العنوان الشيخ مناع القطان ... من أعلام الدعوة المعاصرة،.. العالم المجاهد
الكاتب د. سالم نجم
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أغسطس-1999
مشاهدات 55
نشر في العدد 1361
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 03-أغسطس-1999
فقد العالم العربي والإسلامي علمًا من أعلام الدعوة الإسلامية، ورمزًا من أبرز رموز الحركة الإسلامية المعاصرة، ذلكم هو فضيلة الشيخ مناع خليل القطان، أحد الأئمة الدعاة الذين نذروا أنفسهم لله وكرسوا حياتهم في حمل الدعوة حتى اجتمعت عليه القلوب ووثق به الناس.
وقد ولد الشيخ مناع بقرية شنشور إحدى قرى محافظة المنوفية بجمهورية مصر العربية عام ١٣٤٥ هـ - ١٩٣٥م ونشأ في بيت كريم وأسرة محافظة، حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة والتحق بالأزهر الشريف، وحصل على الشهادة العالية من كلية أصول الدين، ثم حصل على العالمية مع إجازة التدريس، وعمل بعد تخرجه فترة في سلك التدريس بمصر.
التحق بالحركة الإسلامية منذ وقت مبكر من حياته، وتأثر بالإمام المجدد الشيخ حسن البنا - يرحمه الله - فتتلمذ على يديه وتعلم منه أساليب الدعوة ومنهج السلوك، وكان يواظب على حضور درس الثلاثاء من كل أسبوع للإمام البنا فكان له التأثير في حياته الفكرية والروحية والأخلاقية والسلوكية والتنظيمية والإدارية، وقد انعكس هذا التأثير على واقع سلوكه الدعوي فكان شعلة متقدة من النشاط والحيوية والحركة.
كان الشيخ مناع القطان مسؤولًا عن النشاط الطلابي في جامعة الأزهر إبان حرب فلسطين سنة ١٩٤٨م يتحرك بين الطلاب ويعمل على شحذ همم الشباب وتربيتهم تربية جهادية وإعدادهم إعدادًا متوازنًا لحمل أعباء الجهاد لإعلاء كلمة الله، وكان يهتم اهتمامًا بالغًا بإعداد ركائز متميزة ليكونوا نواة عمل منظم، وشارك القطان في قيادة شباب كتائب المتطوعين من الإخوان المسلمين في حرب فلسطين في عام ١٩٤٨م، حيث كانت تتم اللقاءات في مكتبة الحاج: حلمي المنياوي في العباسية وتعقد لهم اجتماعات منظمة بقاعة دار الحكمة بشارع القصر العيني (نقابة الأطباء حاليًا).
وكان رحمه الله منذ سنة ١٩٤٧م عضوًا في الهيئة التأسيسية وأحد مؤسسي النظام الخاص الذي كان آنذاك عصب الدعوة، ومسؤولًا عن محافظة المنوفية، وقد أسهم في حرب فلسطين وسجن عام ١٩٤٩م، ثم لما قامت الثورة المصرية عام ١٩٥٢م تم اختياره ضمن بعض الأفراد للاتصال بكمال الدين حسين – أحد قادة الثورة – في ذلك الوقت، وكان التنسيق بين الإخوان والثورة آنذاك قائمًا، إذ رغبت الثورة في أن يقوم الإخوان بنشاط في قناة السويس لمقاومة الإنجليز، فترك عمله الوظيفي وقام بتدريب الشباب في معسكر جامعة الأزهر، ثم شارك في العمليات الفدائية التي تمت في قناة السويس ومما يذكر عن تلك الفترة ما تم في عزبة الحاج إبراهيم نجم بفاقوس شرقية - وكان معه آنذاك الشيخ أحمد البس يرحمه الله - إذ قاما بعدة أنشطة وتدريبات جهادية بحضور علي ماهر - أول رئيس وزراء بعد الثورة - وبعض رجال الثورة الذين حضروا ليتعرفوا قوة الإخوان وكان –يرحمه الله– مكلفًا آنذاك بتدريب مجموعات الإخوان تدريبًا جهاديًّا للقيام بعمليات فدائية ضد الإنجليز.
