; الشيخ رشيد رضا.. ومعاركه مع العلمانية والصهيونية (٣)- أولى المعارك ضد العلمانية | مجلة المجتمع

العنوان الشيخ رشيد رضا.. ومعاركه مع العلمانية والصهيونية (٣)- أولى المعارك ضد العلمانية

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 14-يونيو-2008

مشاهدات 100

نشر في العدد 1806

نشر في الصفحة 36

السبت 14-يونيو-2008

قبل صدور «المنار»، أواخر القرن التاسع عشر الميلادي (سنة ۱۸۹۸م)، كانت أوروبا الاستعمارية ممثلة في فرنسا، صاحبة العلمانية المتوحشة في بلادها.. والنزعة الصليبية ضد الإسلام في مستعمراتها المسلمة!! كانت قد نجحت في جعل لبنان بواسطة مدارس الإرساليات النصرانية الفرنسية معمل تفريخ كتيبة من المثقفين الموارنة، الذين ضربت عقولهم وصيغت وجداناتهم وفق المناهج التغريبية المعادية للحضارة الإسلامية والتاريخ الإسلامي.

فلقد كانت رسالة هذه المدارس الفرنسية- بلبنان، وفق عبارات القناصل الفرنسية في بيروت- هي تكوين جيش «ثقافي»، متفان في خدمة فرنسا والحضارة الأوروبية المسيحية- وتأمين سيطرة فرنسا على منطقة خصبة ومنتجة «المشرق العربي» ... وجعل البربرية العربية «هكذا»، تنحني لا إرادياً أمام الحضارة المسيحية لأوروبا»!!([1])

ولقد هاجر كثيرون من جنرالات هذا الجيش الثقافي إلى مصر.. فأصدروا الصحف والمجلات.. وأقاموا المؤسسات الصحفية والثقافية «وأصبحوا» - «بعبارة عبد الله النديم (١٢٦١ – ١٣١٣هـ- ١٨٤٥ – ١٨٩٦م)»: «لا شرقيين ولا غربيين، اتخذتهم أوروبا وسائل لتنفيذ آرائها ووصولاً إلى مقاصدها من الشرق، وهي تحثهم على المثابرة على عملهم باسم المدنية»([2]).. وكانت مجلة «المقتطف»  (۱۲۹۳- ١٣٧١هـ - ١٨٧٦- ١٩٥٢م) الساحة التي نصبت فيها أعلام نظريات التغريب الأوروبية.. حتى ليقول النديم، عن أصحابها: «إنهم أعداء الله وأنبيائه والأجراء الذين أنشأوا لهم جريدة جعلوها خزانة لترجمة كلام من لا يدينون بدين ممن ينسبون معجزات الأنبياء إلى الظواهر الطبيعية والتراكيب الكيماوية، ويرجعون بالمكونات إلى المادة والطبيعة منكرين وجود الإله الحق، وقد ستروا هذه الأباطيل تحت اسم فصول علمية، وما هي إلا معاول يهدمون بها عموم الأديان». ([3])

• وعن أحد «جنرالات هذا الجيش الثقافي»، هو أمين شميل (١٢٤٣ – ١٣١٥هـ - ۱۸۲۸ - ۱۸۹۷م). صدرت أولى دعوات استخدام العاميات العربية بدلاً من لغة الأمة.. لغة القرآن الكريم! 

وعن «جنرال» آخر صدرت أولى الدعوات إلى الدارونية الملحدة عن شبلي شميل ( ١٣٧٦ – ١٣٣٥هـ - ۱۸٦٠ – ۱۹۱۷م).

• وكانت الدعوة إلى إحلال العلمانية الغربية- وفصل الدين عن الدولة- محل الشريعة الإسلامية وشمول الإسلام للدين والدولة.. كانت واحدة من أخطر دعوات هذا التغريب التي كان للشيخ رشيد رضا- و«المنار»، شرف التصدي لها- في العام التالي لصدور المنار.... أي أن الشيخ رشيد كان أول من تصدى لدعاوى العلمانية والعلمانيين في العالم الإسلامي على الإطلاق! 

• فعلى صفحات «المقطم» (١٣٠٦ – ١٣٧١ هـ- ١٨٨٩-١٩٥٢م)، التي كانت لسان حال الاستعمار الإنجليزي بمصر... والتي أنشأها هؤلاء الموارنة المتفرنسون، «صحيفة إنجليزية ناطقة بالعربية»، على حد تعبير عبد الله النديم !!

