; الشيخ سلمان بن فهد العودة لـ"المجتمع": مشاريع الدعوة صناعة داخلية | مجلة المجتمع

العنوان الشيخ سلمان بن فهد العودة لـ"المجتمع": مشاريع الدعوة صناعة داخلية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 13-أبريل-2002

مشاهدات 66

نشر في العدد 1496

نشر في الصفحة 44

السبت 13-أبريل-2002

  • خطان أحمران يجب الحذر منهما الغلو في الدين واعتماد أساليب المواجهة والقوة في الدعوة والإصلاح. 

  • على الدعاة انتهاج أسلوب المشاركة المميزة في الواقع العملي

  • المسائل المهمة والكبيرة تحتاج إلى اجتهاد جماعي مرسم يشارك فيه أهل العلم والتحصيل وأهل الرعاية والعناية بأحوال الأمة.

الداعية الإسلامي الشيخ سلمان العودة هو أحد الدعاة المعروفين بسعة العلم، فقد تلقى العلم الشرعي على أيدي علماء أجلاء بالمعهد العلمي في منطقة «بريدة» بالمملكة العربية السعودية، وهي المنطقة التي ولد بها وأتاحت له الدراسة فرصة الجلوس بين أيدي هؤلاء العلماء والاستزادة من علمهم وفضلهم، ثم واصل الدراسة بعد ذلك في كلية الشريعة وأصول الدين بالقصيم ونال درجة الماجستير في موضوع «غربة الإسلام وأحكامه في ضوء السنة النبوية».

قام بالتدريس في المعهد العلمي وكلية الشريعة ثم تفرغ للدعوة من خلال دروسه وكتاباته في التفسير والأخلاق والتربية والإصلاح وأخرج إلى المكتبة ست كتب إضافة إلى ما يقرب من الخمسين رسالة كما يشرف على الموقع الإسلامي المعروف «الإسلام اليوم».

المجتمع التقته وأجرت معه الحوار التالي:

 ينادي أعداء الإسلام بتغيير المناهج التعليمية، بحجة أنها تفرح الإرهاب، ما تعليقكم؟

- لمناهج التعليم أثر هائل في صياغة الجيل، وأي خلل فيها يظهر في الطلاب الذي هم نتاج تلك المناهج تطوير المناهج التعليمية هو قضية سيادة يحتكم فيها إلى المصالح العليا للأمة، ويبت فيها، من ائتمنتهم الأمة على عقولها، وثقافتها وتراثها.

ولذا فإن دخول العامل الخارجي على الخط ليس عاملًا إيجابيًا بأي حال، بل هو عامل هدم وإحباط وإنني أدعو إلى تغيير المناهج الدراسية، وذلك بتكثيف المقرر الشرعي، وتحويله من متن مختصر إلى تقرير موسع يحول دون نقص الفهم، ويؤكد على ولاء المسلم لدينه وتاريخه وأمته وبلاده ويعمق الخصوصية الإسلامية لدى الأجيال ويربي على نضج التفكير وسلامة التصور.

كما أدعو إلى غرس روح الإيمان الصادق في المقررات العلمية لتحاشي الازدواجية في التعليم وبناء العقيدة الصادقة المنبعثة من داخل النفس والمنسجمة مع الكون والحياة.

الشيء المدهش أن الأسماء التي يتم تداولها إعلاميًا، ليس لها علاقة بالتعليم الشرعي، فهل سيطالب هؤلاء بإغلاق الجامعات المدنية، ومنع تدريس الطب أو الهندسة، أم سيدركون أن التعليم الشرعي السليم هو أهم ضمانة لحماية الأجيال من الاندفاع وراء نوازع النفس، وتحقيق الوسطية والاعدال وضبط المسار وفق نظام الشريعة؟

إن الغضب العربي الإسلامي على أمريكا، ليس منطلقة التعليم الديني، وإلا فلماذا لم يكن هذا الغضب موجهًا ضد الصين أو اليابان -مثلًا- مع أنها بلاد وثنية، والمسلم يتعلم أن أهل الكتاب أقرب إليه من الوثنيين ولكن منطلقة نفاد الصبر من الانحياز الأمريكي لصالح اليهود، وضد قضايا العرب والمسلمين وغمس أمريكا يدها في البلدان الإسلامية بأسلوب متغطرس لا يراعي مشاعر الشعوب، ولا يقيم لها وزنًا.