وكان الشيخ مناع القطان في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات واحدًا من أكثر شباب الأزهر نشاطًا وحيوية، فمسكنه مقر التحركات الشباب يطرح فيه العديد من القضايا الإسلامية الكبرى ويتم فيه التخطيط للتحرك السياسي، ومقاومة الاحتلال الإنجليزي لمصر، ونتيجة لنشاطه البارز ضاع عليه عامان دراسيان، واعتقل مع النشطين من الإخوان عام ١٩٤٨م، وقد توسط له الشيخ أحمد الباقوري في أن يعود إلى الدراسة مرة ثانية فوافقت مشيخة الأزهر على عودته عام ١٩٥٨م حيث عقد له ولمن أفرج عنهم من المعتقل امتحان استثنائي.
نصيحة عبد العزيز كامل.. والغزالي
وقد اشتد الحصار والتضييق على الشيخ مناع بعد تخرجه في الأزهر نتيجة لنشاطه وتحركاته بين الطلاب، وقد نصحه الدكتور عبد العزيز كامل، والشيخ محمد الغزالي بضرورة التعجيل بالسفر إلى خارج مصر بعيدًا عن الأجواء الملبدة بالغيوم، وقد فر بدينه مع الكثيرين من أبناء الحركة الإسلامية الذين كانت هجرتهم إلى البلاد التي استقروا فيها خيرًا وبركة في هذه البلاد حيث وضعوا لبنات العمل الدعوي وعملوا على نشر الفقه الإسلامي الأصيل، وهذه سنة الله في الكون كلما حاول الطغاة النيل من الدعاة والتضييق عليهم فتح الله الآفاق والأبواب ويسر لهم السبل، وهيا لهم الأسباب، وأتاهم من الهمة ما يذللون به الصعاب ويقتحمون به الميادين.
قدم الشيخ مناع القطان إلى المملكة العربية السعودية عام ١٣٧٣هـ حيث درس في كليات الشريعة واللغة العربية، ثم عمل مديرًا للمعهد العالي للقضاء، كما عمل عضوًا في هيئة التدريس بدرجة أستاذ في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ومشرفًا على الدراسات العليا، حيث أشرف على ١١٥ رسالة ماجستير ودكتوراه، إضافة إلى مشاركاته في مناقشة رسائل أخرى بجامعات المملكة، وله العديد من الأعمال العلمية المتعلقة بفحص الإنتاج العلمي لترقية أساتذة مساعدين وأساتذة مشاركين في الجامعات السعودية والعربية، وله مؤلفاته الكثيرة في المواضيع المختلفة، بالإضافة إلى ما قدمه من المحاضرات والندوات والمواعظ والدروس التي كان يلقيها في أماكن متعددة، ومن أهم مؤلفاته: مباحث في علوم القرآن، وتفسير آيات الأحكام والتشريع والفقه في الإسلام، ومناهج الحديث والثقافة الإسلامية، ورفع الحرج في الشريعة الإسلامية، ونظام الأسرة في الإسلام في الإسلام، والإسلام رسالة الإصلاح، والدعوة إلى الإسلام، وحكم المخدرات في الإسلام، والقضاء في العهد النبوي، وغيرها.
وكان لفضيلته - يرحمه الله - مشاركاته في العديد من المؤتمرات، فكان عضوًا في مؤتمر رابطة العالم الإسلامي، والمؤتمر الإسلامي في كراتشي، ومؤتمر القدس الإسلامي، ومؤتمر الدعوة والدعاة، والمؤتمر العالمي للاقتصاد الإسلامي، كما كان عضوًا في لجنة وضع السياسات التعليمية في المملكة العربية السعودية.
