العنوان الشيك بدون رصيد... جرعة بلا رادع!!
الكاتب جاسم عبدالعزيز
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أكتوبر-1989
مشاهدات 76
نشر في العدد 936
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 10-أكتوبر-1989
الشيك بدون
رصيد.. جريمة بلا رادع!!
تُعد جرائم
الشيك بدون رصيد في الوقت الحاضر في مقدمة القائمة الإجرامية من الناحية
الإحصائية، وتكاد تقترب من نسبة النصف بين الجرائم المختلفة. وهذا الازدياد الهائل
في معدل هذا النوع من الجرائم يجعل الأمر من ضمن المخاطر الاجتماعية ذات الضرر
البالغ، والتي تستدعي استنفار الجهود الأهلية والحكومية لمحاصرة هذا الداء وإبقائه
ضمن أضيق نطاق ممكن.
الشيك وسيلة
وفاء
إن اتساع مشكلة
الشيكات نتيجة لازدياد التعامل بها، إنما هو وليد أسباب ودوافع كثيرة. غير أن ما
يخفى على أكثر المتعاملين المتورطين هو غياب طبيعة الشيك عن أذهانهم في البداية،
وكونه أداة للوفاء وليس لإثبات الدَّين وتأجيله، بمعنى أن القانون وضع الشيك مقام
النقود. ولحماية هذه الطبيعة للشيك، فقد تم تجريم تحرير الشيك بدون رصيد.
إلا أن الناظر
إلى التعامل الحالي بهذه الورقة وما يرافقه من تلاعب أفقد الثقة فيها، يجد أيضًا
أن هناك ضعفًا في ردع القانون ومعالجته لهذه المشكلة، أسهم من جهة أخرى في جعل
الشيك ملعبًا فسيحًا لأصحاب الحيل والنصابين.
إحصائية
ربما يكون علم
الإحصاء من العلوم التي ضعف فيها المسلمون في العصر الحاضر، فقد انعكس ذلك على
بقاء كثير من المشاكل غير معروفة الحجم والآثار، ومن ضمنها مشكلة الشيكات، حيث
يذكر بعض المختصين أن المعدل الشهري لقضايا الشيكات بدون رصيد والواردة إلى
النيابة العامة يصل إلى 400 قضية في الشهر، وهو معدل مرتفع جدًا بل ومخيف للغاية.
ونظرًا لأننا لا
نعلم حجم التعامل بالشيكات بين أفراد المجتمع، فإن الافتقار إلى هذه المعلومة يصعب
من مهمة تحديد الحجم الحقيقي لهذه المشكلة.
أسباب ودوافع:
1. أسباب اجتماعية واقتصادية: والأمثلة الواقعية
لا تقع تحت حصر، كأن يمر أي شخص بضائقة مالية تحوجه إلى مبلغ من المال، فيضطر إلى
الاقتراض وتحرير شيك لضمان حق الدائن، أو يفكر آخر في الربح السريع، فيشتري بضاعة
على أن يدفع سعرها للبائع بعد أجل معين، آملًا في بيعها خلال هذه المدة. وأحيانًا
تكون هناك أسباب نفسية كالخضوع لرغبات الزوجة مثلًا في اقتناء الكماليات أو توفير
العيش الباذخ، وكما قلنا فالأمثلة والقصص الواقعية حافلة في هذا المجال.
2. دوافع إجرامية: حيث يجد أكثر المحتالين ذوي
النفوس المريضة وسيلتهم الذهبية في النصب على الناس باستخدام الشيك لخداعهم وزرع
الثقة في نفوسهم، في حين أن المجرم يفكر في سحب أموالهم بالحيلة والفسق، كأن يشتري
بضاعة ويعطي للبائع الشيك ويبيعها بسعر زهيد رغبة في الحصول على المال والهرب من
البلاد دون تسديد أي مبلغ أو إعطاء شيكات بأسماء أشخاص هاربين من البلد أصلًا
مقابل اقتراض مبالغ أو سحب بضائع معينة باسم آخر.
3. انفراط الذمة وضعف الوازع الديني: يشكل السبب
الأساسي والرئيسي، حيث تغيب معايير التعامل الأخلاقي ومفاهيم حسن النية والالتزام،
مما يدفع ذوي الذمم الخربة إلى إشاعة التعامل الفاسد بهذه الورقة وتشويه صورة
المعاملات التجارية بين أفراد المجتمع.