 هناك هجمة شرسة على الجمعيات الخيرية بالحجة ذاتها؟ 

- مادامت الولايات المتحدة جعلت نفسها القاضي والشاهد والجلاد في الوقت ذاته، فكل شيء ممكن.

ومادام العالم الإسلامي بهذه الحالة من التشرذم والشتات والانهماك في الصراعات الداخلية، فلن يكون لديه القدرة على المقاومة. 

ولقد شهد تاريخ الولايات المتحدة ما كان يعرف بالمكارثية وهو مصطلح يتعلق بتوجيه التهم على نطاق واسع، والتي شملت الإدارة الأمريكية نفسها، وشملت الجيش ذاته بتهم تتعلق بمناصرة الشيوعية في وقت الحرب الباردة، ومع أقول نجم الاتحاد السوفييتي، والتحدي الشيوعي يبدو أن العملية ذاتها صارت تدار ضد كل ما هو إسلامي وعربي والإعلام مسؤول إلى حد كبير عن نشر التهم، وترويجها دون أدلة أو وثائق، وفي فترة المكارثية الأولى وضعت لوائح سوداء لأشخاص وهيئات وها نحن نشهد اليوم الأمر ذاته فيما يتعلق بالعرب والمسلمين. 

وإذا كانت المكارثية الآن عارًا يستحي منه الأمريكيون، فإنهم يمارسونها بطريقة مشابهة، والله وحده يعلم إلى متى يتوجب علينا الانتظار لتصبح المكارثية الجديدة، عارًا آخر يلحق بالتاريخ الأمريكي؟ وهل ثمة استعداد المراجعة الجمعيات المنطلقة من الغرب نفسه تحت هذا الشعار؟

إن الجمعيات الإسلامية هي إحدى الواجهات الإنسانية المشرقة التي يتفيأ ظلالها مئات الآلاف من الجياع، والفقراء، والمتعلمين والمعوزين، وإذا كان الكثير من الجمعيات الغربية معزولة بأنانيتها وعنصريتها عن التجاوب الصادق والبريء مع هؤلاء، فهل وصل الحال إلى حد حرمان هؤلاء من اليد الحانية التي تواصلهم بالغذاء والكساء والدواء والكتاب وبات من الصعب أن نستوعب اعتراف الغرب بالإسلام كدين يحكم شعوبًا اختارته، وصناعة التصنيف التي يتكلم عنها حتى في المشاريع الخيرية ذات الدور الإنساني الضروري.

إن اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة يمارس ضد هذه الجمعيات، وضد الوجود العربي والإسلامي مكارثية جديدة، ومع الأسف فقد صارت الإدارة الأمريكية وأجهزتها الأمنية والعسكرية سندًا ودعمًا لهذا التحيز السافر والعدوان المقيت.

 بعد أحداث 11 سبتمبر، مارس الغرب صورًا من التعذيب والسجن للعرب والمسلمين، بماذا تفسرون ذلك؟

- الغرب -وتحديدًا الولايات المتحدة- يمارس ما يظنه دفاعًا عن الأمن القومي، من خلال الاعتداء على الأمن المدني.

وإذا كانت الحرية هي أغلى قيمة يتغنى بها الأمريكيون، فإن ضرورات الأمن المزعومة صادرت هذه الحرية، وسجن آلاف الأبرياء بغير تهمة ورحل الآلاف بغير سبب، ومارست أجهزة الأمن في المطارات وغيرها عنصرية مكشوفة.