وقد واظب - رحمه الله - على إلقاء خطبة الجمعة بمسجده بالرياض الذي كانت تؤمه جموع كثيرة حتى كان المسجد بعد ملتقى لطلابه ومحبيه في نهاية كل أسبوع، وكان يتميز بخطبه الموضوعية، فقد كان يؤكد على عالمية الإسلام ووحدة الأمة الإسلامية، والحاجة إلى انصهاره في بوتقة واحدة حتى ترفع راية التوحيد وتستظل بظل الإسلام، وتحكم شريعة القرآن، كما كان يؤكد على بناء الشخصية الإسلامية المتميزة بصفاء العقيدة، وقوة الشخصية، ومتانة الخلق، ورجاحة العقل، والحكمة البالغة، والتروي في الفصل في القضايا والأحداث، وكان –يرحمه الله –يوصي الشباب المتحمس بعدم التعجل لأن الزمن جزء من العلاج، وأن طول فترة التربية هو الأسلوب الأمثل لإعداد الرجال أصحاب العزائم الذين يصبرون على البلاء ويحاولون الأعداء، ويتحملون المشاق.
وكان الشيخ - رحمه الله - يفزع إليه الكثير فيواسيهم ويثبتهم ويبذل وقته وعافيته وماله وجهده لقضاء حوائجهم وتفريج كربهم، وللشيخ أسلوبه في معالجة المشكلات ومواجهة التحديات، والمناصحة باللين لولاة الأمور وبيان وجه الحق والحكمة والموعظة الحسنة.
وهكذا كانت حياة الشيخ مناع القطان حافلة بالعطاء والبذل والتضحية والجهاد لإعلاء كلمة الله ونصرة شريعته، إذ ظل يتحرك بالإسلام وللإسلام في توازن واعتدال أكثر من نصف قرن من الزمان، كما ظل ثابتًا على مبادئه كالجبل الأشم حتى صارعه المرض فأصيب بهبوط حادٍّ في الدورة الدموية نتيجة إصابته بسرطان الكبد، ويقول الطبيب الذي كان يقف بجواره في للحظات الأخيرة عند سكرات الموت: «لقد أصيب فضيلة الشيخ بإغماءة ثم أفاق وفتح عينيه وحملق من يمينه بشدة، وكان آخر ما نطق به الحمد لله... الحمد لله» ثم أسلم الروح إلى بارئها.
رحم الله شيخنا مناع القطان رحمة واسعة، وجزاء عن الإسلام والمسلمين خير ما يجزي عباده الصالحين، وحشرنا وإياه مع الأنبياء الصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
.. العالم المجاهد
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٥م انطلقت شرارة المطالبة باستقلال مصر وطرد بريطانيا من قناة السويس، وإسقاط الملكية والأحزاب العميلة، والتحرر من الظلم والفساد والفقر والجهل والمرض للشعب المصري وكان طلاب الجامعات والمدارس هم طليعة الشعب المطالبة بالإصلاح بقيادة الإخوان المسلمين، وتشكلت اتحادات طلاب الجامعات، وكان من أبرز الأعضاء الشيخ مناع القطان - رحمه الله.
هناك تآخينا وتعاهدنا على أن يكون تطبيق الشريعة الإسلامية هو المطلب الأول للإصلاح كان - رحمه الله - يتمتع بشخصية قوية، ويتخلق بالأخلاق الإسلامية، ويتميز بالشجاعة والمروءة وتحمل المسؤولية ورحابة الصدر والتواضع والحلم والفكر المستقيم.. كانت حياته جهادًا في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا .. كان من أوائل من تطوعوا للجهاد في حرب فلسطين وقت أن أعلنت جماعة الإخوان المسلمين النفير للجهاد للحيلولة دون احتلال الصهاينة لفلسطين - ظهرت هذه المؤامرة من الدول الكبرى أوائل عام ١٩٤٨م وأعلنوا يوم الخامس عشر من مايو ١٩٤٨م تاريخًا لقيام الدولة الصهيونية، وأبلى المجاهدون بلاء حسنًا وحققوا انتصارات باهرة على العدو، واتخذ الله منهم شهداء كثيرين ولولا تدخل الدول الكبرى وتخاذل بعض الأنظمة الحاكمة، وفرض الهدنة الأولى وما تبع ذلك من إجراءات محاربة المجاهدين وتجريدهم من أسلحتهم وإيداعهم السجون والمعتقلات لتبدل الحال غير الحال ولاختلفت الأوضاع المهينة التي تعيشها الأمة الإسلامية اليوم، حيث الصهاينة يحتلون فلسطين والقدس الشريف، ثم الركض الذليل وراء سراب السلام الكاذب والتفريط المخزي بشعب فلسطين وأرضه، ومقدسات الأمة الإسلامية.
