; الشيخ محمد الغزالي للمجتمع: الديمقراطية ليست هبة الحاكم للشعب | مجلة المجتمع

العنوان الشيخ محمد الغزالي للمجتمع: الديمقراطية ليست هبة الحاكم للشعب

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 03-يونيو-1986

مشاهدات 52

نشر في العدد 770

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 03-يونيو-1986

  • القاهرة: من مراسل المجتمع
    *الغزالي: ما نطلبه هو إحياء الحريات العامة ومراقبة الحكام واحترام الشورى.

    *الإسلاميون يطلبون تنفيذ الأحكام الشرعية وهو مطلب حق يساهم في توفير الحريات للجماهير.

    الحديث مع الداعية الإسلامي الكبير الشيخ محمد الغزالي حديث ممتع شيق نظرًا لما يتمتع به الشيخ الغزالي من خبرة ودراية في شؤون الدعوة الإسلامية ومعرفة دقيقة بأهم القضايا.

    والمشكلات التي يعاني منها العالم الإسلامي اليوم والتي حاول الشيخ الغزالي أن يسلط الضوء عليها خلال هذا الحوار.

    قلت لفضيلة الشيخ الغزالي: ما هي- في رأيكم- مطالب الإسلاميين من الحكومات، وخصوصًا في مجال الحريات العامة؟

    فأجاب: هذا السؤال يحتاج إلى قدر من التريث في الرد عليه، وإلى التأمل في بواعثه، لأني أنظر إلى بعض الناس نظرة تجعلهم في الموقف الحقيقي الذي ينتظر منهم.. إنهم يطلبون من الحكومات، وهذا حسن، ولكني أنتظر منهم أن يطلبوا من الحكومات، وألا يشغلهم الطلب عن الأعمال التي تفرض عليهم لأشخاصهم فقد رأيت أن بعض المطالبين بتطبيق الشريعة يطلب من الحكومات أن تحكم بما أنزل الله وهو شخصيًّا لا يحكم بما أنزل الله في نفسه ولا في عمله ولا بين إخوانه ولا عند جيرانه، وإنما يكتفي أن يطلب الحكم بما أنزل الله.

    والمفروض- كما قلت- أن يطلب من الآخرين وأن يعمل في الوقت نفسه بما يطلبه من غيره.. أتصور أن الإسلام في هذا العصر إذا كان أكثر من سبعين شعبة، فقد تكون الشعبة القائمة منه، والشائعة بين الناس وتعتبر حية بين ثلاثين وخمسة وثلاثين شعبة.. تبقى عشرات الشعب الأخرى لم تتحقق.. ولو أنني سئلت: هل يمكن أن يطبق الباقي جملة واحدة؟ لقلت: من ناحية الإمكان العقلي ممكن لكن من ناحية الإمكان العادي الطبيعي، لا بد أن نتدرج في إحياء الشُّعَب التي ماتت، وإذا كان لا بد أن نتدرج في إحياء الشُّعَب التي ماتت، وإذا كان لا بد من أولويات فإن أول ما أطلب إحياءه منها: الحريات العامة وحقوق الإنسان ومراقبة الحكَّام، واحترام الشورى والبحث في أجهزتها.. ما الذي تستعرضه، ما الذي تبحث فيه، كيف يؤخذ رأيها، كيف يلزم المسئولون بهذا الرأي، إلى آخر هذه الموضوعات التي عرفها الناس قبلنا في عصور الازدهار الإسلامي، وعرفتها دول العالم الآن فيما يسمَّى بالعالم الحر، وإن كان هناك عيب في العالم الحر من هذه النواحي، فإن عيبه أن احتكر هذه الحريات لنفسه، وضن بها على الآخرين، بل رأى أنه -وحده- الجدير بها، ولذلك لا يفكر في منحهم هذه الحريات أو في مساعدتهم على نيلها.

    سارق السر وسارق العلانية

    وقال فضيلة الشيخ الغزالي: وددت لو أن الإسلاميين جعلوا صيحتهم الأولى، بعد الإيمان بالله أن يوطدوا حقوق الإنسان وحريات الشعوب، وأن يقرروا أن الأمة هي التي تسيطر على الحاكم وأنها مصدر السلطة، الذي رأيته من قديم أن الحكومة الصحيحة هي إفراز طبيعي لشعب حي، وأن الحكومات الآثمة هي الحكومات التي تولد أو توجد بين شعوب هامدة ميتة، لا تحسن كلمة حق، ولا تدرك ما الذي يجب عليها، بإزاء ربها وإزاء نفسها وفي الحديث إذا رأيتم أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منها، أي أنها أسلمت روحها أو قاربت الموت ويوشك أن توضع تحت الثرى.

