; الشيخ عبد الحميد السائح لـ«المجتمع»: عداء اليهود ديني ومشاريع السلام جوفاء | مجلة المجتمع

العنوان الشيخ عبد الحميد السائح لـ«المجتمع»: عداء اليهود ديني ومشاريع السلام جوفاء

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 17-مارس-1987

مشاهدات 106

نشر في العدد 809

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 17-مارس-1987

  • منطلق الدعوة ومبدأ الإسراء كمنتهى الإسراء ومنطق المعراج يجب على المسلمين أن يحتفظوا بهما بعيدًا عن الشرك والطغيان والظلم والفساد
  •  أريد أن أوضح أن الفلسطينيين لا مطمع لهم في لبنان.
  • البيت الحرام والمسجد الأقصى هما أول مسجدين بُنيا في الأرض.

في فندق «بلازا» بالكويت كان لقاء «المجتمع» مع الشيخ عبدالحميد السائح رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، حيث دار الحوار صريحًا وشاملًا وعميقًا كشف من خلاله الشيخ السائح عن علم وافر بأمور الدين والقضية مستشهدًا بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وأحداث تاريخية تثبت ارتباط القدس وفلسطين بالإسلام ارتباطًا لا فكاك له.. فلنقرأ.. ولنتأمل:

  • المجتمع: شيخ عبدالحميد، نرجو أن تعطينا فكرة عن سبب حضوركم للكويت؟

الشيخ السائح: بسم الله الرحمن الرحيم، إن الكويت الشقيق أعتبره عربيًا في نزعته إسلاميًّا في اتجاهاته، لذلك فإنني إذا سنحت لي أية فرصة لزيارة هذا البلد العزيز والاجتماع مع قادته وزعمائه وجمهور شعبه فإنني لا أقصر ولا أتأخر، وخاصة إذا كان السبب أو المناسبة يتعلق أما بقضية فلسطين وقضية الإسلام العامة، أو كان يتعلق بأي شأن من الشؤون الإسلامية الهامة، ولذلك تراني قد حضرت في مؤتمر القمة الإسلامية الذي انعقد قريبًا وكنت في الوفد الفلسطيني الذي مثل فلسطين في تلك القمة، وأما الآن فإن المناسبة كانت إسلامية حيث إن بيت التمويل الكويتي بصفته بنكًا إسلاميًّا يحرص على أن يقوم بتنمية الأموال بطريقة شرعية بعيدة عن الحرام وبعيدة عن الربا فإنني اهتممت بإجابة دعوته، وأنا أرى أن تشجيع هذه البنوك على القيام بمهماتها وتسهيل سير عملًا يكون من الواجبات الشرعية، وذلك لأن أطماحي وأطماح كل المسلمين والمؤمنين برسالاته أن يسود هذه المجتمعات الإسلامية حكم الله سبحانه بما فيه من إشراقات إلهية، وبما فيه من نفحات روحية يسود العالم لهدايته وإرشاده إلى طريق خيره وصوابه.

وأنا أعتبر أن البنوك الإسلامية تحقق للجماهير مطلبًا عظيمًا، وتعتبر مَعْلمًا من معالم الإسلام، فإذا كان لم يتسنَّ لنا حتى الآن أن نقيم دولة إسلامية بمعناها الكامل بحيث تشمل جميع نواحي الحياة فإن إقامة المستشفيات الإسلامية والجامعات الإسلامية والبنوك الإسلامية يعتبر خطوة في سبيل تحقيق ذلك الهدف السامي فضلًا عن أنها تحقق لنا جميعًا رغبة من رغباتنا وأمنية من أمانينا وهي أن نبتعد عن التعامل في الربا الذي حرمه الله وآذن  القائمين بهذه المعصية الكبيرة بحرب من الله ورسوله، وهذا إنذار لم يوجه إلى  أيَّةِ كبيرة من الكبائر وإلى أي ذنب من الذنوب.

وبذلك بادرت إلى الحضور لأساهم في محاولة لحل مشكلة من المشاكل التي يصادفها بيت التمويل الكويتي، والموضوع الذي اخترته «خيار الشرط في البيع»  وذلك لأن بيوت التمويل الإسلامية والبنوك الإسلامية قد تعرض لكي تشتري صفقة كبيرة بمبلغ كبير تعرضها على شركة من الشركات، قبل أن تلتزم هذه البنوك الإسلامية بمسؤولية مالية ضخمة تريد أن تتحقق أن لها الحق في أن تعدل عن هذا البيع ضمن فترة معينة حتى تتحقق مما إذا كان الطرف الآخر يريد حقيقة أن يشتري هذه الصفقة أم لا، وقد شاركت في هذا الموضوع، وجرى نقاش فيه، وشارك فيه نحو أربعة عشر عالمًا من علماء المسلمين وستظهر نتائج قراراته وتوصياته بعد يومين حيث ينتهي المؤتمر إن شاء الله بخير.