لقد كان يقال عن الولايات المتحدة إنها بلد الحرية، ووصفها جون كنيدي بأنها «أمة من المهاجرين» ومعظم الإبداعات والإنجازات قام بها أجانب، ولهذا اتخذت الإدارة الأمريكية ذاتها عددًا من الوسائل لاستقطابهم، ومن ذلك السحب العشوائي الذي تقوم به وزارة الخارجية، وتمنح بموجبه راغبي الإقامة ما يسمى به البطاقة الخضراء.

وها نحن نرى تحولًا خطيرًا يصبح بموجبه هؤلاء الأجانب في موضع الشك، ولا يأمنون على أنفسهم أو ممتلكاتهم، ويتعرضون للاعتداء والقتل أحيانًا.

وانتقل الأمر من مجرد الممارسات الخاصة أو الخاطئة، أو الاستثنائية، ليحظى بدعم الجهات التشريعية، حيث أقر مجلس النواب جملة قوانين تعطي السلطات الفيدرالية إمكانيات واسعة للمراقبة والقمع، وخففت القيود على التنصت الهاتفي، والتوقيف الاحتياطي للأجانب، وهكذا تطورت الأمور ليكون تحقيق الأمن قائمًا على حساب الحريات المدنية.

ولقد قال جون كنيدي إن الأمة التي تقدم أمنها على حريتها لا تستحق البقاء.

 يكثر في وسائل الإعلام طرح مصطلح التطرف، فما مدى صحة هذا المصطلح وما رأيكم في مدلوله؟

- ربما كانت كلمة التطرف من أكثر الألفاظ إلحاحًا على السن الكتبة والإعلاميين والساسة في هذا الوقت، وهي كلمة مولدة غير أصيلة، ويفترض أنها تعني عند من يطلقها وقوف الإنسان في طرف بعيد عن مركز الوسط.

والتطرف في الإطار الإسلامي: هو تعبير عن فهم منحرف، أو تطبيق منحرف للتعليمات الشرعية، وإن كان قد يتكئ على حجج شرعية مفترضة، أو ينطلق من غيرة دينية، كما في أول وأقسى نموذج في التاريخ الإسلامي، وهو نموذج الخوارج، الذين لم يقنعوا بمستوى فهم وتطبيق الصحابة حتى انشقوا عن نسيج الأمة، ووجهوا سهامهم إلى نحورها، بل كان أصلهم يمت إلى صاحب النفس المريضة الذي اعترض على النبي ﷺ في عدله، وخاطبه قائلًا: اعدل يا محمد فكانت تلك نواة الشريحة التي تصطفي نفسها وتستشعر صدقها وطهارتها وإخلاصها، وتزن الآخرين بالجور أو الحيدة عن الصراط السوي. 

لكن من الخطأ أن يتم تقديم هذا الأنموذج دائمًا على أنه صورة التطرف، حتى يقع في نفوس الكثيرين أن التطرف بضاعة إسلامية، بينما يتم التغافل والتجاهل للتطرف اليهودي، الذي تمثله أحزاب وجماعات رسمية كبيرة تتبجح بغلوها، ولا تستحي من الجهر بمطالباتها الصارمة إزاء خصومها، دع عنك الغلو المرسم المبرمج الذي أصبح جزءًا من السياسة اليهودية، وغدا قاسمًا مشتركًا لدى جميع الأطراف.

ومثله التطرف المسيحي الممثل في الجماعات والمنظمات الكثيرة في الولايات المتحدة، والتي تجاوز عددها المائة، ويقدر أتباعها بعشرات الملايين ولقد كانت الأحداث الأخيرة فرصة لهؤلاء ليكشفوا عن مكنوناتهم ضد الإسلام والمسلمين وكان منهم من يطالب بسحق كل ما هو إسلامي ومنهم من يطالب بتدمير مقدسات المسلمين وتعالت أصوات رسمية تتهم الإسلام ذاته، وتعتبره دينًا سيئًا وشريرًا.

