العنوان الشيشان.. شعب يرفض الهزيمة أو الاستسلام
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-1995
مشاهدات 66
نشر في العدد 1180
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 19-ديسمبر-1995
في صورة من صور التدليس السياسي الذي تحفل به مناطق كثيرة من العالم، وقعت روسيا اتفاقًا مع نفسها في الذكرى السنوية الأولى لغزوها للشيشان، حيث وقع رئيس الحكومة الروسية «فيكتور تشيرنوميردين»، «اتفاق المبادئ الرئيسية للعلاقات المتبادلة بين روسيا والشيشان» مع «دوكوزفجاييف» رئيس الحكومة الشيشانية المعين من قبل الروس بدلًا من الرئيس الشيشاني «جوهر دوداييف»، الذي يحارب الروس دفاعًا عن سيادة الشيشان التي أعلنها جمهورية مستقلة عن روسيا في عام ۱۹۹۱م، إلا أن الروس بعدما تخلوا بمحض إرادتهم عن مواجهة الشيشانيين طوال ثلاث سنوات قاموا في 11 ديسمبر ١٩٩٤م، بغزو الشيشان بشكل دموي تدميري أشبه ما يكون بهمجية العصور الوسطى، لكن مغامرة الروس كانت ورطة لهم بكل المقاييس فخلال الأسابيع الثمانية الأولى للغزو الروسي للشيشان، قتل ما يزيد على أربعة آلاف جندي روسي على يد المقاتلين الشيشان، مما دفع الروس إلى الجنون، فأخذوا يدمرون الأخضر واليابس، فقتلوا ما يزيد على ٢٥ ألف شيشاني مدني خلال نفس المدة، وحولوا كثيرًا من مدن الشيشان وقراهم إلى أطلال بما فيها العاصمة الشيشانية «جروزني»، التي لا زالت حتى الآن أحد المعاقل الرئيسية للمقاتلين الشيشان، وتشير آخر الإحصاءات إلى أن عدد القتلى وصل حتى الآن إلى خمسين ألف قتيل شيشاني، فيما وصل عدد القتلى من الجنود السوفييت إلى ثمانية آلاف قتيل، وهو رقم ضخم مقارنة بقتلى السوفييت في أفغانستان طيلة أكثر من عشر سنوات «ثلاثة عشر ألف قتيل»، وقد أشارت آخر الإحصاءات إلى أن الحرب قد كلفت روسيا من ديسمبر ١٩٩٤م، وحتى إبريل ۱۹۹٥م، ما يزيد على ١٢ مليار دولار وقد أدى هذا إلى وقوع كارثة اقتصادية في روسيا، حيث تدهورت الأوضاع الاقتصادية وأطاحت تكاليف الحرب بكافة خطط الميزانية الروسية لعام ۱۹۹٥م، وأصبح الإصلاح الاقتصادي مجرد شعارات بعدما بلغت ديون روسيا ۱۳۰ مليار دولار أمريكي، فيما وصل عدد العاطلين عن العمل 10 ملايين روسي، وهو ما يزيد على 13% من حجم العمالة الروسية، أما الشركات الكبرى فقد أصبحت تعاني من العجز حتى عن دفع أجور موظفيها، مما أدى إلى انخفاض معدلات الإنتاج الصناعي في روسيا 50% عما كانت عليه عام ۱۹۹۱م، وعلى الصعيد العسكري كشف تورط الروس في الشيشان عن حالة عدم انضباط قائمة بين صفوف الجيش الروسي، حيث أعلن كثير من ضباط الجيش على رأسهم بعض الجنرالات الكبار التمرد وعدم الانصياع للأوامر.