على صفحات «المقطم»، بدأ عدد من نصارى الموارنة الدعوة إلى العلمانية، وفصل الدين عن الدولة في الشرق الإسلامي. 

دعا إلى ذلك حنا الطرابلسي في ١٢ و١٧ أغسطس سنة 1898م، وميشيل حكيم، في ١٥ أغسطس سنة ١٨٩٩م، ثم جاء واحد منهم مستتراً تحت توقيع مسلم حر الأفكار، ليدعو إلى ذلك في ٣ أغسطس سنة ١٨٩٩م...

فكانت معركة الشيخ رشيد رضا ضد هذه الدعوى أولى معارك الإسلام ضد العلمانية في ذلك التاريخ.

• وفي أثناء هذا الحوار بين الشيخ رشيد رضا وبين من يدعي أنه «مسلم حر الأفكار»، كشفت «زلات القلم» عن أن هذا المدافع عن فصل الدين عن الدولة ليس مسلما بأي حال من الأحوال....

1- فلقد اعترف بأنه متخرج من مدارس الإرساليات النصرانية.. وأنه قد تربى وتعلم فيها.

٢- واستخدم مصطلحات لا يستخدمها عادة إلا الكتاب النصارى ... من مثل الدعوات الدينية المسكونية.

٣- وجهر بما لا يقول به مسلم من مثل اتهام الإسلام ودعاة الجامعة الإسلامية بأنهم يرون أن الخطر لا يزول عن الإسلام إلا بتمزيق شمل النصارى، وأن عز الإسلام لا يكون إلا بذل النصارى !!

• وفي هذا الحوار وضع الشيخ رشيد رضا النقاط على الحروف فيما يتعلق بموقف الإسلام من العلمانية وفصل الدين عن الدولة... على النحو الذي يمكن إيجازه في عدد من النقاط... فهو:

 أولاً: كشف عن أن هذه الدعوى لا يقول بها إلا غير المسلمين الذين تفتح لهم المنابر الصحفية النصرانية صفحاتها لينتقدوا الدعوة إلى الجامعة الإسلامية: 

فـ «الأهرام» «المقطم» متفقتان على أن الدعوة إلى الجامعة الإسلامية باسم الدين مضرة وغير موصلة إلى الغاية وأنه لا سبيل إلى ترقي الأمة الإسلامية إلا باتباع خطوات أوروبا- كما فعلت اليابان- و«المؤيد» لصاحبها الشيخ علي يوسف ( ١٢٧٩- ١٣٣١ هـ - ۱۸6۳ – ۱۹۱۳م)، رد عليهما قولهما الأول، ولم يبد رأياً جديداً، إلا أنه وافق على أن مسلك الكتاب المسلمين في الدعوة الدينية مفيد، كما أن الأخذ بالفنون والصنائع الأوروبية مفيد مع ذلك ....

  • تصدى لحملة فصل الدين عن الدولة التي أعلنها نصارى الشام في صحفهم المصرية 

وثانياً: أن هذه الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة التي ظهرت في «المقطم» 3 أغسطس ۱۸۹۹م لا يقول بها مسلم. 

فهو قول لم يتابع به قائله مسلمًا، ولن يتابعه عليه مسلم، لأنه ناسف لبناء الدين الإسلامي، ومقوض لعمود بنائه، وهو زعم أن الدين والدولة أمران متباينان يجب أن ينفصل أحدهما عن الآخر.

ولقد وجد للإسلام أعداء اجتهدوا في كل عصر بمحوه أو إضعافه منهم من حاول إفساد العقائد بالتأويل، ومنهم من وضع الأحاديث الكاذبة، ومنهم من سهل للملوك طريق الاستبداد، ومنهم ومنهم ولكن مجموع مفاسدهم ومضراتهم لم تبلغ بعض ما يرمي إليه هذا القول الخبيث الذي لم يخطر في بال إبليس فهو أبلغ قول يشير إلى أحكم رأي لمحو السلطة الإسلامية من لوح الوجود قاتل الله قائله ولا كثر فيمن يدعون الإسلام من أمثاله !! 