والتوجه الرسمي الآن الذي يقيم للمسلمين والعرب ديكتاتورية خاصة داخل الولايات المتحدة ويستثنيهم من النظام العام، ويبخل عليهم بالحقوق التي يتملكها كل من سواهم، هذا التوجه هو نفسه ضرب من التطرف المقيت كما أن إسراف الحلفاء في غطرسة القوة، وتجاهلهم لأبسط حقوق الإنسانية وعدوانهم على شعب أفغانستان واستهانتهم بالدماء وحقوق الإنسان لهو صورة صارخة من التطرف البغيض، لكنه تطرف القوي الباطش الذي لا يحتاج إلى برهان على ما يفعل.

إن التطرف يتمثل في مفهوم الفكرة أيًا كان منطلقها وليس بالضرورة أن يكون نتاج رؤية دينية، بل حتى نماذج الفكر المعاصر والمفاهيم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في الغرب فيها قدر كبير من التطرف.

وهناك التطرف العلماني في العالم الإسلامي الذي يصر على نقل التجربة الغربية، بل على استنساخ المجتمعات الغربية في ديار الإسلام ويزيد على ذلك اقتباس الجانب الدموي المتعسف من التجربة الشيوعية لملاحقة المتدينين ومحاصرتهم، إعلاميًا، ووظيفيًا، واجتماعيًا، وسياسيًا.

إن دائرة ردود الأفعال لا تنتهي، والتطرف يولد التطرف، ولعل أفضل بيئة لتشجيع الفكر المنحرف هي البيئة التي تحرم الناس من حقوقهم الفطرية والشرعية، وتصادرهم، وتحرمهم من فرصة الهدوء النفسي والاستقرار العاطفي وتمتحنهم في أنفسهم وأديانهم وأهليهم وأموالهم، «إن التطرف الذي هو تجاوز عدل الشرائع السماوية والفطر الآدمية» هو أزمة بحق، وتاريخ الحضارات كلها يكشف عن نماذج كثيرة لهذا التطرف، وتعد رسالة الإسلام الأنموذج الأول والأمثل لمعالجة هذا الانحراف، ولكن مع هذا كله فلسنا هنا بصدد أن نعيش ردود أفعال، ونتبادل مع الغرب والعالم الأوصاف، إن هذه معركة ربما تكون غير ملحة، وقد لا تصنع شيئًا لصالحنا، لكن المهم أن ندرك أهمية بناء الوعي في أفراد الأمة، لنعرف مواقع التطرف الخارجة عن الإطار الإسلامي، ولعل من حسن الفهم هنا أن ندرك أن الغرب يمارس صناعة التطرف ويصدرها، وقد يكون بعض الأطراف مستهلكًا لشيء من هذا، لكن لابد أن ندرك أن الأزمة ليست في التطرف يوم يكون حالة تعرض لدى بعض الفئات، لكن يصبح الأمن العالمي مهددًا حقيقة، حينما يكون التطرف قانونًا له شرعيته، كما ترسم ذلك دوائر سياسية ومؤسسات متنفذة في الأوساط الغربية قد يتجاوز تأثيرها إلى دوائر شتى، ولعل الأنموذج اليهودي هو المرشح عالميًا لهذا، لو أعطيت الشعوب حرية الموقف والتعبير.

إننا هنا أمام ضرورة توسيع مساحة التفكير وألا نسمح للغرب أن يرسم مفهوم التطرف وأن نعي أن التطرف يتجاوز دائرة القانونية ليتحول إلى رسالة حضارية تطالب عقول في العالم كله، وليس في الغرب أو الشرق أن تستوعبه كحضارة راقية، وهذه معادلة جادة لصناعة الصراع والتوتر في العالم، وتقنين مشاريع الإرهاب المتبادلة بين الأطراف.

هنا ندرك أن الغرب يعيش أزمة، وإن كنا نعيش شيئاً منها، فيجب أن نكون مستعدين لتجاوز مشكلتنا.

وتجاوزها يتم عبر الحفاوة بالاعتدال وترسيمه، وإشاعة المفاهيم الشرعية الصحيحة التي تنهي حالة الاضطراب والتناقض.

 ما العوامل التي تسهم في تشكيل اهتمامات الداعية وصياغة تفكيره؟

- ثمة عوامل تسهم في تشكيل اهتماماتنا وترتيب أولوياتنا سواء كنا أفرادًا أو جماعات أو حتى دولًا وأممًا.

ومن أهم هذه العوامل الماثلة في الوقت الحاضر:

  1. حجم المتغيرات الدولية، والمتغيرات الإقليمية والمحلية الناجمة عنها، والتحديات التي تفرزها على كل الصعد.

  2.  مدى النضج في التجربة العلمية والعملية واكتمالها.

ج- مدى الشعور بالمسؤولية- عمقًا واتساعًا تجاه ما تقوله أو تعمله وتأثيره ومداه، وطريقة تلقيه.

د- قدر المصداقية مع الله، ومع النفس، ومع الناس والقدرة على التجريد والشفافية، ولو إلى حد ما.

وكل هذه العوامل تؤثر في أي تصور أو تعديل أو تصحيح يقوم به فرد أو جماعة أو مؤسسة أو دولة.

إن الهزيمة النفسية الناتجة عن جلد الذات المجرد، أو عن الرؤية السوداوية لا تنتج عملًا مثمرًا للأمة، بل تمكن للمنكر من الرواج والاستقرار دون عناء.

ولابد من تفهم فرص التغيير الممكنة في ظل حالة دولية تضع هامشًا ضيقًا للرفض المحض وهامشًا أوسع للمشاركة والتصحيح.

وهكذا يتعين استثمار المؤسسات القائمة للإصلاح والدعوة والتواصل مع جمهور الأمة الذي له الحق الكثير علينا.

كما يتعين أن نشعر بالانتماء لهذه الأمة بشموليتها واتساعها، وأن تكون أرضها الواسعة الممتدة، وإنسانها المتنوع میدان حركتنا وتصحيحنا، يستوي في ذلك ملامسة المعاناة المريرة في مناطق الالتهاب كفلسطين والشيشان وكشمير وغيرها، أو التجاوب مع طموحات مثقفيها وعلمائها ودعاتها للنهوض بعلومها وعقولها، أو تحقيق القدر الضروري من العلم الشرعي الذي يثمر صفاء العقيدة وصلاح العمل واستقامة السلوك، أو الدأب في توفير متطلبات العيش الكريم، فإن المشغول بضروراته المادية معذور وغير قادر على حمل الهم الكبير.

وهذا الانشغال بالأمة يحدث انصهارًا وتوافقًا مع همومها ومشكلاتها وتطلعاتها، ويمنع من الاعتزال عنها، وإن الإحساس بالموقع، وبالمرحلة التاريخية، وتنوع التحديات الدولية والمحلية يملي علينا قائمة متجددة من الإلحاح والعناية بالقضايا والموضوعات والمحاور والبرامج، لا يفترض أن تكون متطابقة في كل وقت، بل يتم تحديثها ومراجعتها كلما دعت الحاجة.

ومن الضرورة بمكان أن تكون آلية المعالجة ولغة الخطاب منسجمة مع الموضوع المطروح، ومع الشريحة المستهدفة.

فإن الخطيب -مثلًا- يختار الموضوع الملائم للحال والمقام، ثم يختار الزاوية التي سيطرق الموضوع من خلالها، ثم يختار الأسلوب المناسب فمن مسألة علمية هادئة إلى وعظ مؤثر، إلى تحذير مندفع إلى مزيج من هذا وذاك. 

ولا يفترض أن يكرر الخطيب نفسه إن كان مبدعًا متجددًا، بل يعمد إلى التنويع المحبب الذي هو قاعدة كونية وسنة شرعية، والمؤكد أن نوع الاهتمام الذي يمنحه الإنسان لقضية قد يزيد وينقص، ويؤثر هذا في معالجته للقضية سلبًا وإيجابًا.