ثم جاءت ملحمة قناة السويس العسكرية بين مجاهدي الإخوان والقوات البريطانية المحتلة والتي شارك فيها المجاهد مناع القطان بنصيب وافر وأبلى بلاء حسنًا، وخلال الأربعينيات والخمسينيات والستينيات طفحت المنطقة العربية بكثير من الدعوات والمذاهب والفرق الجاهلة الإلحادية والعلمانية التي تحارب الإسلام والمسلمين وخاصة تطبيق الشريعة الإسلامية، والنيل من الكتاب والسنة واللغة العربية، وتراث الأمة الإسلامية حملت هذه الفرق أسماء كريهة: البعثية والقومية، والاشتراكية، والشيوعية، والناصرية والعنصرية القطرية الضيقة... إلخ، وكان لابد للجماعة وشبابها المؤمن أن تتصدى لهذه المذاهب الهدامة، وتكشف سوءاتها وأهدافها الخبيثة، ولقد ساهم فضيلة الشيخ مناع بجهد كبير في محاربة هذه الطوائف المنحرفة ليس فقط في مصر ولكن في منطقة الخليج العربي، بلسانه وقلمه وفكره وحركته الدائبة بين المسلمين والمسؤولين، واستطاع بحمد الله وتوفيقه، ثم بجهد إخوانه من أبناء المنطقة على اتساعها حيث تم تحجيم هذه الدعوات والمروجين لها، وحفظ الله هذه الأقطار مما أصاب غيرها.
وللشيخ مناع - غفر الله له - موقف مشهود أثناء حرب الخليج الثانية أعلنه بشجاعة وصدق وفقه، وإن لم يوافقه عليه كثير من الفقهاء وكال له بعض الناس التهم الباطلة، فلم يعبأ بها وثبت على موقفه، ثم تبين فيما بعد أن هذا الرأي والفكر حفظ البلاد من فتنة أوشكت أن تعصف بسلامة المنطقة وأمنها.
هاجر الشيخ مناع إلى المملكة العربية السعودية أوائل الخمسينيات وساهم بعلمه وفقهه وخبرته في صياغة المناهج الدراسية الفقهية والتربوية لمختلف المراحل التعليمية، كما تقلد وظائف جامعية مرموقة خاصة في التعليم العالي، وأعطى كل طاقته وإخلاصه وتفانيه لطلابه والبلاد التي استقبلته وأكرمته، ويشهد الآلاف من الخريجين الذين تلقوا التعليم على يديه بأخلاقه الطيبة وصدقه وأمانته العلمية وحسن الأدب والمعاشرة مع تواضع العلماء واحترام الرأي الآخر، والابتعاد عن سفاسف الأمور، كما يشهدون له بتقوى الله وطاعته ومراقبته في كل شؤون حياته.
لم ينس الفقيد مسقط رأسه «شنشور – منوفية» فأقام فيها المؤسسات الدينية والثقافية والاجتماعية من ماله الخاص، كما أنه –رحمه الله– بذل لأهله وأرحامه وجيرانه وأهل بلدته ما يبذله الكريم الجواد الذي يحتسب ما ينفقه قربي إلى الله U.
رحم الله الفقيد رحمة واسعة، وغفر له.