  • أكد على اختلاف المشرق الإسلامي عن الغرب المسيحي لأن شمولية الإسلام تغاير النصرانية التي لا علاقة لها بالدولة والحكم

هكذا أعلن الشيخ رشيد رضا أن الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة قد تفوقت في خطرها على الإسلام على كل دعاوى المفسدين للإسلام عبر التاريخ.. بل وتفوقت على أحلام إبليس.

ثالثاً: مضى الشيخ رشيد رضا يؤكد رفض الإسلام بحكم طبيعته الشاملة للعلمانية، فقال: «لقد عرف علماء المسلمين الدين بأنه وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم إلى الصلاح في الحال والفلاح في المال، وإن شئت قلت: إلى سعادتهم الدنيوية والأخروية، وقواعده عندهم ثلاث: 

1- تصحيح العقائد.

٢- وتهذيب الأخلاق.

٣- وإحسان الأعمال.

والأعمال قسمان: عبادات ومعاملات. 

ومن الثاني الأحكام بأنواعها، قضائية ومدنية وسياسية وحربية ......

رابعاً: أشار الشيخ رشيد رضا إلى مغايرة الإسلام في هذا الشمول للنصرانية التي لا علاقة لها بالدولة السياسية.. فقال:

أما الدين عند النصارى، فهو كما «في دائرة المعارف»، عبارة عن مجموع النواميس الضابطة لنسبة الإنسان إلى الله أو يبين صفات تلك النسبة. 

وهو - كما ترى- لا علاقة له بالأمور الدنيوية ولا بالأحكام والسلطة، ومن المشهور أن الديانة النصرانية مبنية على الخضوع لأية سلطة حكمت أصحابها، لما في الإنجيل من أن سلطة الملوك إنما هي على الأجسام الفانية، وأن سلطة الدين على  الأرواح فقط، فيجب على كل متبع لهذا الدين أن يدين لكل سلطة، ويذعن لكل شريعة حكمته، بخلاف الدين الإسلامي فإنه مبني على السلطة والغلبة.....

خامساً: شرع الشيخ رشيد رضا يفصل في تميز الإسلام كدين ودولة- عن النصرانية فقال: 

إن الدين الإسلامي جامع لمصالح المعاش والمعاد، ومبني على أساس السلطتين  الزمنية والروحية وإن الديانة النصرانية على خلاف ذلك، وإن الخليفة هو رئيس المسلمين القائم على مصالحهم الدينية والدنيوية وإن كل حكومة تخرج عن طاعته الشرعية فهي منحرفة عن صراط الإسلام، وإن القول بفصل الحكومة والدولة عن الدين هو قول بوجوب محو السلطة الإسلامية من الكون ونسخ الشريعة الإسلامية من الوجود، وخضوع المسلمين إلى من ليس على صراط دينهم ممن يسمونهم فاسقين وظالمين وكافرين، فإن القرآن العزيز الذي هو أساس الدين يقرع دائما أذانهم، بل يناديهم من أعماق قلوبهم قائلاً بلسان عربي مبين: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44]، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: 45]، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 47]

ونحن نقول للذين يدعوننا إلى فصل الدين عن الدولة والتفريق بين السلطة والخلافة لأجل تأييد الجامعة الإسلامية. 

إن كنتم تدعوننا هذه الدعوة جاهلين بمعنى هذه الألفاظ عندنا فها نحن أولاء قد بيناها لكم فارجعوا عن دعوتكم، فقد علمتم أن قياس الإسلام على النصرانية قياس مع الفارق، فإن فصل السلطة الروحية عن السلطة الزمنية هو أصل النصرانية وقد كان رؤساء الدين تعدوا الحدود، وتسلقوا عروش السلاطين والملوك مخالفين لصاحب الدين الذي:

قد جاء لا سيف ولا رمح ولا

                   فرس ولا شيء يباع بدرهم 

يأوي المغارة مثل راعي للضأن  

                     راعي الممالك في السرير الأعظم 

  • من أقواله: إن القول بفصل الحكومة والدولة عن الدين هو قول بوجوب محو السلطة الإسلامية من الكون

فلا بدع إذا ترقى الدين بانصراف رؤسائه إلى خدمته وتركهم الاشتغال بما ليس منه في شيء، ونحن والنصارى في هذا الأمر على طرفي نقيض، فإننا إذا تلونا تلوهم فيه تكون قد تركنا نصف ديننا الذي هو السياج الحافظ للنصف الباقي.