وكلما تعددت الموضوعات وتنوعت توزع الاهتمام بينها، والطاقة تظل محدودة.

وقد يحملنا الخوف على الإحجام عن اكتساب طرق أو وسائل جديدة للدعوة.

والخوف دافع فطري غريزي، لكنه لابد أن يمزج بغيره ويرشد حتى يعتدل وينضبط.

وقديمًا قال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: يجد للناس من الأقضية بقدر ما يجد لهم من الفجور. 

وإذا كان الاجتهاد الصحيح المنضبط الذي لم يتردد فيجمد، ولم يندفع فينفلت هو من أهم الثوابت الشرعية، فهو -أيضًا- أساس المتغيرات. 

ولقد كانت حرب الخليج الثانية دقًا لطبول مرحلة جديدة الملامح والسمات والآليات سموها النظام العالمي الجديد، القائم على أنقاض الحرب الباردة، وكان من الواضح لكل ذي عينين أن هذا النظام الجديد، سيوفر شيئًا من الحريات المتنوعة ويدعو إلى حقوق الإنسان إلى حقوق المرأة، إلى عولمة الاقتصاد وأنماط السلوك.

وكان جديرًا أن يتحقق شيء من المبادأة الإسلامية التي تكسر الروتين المعتاد بالتفوق العلماني الذي يقدم نفسه وكأنه نصير حرية التعبير وحرية الفكر وحرية الإبداع.

وإن مشاركة أولياء الإسلام وتسارعهم في عرض التصور الأمثل للحرية التعبيرية المنضبطة بضوابط الشرع البعيدة عن العدوان على النفس أو على الآخرين، لا يعني بحال أنهم يجب أن يكونوا ضد السلم الاجتماعي الذي لا بقاء للأمة ولا للدعوة إلا به، وهكذا طرح شعار الكلمة الحرة ضمان، وهذا لا يعني بحال تجاهل الانضباط الشرعي الذي يوفر استقرارًا للدعوة، وقبله للأمة.

كما أن ثمة خطين أحمرين كنا وما زلنا نعتقد بوجوب الحذر منهما في هذا السياق:

 أولهما الغلو في الدين، فإنما أهلك الناس الغلو في الدين، وفتنة الغلو هي أول فتنة حدثت في الإسلام، وترتب عليها شرخ هائل في كيان الأمة، واستحلال بعضهم دماء بعض وأموالهم. 

والثاني: هو نتيجة عن الأول وتفريع عليه وهو اعتماد أساليب المواجهة والقوة في الدعوة والإصلاح في ظل ظروف وأوضاع تجعل هذا الخيار إلغاء للفرص الضخمة الممكنة، وحرمانًا من المشاركة في مؤسسات الأمة القائمة وإمكانياتها الهائلة للتواصل والتغيير والتأثير.

إن المكاسب التي تزخر بها بلاد الإسلام توجب على الدعاة طرح أسلوب المشاركة المتميزة في الواقع العملي، فهو المحك والميدان الحقيقي لاختبار القدرة على الإصلاح إذ الشعار المجرد لا يكفي، وقد يرفع أحيانًا لمجرد التحدي وإثبات عجز الآخرين.

 يقف كثير من الشباب في حيرة من أمرهم، عندما يسمعون الفتاوى من العلماء فترى عالماً في مسألة ما يجيزها، والعالم الآخر يحرمها، فلا يدري الشاب من يتبع! في نظركم الشخصي كيف يعمل الشاب في هذه الحالة، وهل إذا أفتى العالم برئت ذمة المستفتي؟

- الخلاف الفقهي والاجتهادي المبني على النظر والتأمل في الأدلة والوقائع نتيجة طبيعية لتفاوت أنظار المجتهدين وسعة مدركاتهم، ولهذا يجب أن يكون مقبولًا من حيث المبدأ، وألا نضيق به والأمة اليوم تحتاج إلى تربيتها على قبول التعددية العلمية المبنية على الاجتهاد وليس على الهوى.

