; الشيخ عكرمة صبري: الأقصى محاصر.. والقدس ثكنة عسكرية في رمضان | مجلة المجتمع

العنوان الشيخ عكرمة صبري: الأقصى محاصر.. والقدس ثكنة عسكرية في رمضان

الكاتب مصطفى صبري

تاريخ النشر السبت 29-سبتمبر-2007

مشاهدات 57

نشر في العدد 1771

نشر في الصفحة 46

السبت 29-سبتمبر-2007

كان عدد المصلين يصل إلى ٤٠٠ ألف في كل جمعة رمضانية.. انخفض الآن إلى نحو النصف السلطات الصهيونية تمنع قراء ومبعوثي الأزهر من المشاركة في إحياء ليالي رمضان داخل المسجد منذ أربعة أعوام.

في شهر رمضان من كل عام تقوم الشرطة الصهيونية بمحاصرة المسجد الأقصى بشكل محكم، وتمنع الفلسطينيين من أبناء الضفة الغربية من دخوله إلا من خلال تصريح، غالبًا- لا يمنح أو بشرط أن يزيد من الشخص على خمسين عامًا.

الشيخ عكرمة صبري، مفتي القدس والديار الفلسطينية السابق، وخطيب المسجد الأقصى ورئيس الهيئة الإسلامية العليا يروي لـ«المجتمع» ما يجري داخل المسجد في هذا الشهر المبارك، مؤكدًا أن الاحتلال الصهيوني يجعل القدس «ثكنة عسكرية».

بداية يقول الشيخ: يشهد شهر رمضان الحالي هجمة استيطانية على أملاك القدس المحيطة بالمسجد الأقصى من جهتيه الجنوبية والغربية، والمدينة الآن في حال يرثى لها، وأصبح الخطر محدقًا بها أكثر من أي وقت مضى، فالاستيطان والمصادرات تسابق الزمن داخل القدس من جهة، وحفريات حي المغاربة وإقامة كنيس على بعد عدة أمتار من مسجد قبة الصخرة، وجدار الفصل العنصري حول المدينة، فيما يعرف بـ«حاضن القدس» من جهة أخرى.

ويضيف الشيخ عكرمة موضحًا: أقيم الجدار العنصري من أجل عزل القدس عن محيطها، وهو من أبشع صور التهويد للمدينة، إذ يضطر المصلون القادمون إلى المسجد الأقصى من مدن الضفة الغربية إلى القفز على البوابات العنصرية، وتسلق الجدار بسلالم خشبية تشكل خطرًا على حياتهم، أو الدخول عبر أنابيب إسمنتية واسعة مخصصة لمياه الأمطار ومياه الصرف الصحي، أو الدخول حبوًا وزحفًا على البطون من تحت الأسلاك الشائكة، أو المشي بين الجمال والوديان المحيطة بالقدس، والتعرض لملاحقة الكلاب البوليسية ومركبات «التراكتورون» والطائرات العمودية لهم، برًا وجوًا.

ومن ينجح في الوصول إلى مشارف القدس يجد أفراد الشرطة الصهيونية يقفون له بالمرصاد على أبواب المدينة التاريخية والدينية؛ فيختارون من يبدو عليه وعثاء السفر؛ فيعتقلونه ويخرجونه من المدينة بعد دفع غرامة مالية، رغم نجاحه في الوصول إلى المسجد الأقصى بعد رحلة شاقة عاني فيها ويلات المطاردة والترقب.

إعمار... رغم الحصار

ورغم تشديد الحصار حول أولى القبلتين، إلا أن أعدادًا كبيرة تتمكن من الوصول، ويتم إعمار المسجد الأقصى وتكثر فيه حلقات الوعظ والعلم، وتزدحم ساحاته بالمصلين القادمين من أنحاء الضفة الغربية من فلسطينيي ١٩٤٨م.

وبعد صلاة العشاء يغلق أفراد الشرطة الصهيونية أبواب المسجد بذريعة الأمن، ويحرم المصلون من الذهاب إلى سوق المدينة أو حتى إلى الحمامات خارج أسوار الأقصى، ويشكل هذا الإجراء عبثًا إضافيًا على المصلين، إلا أنهم يتحملون، في سبيل إعمار «ثالث الحرمين» في شهر رمضان المبارك ، أي صعاب ومشاق من قبل بني صهيون.