المجتمع: شيخ عبدالحميد، أنت الآن رئيس المجلس الوطني الفلسطيني وهذه صفة رسمية، وأنت أيضًا شيخ أزهري وتقلبت في مناصب شرعية كثيرة.. نرجو أن تعطينا رأيك فيما هو الحل الإسلامي للقضية الفلسطينية وعمَّا إذا كان ما يجري الآن من محاولات للحل يتفق مع شرع الله ومنهجه؟

الشيخ السائح: في الحقيقة، إن فلسطين بعامة، والقدس منها بخاصة لها في الإسلام أهمية كبرى، وأنا منذ نعومة أظفاري وأنا أهتم بالقدس وأنظر إليها نظرة التقديس وأرى منذ الاحتلال الإسرائيلي أن ثُلمة كبيرة قد أصابت الإسلام وأصابت عزة المسلمين باحتلال القدس وخروجها من الحوزة الإسلامية.

القدس فيها المسجد الأقصى المبارك، القدس فيها منتهى إسراء رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي سجل في القرآن الكريم بقوله سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء: 1).

هذه القدس كانت منتهى الإسراء وكانت مبدأ ومنطلق المعراج، حيث إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد إلى السماوات العُلا إلى سدرة المنتهى إلى حيث علم الله حيث تلقى الأمر بالصلوات الخمس، وهي فريضة من فرائض الله سبحانه وتعالى على عباده.

ومنذ فرضت هذه الصلاة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بأن يتجهوا إلى المسجد الأقصى باعتباره هو القبلة الأولى وباعتباره هو ثالث الحرمين الشريفين. وحينما فرضت الصلاة ورسول الله كان في مكة والكعبة بين يديه اتجه إلى القدس في الصلاة ثم هاجر إلى المدينة، وبقي نحو ستة عشر شهرًا وهو يتجه أيضًا إلى القدس في صلواته.

ولكن هناك نقطة ربما لا يدركها الكثير من الناس.. حينما كان يتجه صلى الله عليه وسلم إلى القدس كانت مكة بين يديه وكانت الكعبة أمامه، ومكة كما نعلم هي موطن ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنطلق الدعوة الإسلامية، فلما هاجر إلى المدينة أصبحت مكة في ظهر رسول الله وخلفه ولذلك فإن رسول الله لا يرضيه ولا تطمئن نفسه إلى أن تكون منطلق الدعوة ومركز ولادته صلى الله عليه وسلم خلف ظهره، فأخذ يتوجه ويتأمل ويطلب من الله سبحانه وتعالى أن يوجهه إلى قبلة تزيل هذا القلق من نفسه ولذلك قال سبحانه: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (البقرة: 144).

فإذن بعد أن تثبتت الغاية من توجُّه المسلمين إلى المسجد الأقصى، واستقر في نفوسهم أنه هو القبلة الأولى، وأنه هو المسجد الذي أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إليه وانطلق صلى الله عليه وسلم منه بمعراجه إلى السماوات العلا بعد أن تمَّ ذلك واستقر، أَمَرَهُ الله سبحانه وتعالى بأن يتجه إلى البيت الحرام فتحولت القبلة، وتحول اتجاه الصلاة.

يضاف إلى ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه، أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله: أي مسجدين وضعا في الأرض أول؟ فقال: البيت الحرام، قال: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. فإذن يعتبر البيت الحرام والمسجد الأقصى هما أول مسجدين بُنِيَا في الأرض، الأول المسجد الحرام ثم المسجد الأقصى، فأراد الله سبحانه وتعالى بحكمةٍ يعلمها سبحانه أن يشعر المسلمون بأن بين القدس وبين مكة، وبين البيت الحرام والمسجد الأقصى ارتباطًا وثيقًا يتعلق بالعقيدة ويرتبط بالقرآن الكريم.

وحينما نزلت هذه الآية كانت مكة مركزًا لصناديد الكفر والشرك، ولم تكن بيد المسلمين، وحينما نزلت الآية كانت القدس بيد الرومان خارجة عن حوزة المسلمين، ومع هذا وقع الإسراء من مكة إلى المسجد الأقصى ليشير بذلك إلى أن منطلق الدعوة ومبدأ الأسوأ كمنتهى الإسراء ومنطلق المعراج يجب على المسلمين أن يحتفظا بهما بعيدًا عن الشرك والطغيان والظلم والفساد.

وقد تيسر للنبي صلى الله عليه وسلم في حياته أن طهر البيت الحرام، وأن رفع رايات التوحيد فيه، وأن أزال كل الظلام والظلمات من حول المسجد الحرام ولكن بالنسبة للمسجد الأقصى حاول وأراد، ولكن حكمة الله قضت بأن يتأخر الفتح المادِّي للقدس إلى ما بعد وفاة رسول الله وانتقاله إلى الرفيق الأعلى.

ولذلك ورد في حديث عوف بن مالك أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لعوف: يا عوف اعدد ستًّا بعد موتي. وكان الثاني منها فتح القدس، فإذا أُعلم النبي صلى الله عليه وسلم وما ينطق عن الهوى أن فتح القدس سيكون بعد وفاته، وقد تيسَّر هذا على يد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وبذلك تم الفتح المادي للقدس، والانتصار المادي للإسلام بعد أن تم الفتح الروحاني والانتصار الروحاني بإسراء رسول الله صلى الله عليه وسلم  إليه، وبذلك أصبحت القدس مركزًا من مراكز الإسلام العليا، وكانت مرحلة مرَّ فيها الإسلام اتجه فيها المسلمون إلى المسجد الأقصى يبتهلون إلى الله، ويصلون إليه، حتى يشعروا بأهمية القدس، وبأهمية الأقصى.

فإذن، ارتبطت القدس بعقيدة الإسلام وارتبطت القدس بالقرآن، بحيث إن من يشك في إسراء رسول الله من البيت الحرام إلى المسجد الأقصى لا يكون من المؤمنين، وبحيث من كان عنده قدرة على أن يساعد في تحرير القدس ولم يساعد لا يكون قد أدَّى واجبه ولا يكون قد أرضى ربه ولذلك يقول الله سبحانه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ   إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (سورة الحجرات: 14- 15).

«أولئك هم الصادقون» جملة اسمية معرفة الطرفين، ويقول علماء البلاغة: إن الجملة الاسمية معرفة الطرفين تفيد الحصر، فكان الله يقول: هؤلاء هم الصادقون، وأما الآخرون الذين لا يجاهدون بأموالهم وأنفسهم وهم قادرون على ذلك فليسوا صادقين في إيمانهم، مما يجعل للقدس مكانة عظمى ويجعل للقدس علاقة وُثقى بين كل مؤمن بالله ورسوله سواء كان في الصين أو في أوروبا أو في أميركا أو في إفريقيا أو في آسيا أو في القدس أو في أي بلد من بلاد العالم، ويشعر المؤمن بأن إيمانه ودينه وقرآنه يدعوانه ليساهم بقدر استطاعته في تحرير القدس، فإذا كان مستطيعًا أن يحررها بجيش ولم يفعل فقد ارتكب معصية كبرى، وإذا كان يستطيع أن يساهم بأمواله جهادًا في سبيل الله ولم يفعل فقد ارتكب إثمًا كبيرًا، ولذلك نقول: إن القدس أصبحت بعد إسراء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها، وبعد فتحها في عهد عمر أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه أمانة في أعناق المسلمين لا يجوز لهم أن يتساهلوا في ضرورة إعادتها ولا في ضرورة الجهاد في سبيل الله من أجل إنقاذها.

كان نور الدين الشهيد رحمه الله في حلب، وكان يرى عابسًا في أيام الصليبيين فسُئل رحمه الله: لماذا لا نراك إلا عابسًا؟ -وهو خال صلاح الدين- قال لهم: وكيف أبتسم وأضحك والقدس والمسجد الأقصى أسير بيد أعداء الله، هذا هو الإيمان الصحيح الذي يحمل صاحبه على أن يشعر بواجبه نحو القدس والسعي في سبيل تحريرها، ولذلك قيل لكي تفتح القدس أعد نور الدين جماعة من خيرة المهندسين حينئذ ليهيئوا المنبر الذي  نقل بعدئذ إلى المسجد الأقصى أعده ووضعه أمانة في مسجد حلب حتى يأخذه بعد فتح القدس إلى المسجد الأقصى ولكن الله اختاره إلى جواره قبل أن يحقق أمنيته فحققها صلاح الدين الأيوبي ونقل ذلك المنير إلى المسجد الأقصى الذي أحرقه اليهود في سنة 1969، وكان هذا المنبر من معالم الإسلام إلى أن قضى عليه اليهود الصهاينة المجرمون ولم يبق منه أي أثر.

لذلك فأنا أقول: إن عداء اليهود لنا هو عداء دينِي، يشعرون أنهم يجب أن يستعيدوا القدس وهم لم يملكوها في وقت من الأوقات ملكًا تامًا، ولم يملكوا فلسطين ملكًا تامًا إنما هم حكموا منذ عهد داود عليه السلام وعهد ابنه سليمان فترة من الوقت ثم انقسمت الدولة إلى شطرين شمالية وجنوبية، وبعدئذ اندثر الحكم اليهودي.

هؤلاء اليهود يزعمون أن لهم هيكلًا في القدس هو هيكل سليمان، هيكل سليمان كان عبارة عن مكان عبادة كأن تقول: بيت الله واليهود أقاموا عدة هياكل، ولكن نتيجة لخلافهم وفسادهم فإنها كانت تُهدم  وآخرها الهيكل الثالث الذي هدمه تيطس إمبراطور الرومان، ثم في أيام أدريان سنة 135 م قضى على آثار الهيكل ووضع مكانه ناديًا ليليًّا ليتمتع هو وجماعته في ذلك المكان تمتعًا شهوانيًّا حتى لا يبقى لليهود أثرًا وأجلاهم عن القدس، ومنهم من ذهب إلى بابل، ومنهم من ذهب إلى عسقلان ولم يعد اليهود إلى القدس إلا منذ عهد صلاح الدين رضي الله تعالى عنه ورحمه الله، فبعد أن عامل النصارى معاملة رفيعة سمحة أراد أن يعامل اليهود أيضًا معاملة سمحة فسمح لهم بأن يعودوا إلى القدس ليؤدوا فيها مشاعرهم الدينية وليرضوا عواطفهم مما يدل على سماحة الإسلام وعظمة الإسلام وميله لحل المشاكل بطريق السلام بعد أن تتحقق عزة المسلمين وعظمتهم وحفاظهم على حقوقهم، أما إذا كنا نريد أن ننظر لما يعرض في الساحة أو لما يفكر فيه البعض في الساحة العالمية في الوقت الحاضر، فالحقيقة أن كل ما يقال عن مشاريع السلام إنما هي أقوال جوفاء لا تستند إلى عزيمة ولا إلى إرادة، فضلا عن أنها لا تستند إلى مخطط صحيح يعيد للمسلمين والعرب حقوقهم في هذه المدينة المقدسة ولا في فلسطين كلها، وإنما يريدون من الناس أن يخضعوا ويركعوا ويستذلوا لهم بمثل ما فعل السادات وغير السادات من كامب ديفيد وأمثاله، مع أن هذا يتنافَى مع عزة المؤمنين، المؤمنون لا يستذلون ولا يستسلمون ولا يركعون لغير الله ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: 8) المسلمون دائما يشعرون بالكرامة والعزة ولكن ليس معنى هذا أنهم يريدون أن يريقوا دماء الغير من غير سبب ولا عدوان الله تعالى يقول: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: 190).

وهناك آية أخرى أريد أن أوضحها حتى يعلمها المسلمون وهي قولة تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (الأنفال: 61) نعم.. ولكن الآية التي قبلها: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (الأنفال: 60) يعني بعد أن يستعد المسلمون ويكونوا أقوياء وفي درجة الاستعداد لضرب العدو وتخليص حقهم منه، وجاء العدو يقول: أنا مستعد أن أعيد إليكم حقوقكم فلا ضرورة لمقاتلته ولا معاداته.. حينئذ نستجيب للسلام؛ لأن الهدف ليس هو القتل وإنما الوصول إلى الحقوق ومنع العدوان، فإذا استطعنا أن نمنع ظلم اليهود ومن وراء اليهود من الأميركان وغيرهم، وإذا استطعنا أن نحول دون عدوان اليهود فإننا لا نريد أن نقاتل لا يهودَ ولا غير يهود وإنما نريد أن نرفع راية الإسلام، وراية العزة والكرامة فوق المسجد الأقصى، وفوق منابر القدس إن شاء الله.

