخاصة منذ أن جاء إلى مصر وصحب أستاذه الإمام محمد عبده.
• حتى إذا حان الأجل، لبت نفسه الزكية نداء بارئها، في حادث سيارة، كانت عائدة به من مدينة السويس إلى القاهرة ففاضت روحه في ٢٣ جمادى الأولى سنة ١٣٦٥هـ - ٢٥ أبريل سنة ١٩٣٥م... وذلك بعد أن أدت حق الله ورسوله ﷺ في تجديد الدين، وطلب القوة والمنفعة والسعادة للإسلام والمسلمين، وذلك حتى تتحقق «للإنسان السيادة في الأرض بالحق ليكون خليفة لله في تقرير المحبة والعدل... ولينهض المسلمون ليحافظوا على ملكهم، متسلحين بالمدنية سابقين الأمم العزيزة في العلوم والفنون والصناعات وجميع مقومات الحياة».
فذلك هو الإسلام.. كما كشفت العروة الوثقى عن وجهه المشرق للشيخ رشيد.. فوهب له حياته.. ومات في سبيله.. عليه رحمة الله. (1)
الهامش
انظر في ذلك:
رشيد رضا (تاريخ الأستاذ الإمام)، ج 1 ص ٨٤، ٨٥، ١٠٠١، ٩٩٦، ٣٠٣، ٨٤، ٨٥، ٨٧، ۳۹۰، ۹۹۸، ۱۰۲۹، ۱۰۲۷، ۱۰۲۳، طبعة القاهرة سنة ١٩٣١م.
والإمام محمد عبده «الأعمال الكاملة» ج ٢، ص ۱۳۵، دراسة وتحقيق د. محمد عمارة طبعة القاهرة ١٩٩٣م.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل