العنوان الشيخ محمد بن عثيمين يرحمه الله ومنهاج السلف الصالح
الكاتب عبد الله عبد المحسن التركي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يناير-2001
مشاهدات 110
نشر في العدد 1435
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 23-يناير-2001
قال الله تعالى ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23).
وأدعوه تعالى أن يجعل فقيدنا العلامة الجليل الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين من هؤلاء المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فقد كانت حياته – رحمه الله وغفر لنا وله - زاخرة بالعلم والتعليم والدعوة إلى الله من خلال التدريس في المساجد والجامعات والمعاهد والمؤسسات التي شهدت دروسه الكثيرة ومحاضراته القيمة، ومن خلال وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة.
وكان – رحمه الله – متصفًا بأخلاق العلماء في التواضع وتجنب التعصب والحرص على الوقوف على مع الحق وأتباعه ومتابعة من سلف من علماء الأمة وفقهائها ودعاتها، ونحن لا نزكي على الله أحدًا ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء: 49)، فالشيخ رحمه الله اجتهد في التعلم والتعليم، والتفقه والتفقيه، وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين».
ولا شك في أن التحصيل العلمي الذي وفقه الله إليه كان له أثر كبير في حياته يحفزه إلى ذلك ترغيب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة».
لقد انتفع الشيخ – رحمه الله – أيما انتفاع بما يسره الله له من نهل للعلم وفهم لمقاصد الشريعة الإسلامية، حتى صار علمًا من علمائها يدرس ويحاضر في علوم القرآن الكريم والحديث النبوي والفقه وفروع الثقافة الإسلامية، وقد فتح الله سبحانه وتعالى عليه لما بذله من جهد في التعلم وجهاد في التعليم، ونحسب أن ذلك يجعله من العلماء العاملين المجاهدين المهديين الذين قال الله فيهم ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69).
وفي سيرته العلمية - يرحمه الله - مثال فذ وشاهد كبير على أهمية طلب العلم والجد في تحصيله، حيث كان في ذلك نفع له أولًا في تقواه وفي ورعه وفي خلقه، ومن ثم نفع لغيره من طلبة العلم الذين تتلمذوا عليه وأخذوا عنه في علوم الشريعة وغيرهم من عامة الناس الذين كانوا يتحلقون في حلق العلم التي كان – يرحمه الله - يقيمها في المساجد وفي الجامعات والمعاهد والمدارس والمؤسسات الإسلامية والهيئات الدعوية، وقد استفاد الناس داخل المملكة وخارجها من علمه الغزير، حيث كانوا يستمعون طيلة عقود من الزمن لفتاويه وإرشاده وتوجيهه في المذياع ويقرؤونها كذلك في الصحف والمجلات والنشرات الدعوية، ثم في كتبه ورسائله القيمة التي كانت من الثمار الطيبة لعلمه ودأبه وجده في المبادرة للقيام بما كلف الله به العلماء من دعوة الناس وتفقيههم وحثهم على تطبيق الإسلام في حياتهم.
لقد كان - يرحمه الله - بارًا بإخوانه المسلمين، يبذل كل ما في وسعه لتعليمهم وتفقيههم والإحسان إليهم، طاعة لله في تفقيه الناس، وأداءً لأمانة العلم، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: 28)، وكان للجهود التي بذلها في الدعوة إلى الله ونشر العلم الشرعي الصحيح بين المسلمين إسهام كبير في توجيه الناس إلى عبادة الله على الوجه النقي، والحال الصحيحة بعيدًا عن أشكال البدع والضلالات، أو الإفراط والتفريط، حيث كان - يرحمه الله تعالى – يحذر من الجنوح إلى أحدهما، وله العديد من المواقف التي انبثقت عن فهم صحيح للإسلام ووسطيته ومنهاجه العادل، وعن فهم سليم لهمة العالم الداعية، وهذا الفهم لمقاصد الدعوة جعل منه العالم الذي يحرص الناس على الاستفادة من علمه، فكان كبيرًا في عيونهم رفيع القدر عندهم ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: 11).
عالم وداعية
لم يكن فضيلة الشيخ بالواعظ المرتجل بقدر ما كان - يرحمه الله - عالمًا وداعية ذا منهاج واعٍ استوعب احتياجات المسلمين، وحدد الموضوعات التي تحتاج إلى معالجة بحسب أولوياتها، معتبرًا أن نشر عقيدة أهل السنة والجماعة في مقدمة مهام الداعية في هذا العصر لأهميتها في حياة المسلم وآخرته، كما أشار – رحمه الله – في مقدمة كتاب «عقيدة أهل السنة والجماعة»، ولا شك أن مجموع الجهود التي بذلها في مجال العقيدة كانت ترتكز على ضوابط الكتاب والسنة، وما حدده علماء السلف في ذلك، ملاحظًا خلال جهوده السعي لإصلاح ما فسد من عقائد عملت على نشرها وإشاعتها بين الناس اتجاهات غير صحيحة انحرفت عن الوجه الحق الذي كان عليه أهل السنة والجماعة، وهادفًا إلى ربط المسلمين بمنهاج الأسوة الحسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وبما أنزل عليه من الكتاب والحكمة، معتبرًا أن ذلك هو طريق صلاح العباد واستقامة أحوالهم في دينهم ودنياهم، وهو الطريق الذي ترك النبي صلى الله عليه وسلم أمته عليه.. المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك.
أما في حياة الخلق فقد حرص– يرحمه الله- على صحة البناء الاجتماعي للمسلمين، وكان يعتبر ذلك من أولويات عمل الداعية ومتابعته، ولعله - يرحمه الله تعالى – وجد في قضايا الحقوق وتعليمها للناس والتأكيد عليها في المحاضرات والدروس والكتب والمواعظ خير وسيلة لصيانة البنيان الاجتماعي في البيئة الإسلامية، وفي حياة المسلمين، ملاحظًا كذلك أن الحديث عن الحقوق يفرض الحديث عن الواجبات لما بين الحق والواجب من اقتران في الشريعة الإسلامية، ويتضح اهتمامه هذا الجانب الأساسي من حياة المسلمين في كتابه «حقوق دعت إليها الفطرة وقررتها الشريعة» الذي بدأه ببيان حقوق الله ورسوله على المسلم، ومن ثم أبان الحقوق الأخرى التي تصون البنيان الاجتماعي للمسلمين مثل حق الوالدين، وحق الأولاد، وحقوق الأقارب، وحق الزوجين، وحق الجيران، وحقوق المسلمين بعامة، ثم حقوق غير المسلمين.
لقد انتهج الشيخ ابن عثيمين – يرحمه الله - منهاج علماء السلف في أعماله العلمية ونهجه الدعوي وطرق التربية والتعليم الأخلاقي، ومن عرفه عن كثب عرف في منهاجه ما كان عليه سلف الأمة. ولعل أبرز الملامح في منهاجه - يرحمه الله - حرصه الشديد على التقيد بما كان عليه السلف الصالح في الاعتقاد علمًا وعملًا ودعوة وسلوكًا، وذلك مقترن بالتنفير والتحذير مما يخالف ذلك
- الحرص على صحة الدليل وصواب التعليل ووضوحه ومناسبته.
- الربط بين العمل الدعوي والتقعيد الفقهي ضمانًا لسلامة أعمال الدعوة، وما يضعه الدعاة بين أيدي الناس من كتب ومذكرات وغيرها.
- العناية بمقاصد الشريعة الإسلامية وقواعد الدين، لأن ذلك مناط الحكم الإسلامي الذي أمر به الله سبحانه وتعالى.
- الاعتدال والتوسيط في المنهاج والسلوك والفهم والتقيد في ذلك بما كان عليه السلف الصالح.
- الاهتمام بالتطبيق والعناية بالأمثلة والتخريج.
- التيسير الذي يبعد الداعية عن التعقيد أو التنفير.
- البعد عن التعصب والتقليد الأعمى والحرص على التوفيق بين النص والمصلحة.
إن المسلمين الذين ودعوا فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين وودعوا قبله سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وغيرهما من العلماء والفقهاء مشفقون من هذه الخسارات العظيمة التي تحل بالمسلمين بفقد علمائهم، وهم يخشون بذلك انتزاع العلم، أخرج الإمام أحمد في مسنده عن الله بن عمر– رضي الله عنهما– أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا ينزع العلم من الناس بعد أن يعلمهم إياه ولكن يذهب بالعلماء،كلما ذهب عالم ذهب بما معه من العلم».
لقد كانت حياته – رحمه الله – حياة جد وكفاح وعمل دؤوب لمصلحة الإسلام والمسلمين، تعليمًا، ووعظًا، ونصحًا، وتأليفًا.
ولقد كان أول لقاء لي بفضيلته في عام 1382هـ حينما كنت مدرسًا في المعهد العلمي بالمجمعة، وكان مدرسًا في معهد عنيزة العلمي، وكنت مع رحلة طلابية من معهد المجمعة إلى منطقة القصيم، وفي أثناء زيارتنا للمعهد، كان- يرحمه الله - مبرزًا نصحه وتوجيهه ذا أثر متميز على منسوبي المعهد وطلابه، وازدادت العلاقة به من خلال عملنا جميعًا في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ثم بعد انتقالي للعمل في وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، حيث الميدان واحد والمهام واحدة.
وأذكر لفضيلته موقفين نادرين في عصرنا الحاضر، أحدهما أنه بعد صدور نظام الجامعة، أجرت الجامعة تصنيفًا لأعضاء هيئة التدريس فيها حسب الكادر الجامعي، وكانت الإجراءات لبعض الدرجات تتطلب تقديم أبحاث ودراسات في مجال الاختصاص، فلم يتقدم بأي بحث، وحينما فوتح برر ذلك بأن العالم لا ينبغي أن يستشرف للرتب والترقيات، وأن أهل العلم الشرعي يحسن بهم الاحتساب والعمل لوجه الله وما يأتي تبعًا لذلك فلا بأس به.
والأمر الثاني مفاجأته لي وأنا مدير للجامعة بتقديم ظرف بداخله مبلغ من المال، فسألته عن قصته، فذكر أنه صرف له مقابل محاضرات ألقاها في كلية الشريعة وأصول الدين في القصيم وكان - يرحمه الله - وقتها على ملاك معهد عنيزة العلمي مفرغًا لإعداد كتب دراسية للمعهد العلمي، وأن وقت هذه المحاضرات اقتطعه من الوقت المخصص لتأليف المقررات الدراسية للمعاهد العلمية، وبذلك لا يستحق ما صرف له.
ولا شك أن الموقفين نادران في هذا الوقت.
وتعفف طالب العلم عما فيه شبهة، واعتداله في طلب الدنيا صفات محمودة تقربه للناس، وترغب الناس فيه.
وكان يندر أن التقيه إلا وتكون المناصحة والمحادثة في الشأن العام الذي ينفع المسلمين ويعالج شؤونهم، حتى في زيارتي له في أيامه الأخيرة.
رحم الله فقيد المسلمين رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته، وجزاه بما عمل خيرًا وجمال ثواب أعماله في ميزانه، فقد انتقل – رحمه الله - إلى الدار الآخرة كما انتقل من سبقه ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (الزمر: 30 )، وسوف يلتحق الناس كلهم بتلك الدار ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ِ﴾ (آل عمران: 185)، ولا نقول إلا ما يرضي الله سبحانه وتعالى.. اللهم أجرنا في مصيبتنا وأخلف لنا خيرًا منها.. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.