المجتمع: نرجو أن تعطينا صورة عن وضع المخيمات الفلسطينية في لبنان في الوقت الحاضر؟

الشيخ السائح: أولًا: أريد أن أوضح أن الفلسطينيين لا مطمع لهم في لبنان، ويجب ألا يكون لهم مطمع في لبنان لأنهم ضيوف على لبنان الشقيق، ولكن لا يجوز أن يُعتدى عليهم ولا أن ينزع سلاحهم لأنه إذا  نزع سلاحهم يطمع فيهم العدو الصهيوني أكثر، ولذلك كل ما نرجوه أن تتضافر قوى الخير للضغط على «برِّي» وعلى غير «برِّي» ممن يسانده في خطته وفي عمله أن يبتعدوا عن الضغط على الفلسطينيين، وأن يرفعوا حصارهم عن جميع المخيمات، وأن ييسروا وصول الغذاء والدواء والماء لجميع المخيمات حتى يتمكن هؤلاء الأطفال والنساء والشيوخ من أن يستمروا في حياتهم وأن يتلقوا وعد الله وألا يستسلموا لعدو الله.

وأرجو من الإخوة القادة العرب والقادة المسلمين أن يعملوا جميعًا بموجب هذا التوجيه وأن يحققوا هذه الأمنية وإلا فإن الفلسطينيين في مخيماتهم تزداد مآسيهم وما يعانون من شر وبلاء، وأرجو الله سبحانه أن يهدينا جميعًا إلى طريق الصواب والرشاد، وأن يهدي قادتنا وإخواننا إلى طريق يحفظ عزتنا وكرامتنا ويبعد عنا شر أعدائنا ومصائبنا.

المجتمع: هل هناك نصيحة تقدمها لفصائل المقاومة الفلسطينية وللشباب الفلسطيني وللشباب المسلم بعامة؟

الشيخ السائح: النصيحة التي يهمني أن أوجهها لإخواني في فلسطين، وإخواني العرب والمسلمين هي أن عليهم أن يقدروا المحنة الكبرى التي وقع فيها المسلمون، حضارتهم وعقيدتهم ووجودهم نتيجة احتلال القدس ونتيجة الغطرسة والهيمنة الصهيونية، ولذلك يجب عليهم أن يتضامنوا عملًا بقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: 103) ويجب عليهم أن يخرجوا من هذه المحنة بقوة وتركيز على قواعد ثابتة مبنية على قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال:46) فإذا لا يجوز أن نستمر في خلافاتنا؛ لأن خلافاتنا تؤدي إلى أن يطمع العدو فينا، وإلى أن تضعف مقاومتنا لهم، وإلى أن يضعف مقابلة تحديهم لنا بتحد مماثل؛ لذلك فأنا أرجو من إخوتي الفلسطينيين حيثما وجدوا أن يعملوا على إزالة ما بينهم من خلافات، وأن يتضامنوا هم وإخوانهم العرب والمسلمون في صف واحد حتى يستطيعوا أن يقابلوا هذه الهجمة الصهيونية بقوة وتراص.. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا تختلفوا.. فإن من قبلكم اختلفوا فهلكوا.

فإن الاختلاف يؤدي إلى النزاع ويؤدي إلى إضعاف القوة وهذا يعود بالضرر الكبير على قضيتنا وعلى عقيدتنا وعلى مقدساتنا، ويعطي لخصمنا فرصة أن يزداد قوة وتحديًا لنا، ولذلك أرجو من الجميع أن يعمل بتوجيه هذه النصيحة وإزالة أسباب الخلاف وإسدال الستار على ما بينهم من خلافات ثانوية، وأن نعمل جميعًا على أن نتقوَّى باعتصامنا بحبل الله، والله تعالى يقول: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد:7).

المجتمع: نشكر الشيخ عبد الحميد السائح رئيس المجلس الوطني الفلسطيني على هذا اللقاء الزاخر، الذي أحاط بهموم هذه الأمة فشخَّص الداء وأوصى بالدواء الذي فيه الشفاء، وهو العودة إلى التمسُّك بحبل الله المتين والجهاد في سبيله لاستعادة القدس وكل فلسطين وهو واجب ديني على كل المسلمين، ومن فرَّط فيه فهو آثم.. نسأل الله أن يوفقنا جميعًا للسير على هُدَى قرآنه الكريم ونهج رسوله الأمين.

الرابط المختصر :