وفي تقديري أن المسائل المهمة والكبيرة يجب ألا ينظر فيها إلى أي قول بقطع النظر عن قائله، بل يفترض ألا يخوض فيها إلا أولو الخبرة والبصيرة وربما أكثر من ذلك أنها تحتاج إلى اجتهاد جماعي مرسم يشارك فيه أهل العلم والتحصيل وأهل الرعاية والعناية بأحوال الأمة ممن لهم فضل وسابقة.

أما عن المتلقين إذا كانوا لا يعلمون فشأنهم

كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(النحل: 43)، فيختارون من الأقوال ما يرونه أصوب وأقرب أو يختارون من العلماء من يرونه أتقى لله وأفقه في دينه.

 ماذا عن العلاقة بين الدعوة والمجتمع بكل أطيافه ومؤسساته؟

- يفترض أن تكون صناعة مشاريع الدعوة داخلية أي أنها تتحرك داخل المجتمع لصناعة الإصلاح الاجتماعي.

ثمة ضرورة فطرية أن الدين هو سياج الأخلاق والأمن، ومن هنا، فإن الدعوة ليست مفهومًا لملاحقة أخطاء المجتمع فحسب، أو رسم صورة من الصراع بين طرف وآخر الدعوة مفهوم مبادرة وأولوية في الترتيب الاجتماعي، وحينما نتحدث عن التطور، فإننا بحاجة إلى إدراك حضارية الإسلام حتى نقدم إجابة معقولة لكثيرين يلحون على الذوق الحضاري والنمطية الحضارية، لكنهم قد يمارسون نقلًا لنماذج أو مشاريع من الغرب هذه مسؤولية تتحرك في التأثير على سيادة الأمة ويجب أن تفكر كل المجموعات الاجتماعية بمسؤوليتها، إننا نخطئ حينما نفترض أننا نتسابق لتحقيق مصالح خاصة، إننا أمناء أمام الله والتاريخ على أمتنا، لماذا الغرب جاد في سيادته وحقوق أمته حتى على حساب الآخرين؟

نحن يجب أن نتحرك بعدل وأمانة مع كل أحد لكن يجب أن نقدر أن الدين ضرورة للمجتمع باعتباره رسالة الله لخلقه وباعتباره قاعدة المصالح الآدمية.

 ننتقل بالحديث إلى قضية أخرى، مع وجود الفضائيات وشبكة المعلومات «الإنترنت» هل ترون أن الشريط الإسلامي والكتاب انقرض دورهما من الساحة أم أنهما لا يزالان يؤديان رسالتيهما؟

- من المؤكد أن الوسائل لها حكم الغايات كما يقول الأصوليون، ومن هذا المبدأ يصبح اعتماد أي وسيلة جديدة محتمًا إذا كانت فاعلة ومفيدة، ما لم تكن محرمة في ذاتها.

وقد يتفاوت تأثير وسيلة عن غيرها بين وقت وآخر، لكن هذا لا يعني العزوف عن القديم، إن الكتاب من أقدم وسائل الدعوة والتعليم، وهو يظل اليوم حاضرًا برغم المزاحمة والمنافسة القوية من الإذاعة والتلفاز، والإنترنت والصحافة، وتشهد بهذا معارض الكتب التي تقام في عواصم الدول الإسلامية.

إن دخول عنصر جديد في الميدان لا يستلزم إقصاء غيره، فإن الواقع المشهود أن للشريط الإسلامي دوره الفاعل، ويكفي أن المادة الواحدة ينسخ منها الآن ملايين الأشرطة، ويستفيد منها الإنسان في السيارة والمنزل وغيرهما، وينتفع منها القارئ وغير القارئ.

ولعل من المفيد أن يكون ثمة تنافس شريف يحدو إلى الإبداع والتجديد والتطوير، لأن ركود الوسيلة يقلل من ثمرتها وفاعليتها، وتقديمها للمتلقي بأسهل الطرق وأبخس الأثمان.

الرابط المختصر :