يقول خطيب الأقصى: لشهر رمضان رونق ومذاق خاص في القدس، فهناك عشر حلقات علم رسمية يومية داخل المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة، بالإضافة إلى حلقات الدعاة في الساحات الخارجية، وقبل إقامة الجدار العنصري، كان عدد المصلين، في كل جمعة رمضانية يصل إلى أربعمائة ألف، أما الآن فقد انخفض العدد إلى نحو النصف، ويقترب عدد المصلين في صلوات العشاء والتراويح والفجر من العشرين ألفًا في كل صلاة، ويتم تزيين البلدة القديمة بالأضواء الملونة والزينات احتفاء بحلول الشهر المبارك، وتأتي بعض فرق الإنشاد الديني إلى باحة الأقصى للترويح على المصلين، وكان عدد من مقرئي القرآن ومبعوثي الأزهر يشاركون في إحياء ليالي رمضان داخل المسجد، إلا أن السلطات الصهيونية منعتهم منذ أكثر من أربع سنوات من دخول الأراضي الفلسطينية.

ويضيف الشيخ صبري: انخفض عدد خطباء المسجد الأقصى إلى النصف بسبب إجراءات الاحتلال الصهيوني، فقبل الحصار والجدار كان هناك ستة خطباء، ومنع كل من الشيخ الداعية الأسير «حامد البيتاوي» والشيخ «إسماعيل نواهضة» والشيخ «حيان الإدريس» من دخول القدس والخطابة، وهذا يشير إلى حجم التضييقات التي يتعرض لها المسجد المبارك.

بكاء.. ونحيب

ورغم إغلاق المسجد الأقصى بعد صلاة العشاء وعدم السماح لأحد بالمبيت داخله في سائر شهور العام، إلا أنه يفتح أبوابه طوال شهر رمضان المبارك أمام المعتكفين من أبناء فلسطين، ويسمع بكاء العاكفين الذين يتلون القرآن، ونحيب القائمين والركع السجود، وتنتشر حلقات العلم في رحاب الأقصى، وفي المصلى المرواني أسفل المسجد الذي يعمره المتطوعون من أبناء فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م، وفي مقدمتهم الشيخ الداعية رائد صلاح الذي أصيب مؤخرًا بشظايا قنابل صوتية وغازية أطلقتها قوات الاحتلال.

 ويتجول أفراد الشرطة الصهيونية في ساحات الأقصى الخارجية متعجبين من كثافة أعداد المصلين طوال شهر رمضان وإخلاصهم وإعمارهم لمسجدهم، رغم سياسة الحصار والمنع.

منبر صلاح الدين: وكما كان والده القاضي سعيد صبري آخر من خطب على منبر صلاح الدين قبل قيام متطرف يهودي بحرقه في ٢١ أغسطس من العام ١٩٦٩م، فإن الشيخ «عكرمة صبري» هو أول من خطب على المنبر الجديد الذي تم بناؤه وتركيبه في الأردن وإحضاره إلى الأقصى في شهر مارس الماضي.

يقول الشيخ: رغم وجود هذا المنبر الذي تمت صناعته بصورة تكاد تشبه هيئته الأصلية، إلا أن مشاعر المصلين تنتظر وتترقب ظروفًا مشابهة لتلك التي أحضر بها القائد صلاح الدين الأيوبي المنبر، وهي ظروف الانتصار على المحتلين.

ويضيف: الحريق الذي تعرض له المسجد الأقصى تجددت صوره بالاعتداءات والحفريات، ومصادرة الأملاك وبناء الكنس، واقتحام ساحات المسجد من قبل متطرفين تحت حماية أفراد الشرطة الصهيونية.

شاهد على الحريق

ويسترجع الشيخ عكرمة صبري الذكريات المؤلمة لحرق المسجد الأقصى عام ١٩٦٩م، فيقول: حدث الحريق يوم الخميس، وكنت وقتها مديرًا لمدرسة شرعية في القدس، ولم أكن أرتدي زي العلماء، وعندما شب الحريق هرولت أنا والشيوخ والشباب والنساء والأطفال وقمنا بنقل الماء والأتربة إلى سطح المسجد لإخماد الحريق.. وكنا نكبر وكانت المشاعر ملتهبة متوقدة، ولم نعرف وقتها التعب ولم يتسلل إلينا اليأس، لأن قوانا ومشاعرنا كانت منصبة لإنقاذ المسجد الأقصى، وعندما عدت إلى المنزل خلعت ملابسي، ورفضت غسلها فترة طويلة، وكنت أحضرها كل يوم لأشم رائحة الحريق.

ويتذكر قائلًا: كان والدي هو آخر من خطب على «منبر صلاح الدين» وبعد الحريق لم تعقد صلاة الجمعة في اليوم التالي، وكانت هذه طامة كبرى، وفي الجمعة الثانية خطب والدي بدون منبر، وكانت بداية الخطبة «وأزفت الآزفة» وأحتفظ بها حتى الآن في أرشيفي الخاص.

الرابط المختصر :