كلا إن الدين كله يكون بهذا العمل عرضة للاضمحلال، ومهدداً بالزوال لا جرم أن ما تدعوننا إليه هو أقرب طريق لإعدام الجامعة الإسلامية فكيف جعلتموه طريق إيجادها؟ وهو أقوى علل شقائها، فأنى تقنعوننا بأنه علة إسعادها؟

سادساً: وبعد أن حسم الشيخ الرشيد الأمر على هذا النحو الذي أكد فيه أن فصل الدين الإسلامي عن الدولة إنما يعني القضاء على نصف الإسلام الذي هو سياج حفظه.. أي أن في ذلك ضياع كامل الإسلام، ومحوه عن الوجود ... شرع في بيان خطأ الحجة الكبرى التي يثيرها دعاة العلمانية وفصل الدين عن الدولة، وهي أن هذا الفصل هو الذي يحقق الوفاق الوطني بين أهل الأديان المختلفة في الدولة الواحدة.. فقال:

  • ومن أقواله أيضا خير للمسيحيين أن يحكم المسلمون بشريعة ودولة توجب عليهم احترامهم والقيام بحقوقهم سرا وجهراً

«ربما كان الحامل لبعض الكتاب المسيحيين على اقتراح ما ذكر- « فصل الدين عن الدولة» هو اعتقادهم بأن زوال السلطة الشرعية الإسلامية هو الذي يساوي بين طائفتهم وبين المسلمين، ويخمد نيران الغلو في التعصب، فيتفقون على إعلاء شأن الوطن، ويخدم كل دينه من الوجهة الروحية التي لا مثار فيها للتنافر والتفاخر. 

وبعد عرض حجتهم، هذه التي هي عمدة ما لدى العلمانيين حتى اليوم، أخذ الشيخ رشيد يفند هذه الحجة، فقال: 

ويسهل علينا أن نبين لهم خطاهم في اعتقادهم هذا فنقول: 

1- إن بناء الشريعة الإسلامية قام على العدالة والمساواة بين المسلمين وغيرهم في الأحكام والحقوق المعبر عنها بهذه الجملة التي يتناقلها الإسلام خلفاً عن سلف، وهي لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وقد دلنا التاريخ على أن الحكومات الإسلامية كانت تراعي هذه القاعدة بحسب تمسكها بالدين قوة وضعفاً.

ومن قابل بين مساواة أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب الإمام عليا صهر النبي ﷺ وربيبه وابن عمه برجل من آحاد اليهود في المحاكمة، وانتقاد علي عليه بقوله له يا أبا الحسن، وعده التكنية إخلالاً بالمساواة لما فيها من التعظيم، وبين ما هو جار اليوم في فرنسا من التحامل على دريفوس (١٨٩٥ – ١٩٣٥م)، وهو من أكابر عظماء اليهود، حتى إنهم حاولوا قتل وكيله الذي يحامي عنه، وهم أصحاب القلم الذي ينطق بالحرية والعدالة والمساواة، يظهر له الفرق بين المسلمين في بدايتهم والأوروبيين في نهاية مدنيتهم، فالشريعة في نفسها عادلة لا يضر المسيحيين أن مواطنيهم المسلمين يعتقدون أنها سماوية، بل هو ينفعهم وهم لا فرق عندهم بين الشرائع، إذ دينهم يوجب عليهم اتباع أية شريعة حكموا بها.

2- إن الترقي الديني الذي نقصده من إحياء الجامعة الإسلامية يتوقف على التهذيب وقيام الأفراد بما عليهم من الحقوق والواجبات لمن يعيشون معهم، وهذا القول لا يخالف فيه أحد.

ومعلوم أن المسلمين لا يعتقدون بحق ولا واجب إلا إذا كان مبينًا في شريعتهم ومأخوذاً من أصول دينهم، فإذا فصل بين الدين والدولة كان جميع ما تكلفهم به الدولة من الحقوق والواجبات غير واجب الاتباع في اعتقادهم، فإذا أخذوا به في العلانية لا يأخذون به في السر ولا يتم تهذيب الأمة ما لم يكن الوازع لها عن الشر والحامل لها على الخير ثابتاً في نفسها، مقرراً في اعتقادها، فخير يحيين أن يحكم المسلمون بشريعة ودولة توجب عليهم احترامهم والقيام بحقوقهم سرًا وجهرًا وبدون هذا يتضرر المسيحيون ولا يرتقي المسلمون بل يتدلون ويهبطون كما علم بالاختبار والمشاهدة.