وهذه ليست الورطة الأولى للروس في الشيشان، وإنما هي حلقة في سلسلة من التورط الروسي ضد مسلمي القوقاز بدأ في عام ١٥٥٦م، حيث مني الروس بهزائم متتالية على يد مسلمي القوقاز، ولم يتمكن الروس طوال مائة عام من المعارك أن يسيطروا على المنطقة، أما محاولتهم الثانية فقد كانت في بداية القرن الثامن عشر الميلادي حينما حاول الروس في عهد الملكة «كاترين الثانية» احتلال الشيشان وشمال القوقاز، إلا أن المسلمين وحدوا صفوفهم تحت قيادة «الإمام منصور» الذي دخل سلسلة طويلة من المعارك ضد الروس، استمرت منذ عام ۱۷۷۰م، وحتى عام ۱۷۹١م، حيث أسر «الإمام منصور»، إلا أن المقاومة الشيشانية ضد الروس لم تتوقف، حيث برز عدد من القادة الآخرين، كان أبرزهم «الإمام شامل»، الذي قاد مقاومة الشعب الشيشاني ضد الروس منذ عام ١٨٣٤م، وحتى عام ١٨٥٩، حيث هزمت قواته على أيدي الروس بعد أكثر من ٣٥ عامًا من الجهاد المتواصل، بعدها قام الروس في عام ١٨٦٤م بعملية ترحيل واسعة لمسلمي الشيشان والقوقاز، حيث تم ترحيل ما يزيد على مليون ونصف مليون مسلم إلى تركيا وحدود الدولة العثمانية، وكانت هذه هي عملية التهجير الأولى للشعب الشيشاني المسلم، أما عملية التهجير الثانية فقد كانت على يد «ستالين» في عام ١٩٤٤م، حيث نفى مئات الآلاف من الشيشان إلى سيبيريا ومناطق مختلفة من آسيا الوسطى بعدما قام بحرق وقتل عشرات الآلاف منهم، متهمًا إياهم بمساندة الألمان ضد الروس في الحرب العالمية الثانية وتؤكد تقارير مختلفة على أن «ستالين» قد أباد ثمانين ألف شيشاني بالحرق أو الإعدام قبل أن يقوم بنفي مئات الآلاف منهم إلى أصقاع سيبيريا.
إلا أن الشيشان بدأوا يجمعون أنفسهم من مختلف مناطق آسيا الوسطى، وعادوا في أواخر الستينيات إلى الشيشان ليعلنوا اختيار الجنرال «جوهر دوداييف» رئيسًا للشيشان في أكتوبر ۱۹۹۱م، ويعلنوا استقلالهم على روسيا في ٢٧ نوفمبر ۱۹۹۱م، ويبدؤوا في ديسمبر ١٩٩٤م في دفع ثمن الحرية الذي سلكوا خلاله نفس النهج الذي سلكة أجدادهم مع الروس طوال القرون الخمسة الماضية، فرغم أن الدمار الذي خلفته الحرب في الشيشان قد زاد عن ٣٠ مليار دولار، علاوة على تدمير مؤسسات الدولة الصناعية، أو الزراعية، أو النفطية بصفتها جمهورية منتجة للنفط والعسكرية بصفتها كانت تضم مصانع حربية كبيرة، علاوة على تدمير بنيتها الأساسية التي قدر المراقبون أنها بحاجة إلى مائة ألف عامل من عمال البناء، يستمرون في العمل مدة خمس سنوات لإعادة البناء إلى ما كانت عليه قبل الحرب، رغم كل ذلك فإن المسلمين الشيشان يصرون على الحرية الكاملة ويرفضون الاحتلال الروسي لبلادهم، وليس هذا الأمر قاصرًا على المقاتلين فحسب، وإنما المظاهرات التي خرجت في الذكرى السنوية الأولى للغزو الروسي للشيشان وملأت شوارع «جروزني» والمدن الأخرى، وهي تتحدى الروس رغم حظر التجول، تلك المظاهرات التي ضمت الآلاف من النساء والأطفال، والعجائز والكبار والصغار أكدت على حقيقة تاريخية أكيدة، هي أن شعب الشيشان المسلم الذي يواجه الروس منذ خمسة قرون هو شعب يرفض الهزيمة أو الاستسلام.