    الإسلاميون يطلبون تنفيذ الأحكام الشرعية، وتنفيذ الأحكام الشرعية حق، ولكني قلت، وما زلت أقول: إن ضمان الحريات وتوفيرها للجماهير، وجعل كل إنسان يحس أنه قادر على أخذ حقه، وعلى معاقبة من يسلبه هذا الحق، هذا هو العمل الأول قبل تنفيذ الحدود.. والسبب في هذا، أنه في غيبة الحرية، وغيبة الكرامة الشعبية، وغيبة رقابة الجماهير، فإنه يتولى الحكم من يسطُون على الحقوق ويستلبونها، سواء أكان الشعب يقظًا أو غافلًا، فإنهم بحيلة أو بأخرى قد يغتنون من الحرام، على حين يحتاج غيرهم إلى الضرورات.. وأخشى لو طبق الحد، والأوضاع على هذا النحو أن يتكرر ما قاله الحسن البصري قديمًا عندما كان في مجلسه يدرس للناس، فسمع ضجة خارج المسجد، فسأل: ما هذا؟ قالوا لصًّا سرق يقاد إلى الحاكم. فقال: سبحان الله! سارق السر يُسعى به إلى سارق العلانية؛ أي إن اللص الصغير الذي سرق ليلًا، يُسعى به إلى اللص الكبير الذي يسرق ليلًا ونهارًا.. وعندما تقطع يد هذا اللص، ويقطعها لص أكبر منه، فإننا لا نكون نفذنا الإسلام، بل نكون أقمنا الحد على الضعيف، وحمينا القوي أو تركناه دون أن نفكر في إقامة الحد عليه، وهو شر من المسكين الذي قطعت يده.

    حرية الفكر، لا حرية الهوى

    قلت لفضيلة الشيخ: إذن أنت ترى أن على الحركة الإسلامية أن تدعو أولًا إلى كفالة الحريات؟

    فأجاب: الأولويات التي أنبه إليها، هي كفالة الحريات.. أنا حَسَنُ الظن بالفطرة الإنسانية، واعتقادي أن الفطرة الإنسانية عندما تأخذ طريقها دون عوائق في هذه الدنيا، فهي تهتدي للحق وتعمل به وتحرص عليه.. صحيح هناك أناس يعرفون الحق ويجدونه، لكن هذا شذوذ، والقاعدة العامة أن الفطرة سليمة، وأن الحق يجب أن توفر له أسباب الظهور، فإذا ظهر فإن أكثر الناس يعتنقونه، ومن شذ شذ في النار.

    والحريات العامة، ليست حرية الهوى، ولكنها حرية الفكر.. حرية العقل. هناك فارق بين ترك الشهوات تعصف بالعقول، وتنطلق حيث أرادت لتجعل الإنسان حيوانًا.. لا، هناك فارق بين حرية الفساد، وبين حرية الفكر المتأنِّي الذي يبحث عن الحقيقة، ويريد إسعاد الناس بها.

    ما أحوج الأمة الإسلامية إلى أن تتكون فيها قاعدة شعبية حرة كريمة على نفسها، تريد أن تعرف واجبها فتؤديه، وحقوقها فتقوم بها وتنال ما لها وتؤدي ما عليها.. هذا هو الإسلام في حقيقته ولذلك ضمانات الحرية لا بد منها.

    الديمقراطية ليست هبة

    قلت لفضيلة الشيخ الغزالي: وماذا عن الديمقراطية؟

    فأجاب: الديمقراطية ليست هبة الحاكم للشعب.. والشعب ليس عبدًا توهب له الحرية فيتحرر، والحاكم ليس سيدًا يملك حق قطع الرقاب، وأن تنحني له الرؤوس دون سبب ولا دون معنى.. لا، الحاكم رجل نحن اخترناه- هذا هو المفهوم الإسلامي- ونستبقيه في مكانه، ما بقي ملائما لنا، ونقول له اذهب إلى بيتك ما دمنا نرى أنه لا معنى لوجوده.. ليس هذا بِدْعًا في دنيا الناس، فعلت هذا إنجلترا مع تشرشل.. وتشرشل صاحب فضل على الشعب الإنجليزي، بعد أن قاده إلى حرب النصر في الحرب العالمية الثانية.. وفعل هذا الشعب الفرنسي مع ديغول، وديغول هو الذي رد له شرفه.. كلاهما لما رأى الشعب أنه لا يصلح في مكانه، ويصح أن يلي العمل شخص أكفأ وأقدر، قيل لهما اذهبا، فذهبا.. ولا يوجد في بلادنا من هو في كفاية تشرشل أو ديغول، ومع ذلك في العالم الثالث إجمالًا نرى أناسًا يظلون حكامًا عشرات السنين، لأنهم فرضوا أنفسهم بسحر ساحر أو بجور جائر.. وجلسوا واستمكنوا وأبوا أن ينصرفوا.. هذا هو الضياع للأمم..

    الدعوة الإسلامية في الجزائر

    سألت فضيلته: ما هي انطباعاتكم عنها

    فأجاب: الجزائر تسير من خير إلى خير، أو من حسن إلى حسن.. لأن الجزائر كانت اللغة العربية فيها قد ماتت أو اندثرت.. الآن عادت اللغة العربية، وتعرب نصف مراحل التعليم وعدد من الكليات، والباقي في طريقه إلى التعريب الكامل.. الأجهزة الإدارية كانت كلها فرنسية، أصبحت الآن نصفها تقريبًا عربية، والنصف الآخر في الطريق.. كان الإسلام دينًا محرَّمًا، وكانت هناك مساجد تحولت إلى كنائس فعادت مساجد كما كانت والحمد لله تضاعفت المساجد بنسبة ألف في المائة منذ رحيل الاستعمار الفرنسي.. ويسرنا أن الاتجاه الإسلامي في طريقه إلى الاكتمال إن شاء الله.. لا نزعم أن الأمور كلها إسلامية، ولكن- كما قلت- إن شُعَب الإيمان التي فقدناها، نستعيدها بالتدريج، واحدة بعد الأخرى حتى نستكملها كلها إن شاء الله.

    المجتمع: جزاكم الله خيرًا وإلى لقاء آخر والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

     

     

     

     

     

الرابط المختصر :