فقد أنبأنا التاريخ أن مًبدأ الخلل والضعف الذي ألم بنا كان إهمال وظائف الخلافة والخروج بها عن معناها الذي هو حراسة الدين وسياسة الدنيا.. ولن يعود للإسلام مجده إلا بإحياء منصب الخلافة واتفاق المسلمين على إمام واحد يعتقدون وجوب الخضوع له سرًا وجهرًا ولا إمام اليوم للمسلمين بهذا المعنى إلا القرآن الكريم، فيجب على من يهمه ترقية شؤونهم أن يدعوهم به إلى العلم والعمل، ونفض غبار الجهل والكسل، والقيام بمصالح المعاش والمعاد على ما تقتضيه سنن الترقي والإسعاد، فهو إمام كل إمام وكما كان المبدأ في ترقيهم كذلك يكون الختام... ([4])

هكذا خاض الشيخ رشيد رضا- على صفحات «المنار»، أولى معارك الفكر الإسلامي ضد العلمانية وفصل الدين عن الدولة في العصر الحديث- وأبرز:

• زيادة النصارى الموارنة- وصحفهم ومجلاتهم، في التبشير بالعلمانية. 

• ورفض المنابر الإسلامية لهذه الدعوة.

  • أكد أن الشريعة الإسلامية قامت على العدالة والمساواة بين المسلمين وغيرهم في الأحكام والحقوق.. وقد دلنا التاريخ أن الحكومات الإسلامية راعت ذلك حسب تمسكها بالدين

• ورفض الإسلام- بطبيعته المتميزة عن النصرانية، وشمولية منهاجه للدين- والدنيا أية دعوة لفصل الدين عن الدولة...

• وبيان أن شمولية الإسلام هذه الدين والدولة والسياسة والقانون هي الضمان للمساواة في الحقوق والواجبات بين المسلمين وغير المسلمين في الدولة الإسلامية.. وليس العكس. كما يدعي العلمانيون... فالشريعة الإسلامية هي الضامنة للمـساوة بين المواطنين على اختلاف أديانهم ومللهم، ولأن المسلمين لا يخضعون خضوعاً حقيقياً إلا لشريعتهم. فإن الاحتكام إليها هو الضمان لقيام المسلمين إزاء غيرهم بقواعد هذه المساواة وحقوقها. 

وإذا لم يكن في النصرانية شريعة للدولة والاجتماع، فسيان عندهم أن تكون الشريعة التي تطبقها الدولة دينية عند غيرهم أم غير دينية فهي بالنسبة لهم، وضعية في كل الحالات... وإذا كانت هذه الشريعة الضامنة للمساواة مقدسة عند المسلمين كان ذلك أدعى لاحترام قواعد المساواة فيها من القوانين الوضعية التي لا يكن لها المسلمون الاحترام. 

وبعبارة الشيخ رشيد رضا، التي يحسن بنا أن نعيدها، ولتكن ختام هذا المقال.

... فالشريعة في نفسها عادلة ولا يضر المسيحيين أن مواطنيهم المسلمين يعتقدون أنها سماوية، بل هو ينفعهم.. وهم لا فرق عندهم بين الشرائع، إذ دينهم يوجب عليهم اتباع أية شريعة حكموا بها.. فخير للمسيحيين أن يحكم المسلمون بشريعة ودولة توجب عليهم احترامهم والقيام بحقوقهم سراً وجهراً، ويدون هذا يتضرر المسيحيون ولا يرتقي المسلمون!

نعم.. كانت تلك أولى معارك الفكر الإسلامي مع العلمانية، ودعوى فصل الدين عن الدولة، وكان هذا هو قدر المنار وصاحبه في الرد على العلمانيين بالمنطق الشرعي، والبرهان ، العقلي على حد سواء.

الهوامش:

([1]) من محفوظات أرشيف الخارجية الفرنسية بباريس السنوات ١8٤٠- ١٨٩٨م.

([2]) مجلة «الأستاذ» العدد 22 ص510.

([3]) المصدر السابق العدد 3٩ ص 923، 924.

([4]) «المنار» السنة الثانية،  عدد ٢٥، ص 385-391، 26 ربيع الثاني سنة 1317ه‍.

الرابط المختصر :