ملاحظات على
معالجة القانون للمشكلة
إن الأمثلة
العديدة التي تظهر مدى التحايل والتلاعب الحاصل في الشيكات، هي نقد واقعي لضعف
القانون في ردع الظاهرة، ونعتقد أن من الممكن إجراء بعض التعديلات لمعالجتها
ونقترح ما يلي:
أولًا: الأمر
الجيد أن القانون الكويتي اعتبر جريمة الشيك جناية في حين أن أكثر الدول العربية
تعتبره جنحة، إلا أن القانون الكويتي لم يتعرض لها سوى في مادة وحيدة، دون أن
يتوسع في إعطاء سبل معالجة متعددة، والتي تغطي حاجات الواقع العملي.
ثانيًا: حدد
القانون عقوبة 5 سنوات كحد أقصى لجريمة الشيك، وفي حالة التكرار 7 سنين، وهي ليست
عقوبة رادعة للمجرم، فمن الممكن أن يعطي شخص شيكات بقيمة مليون دينار مثلًا وينصب
على كثيرين كما هو حاصل حاليًا لدى بعض المتاجرين بالعملة مثلًا، ثم يخفي هذه
الأموال، ويقضي عقوبته التي قد تخفض إلى نصف المدة ويخرج للتمتع بهذه الأموال.
والأولى أن يكون
لمحكمة الجنايات سلطة تمكن المستفيد من الشيك من الحجز على ممتلكات وأموال محرر
الشيك الذي نصب عليه، بعد مصادرتها من المحكمة، لا كما هو الأمر حاليًا، حيث يحكم
بالعقوبة وهي الحبس ويُترك أمر تحصيل المبلغ للمستفيد، حتى يرفع دعوى أخرى مدنية
يطالب بالمبلغ، وربما تستمر المطالبة لعدة سنوات دون حصوله عليه.
ثالثًا: ينبغي
للقانون أن يعالج موضوع تاريخ الشيك وكيفية التعامل به، فإذا حرر شخص شيكًا بتاريخ
معين، وكتب عليه أنه يصرف بتاريخ آخر مؤجل، فينبغي حماية هذا الاتفاق بين محرر
الشيك والمستفيد منه دون السماح لما هو حاصل حاليًا من عدم الاعتداد بتاريخ صرف
الشيك في موعد استحقاقه، سواء من البنك أو من النيابة العامة.
نظرة إسلامية
واقعية:
عند معالجة هذه
الظاهرة، نرى أهمية دراسة ظروف كل قضية من قبل جهات التحقيق وسبب إصدار الشيك ومدى
مشروعيته.
كما أنه ينبغي
أن تكون العقوبة متنوعة ورادعة في نفس الوقت بحسب ظروف كل قضية، وبما هو أصلح لردع
محرر الشيك؛ لأن جريمة إصدار الشيك بدون رصيد تعتبر من الجرائم التعزيزية
المستحدثة. وفي الشريعة الإسلامية، فإن العقوبة التعزيزية لها أكثر من 15 عقوبة،
واقتصر قانون الجزاء الكويتي على عقوبتين فقط، ولو تنوعت الجزاءات وتعددت لكان من
الأفضل للقاضي وللمتهم بهذه الجريمة، حتى يختار القاضي ما يناسب هذا المتهم من
عقوبة تردعه وتحفظ حق الشخص المستفيد من الشيك، وإن كان منها مصادرة أموال المتهم
حتى تُحفظ حقوق الناس.
لهذا، نهيب
بالمسؤولين في وزارة العدل بدراسة هذه المشكلة من جديد ومواصلة البحث عن حلول أمثل
لها، حماية لحقوق أفراد المجتمع. ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلۡوَزۡنَ بِٱٱلۡقِسۡطِ وَلَا
تُخۡسِرُواْ ٱلۡمِيزَانَ﴾ (الرحمن:9).
جاسم عبد العزيز
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
متى يكون الشيك
بدون رصيد؟
نص القانون على
اعتبار تحرير الشيك جريمة في الحالات التالية:
1. إذا لم يوجد رصيد في حساب محرِّر الشيك.
2. إذا كان يوجد رصيد لكنه لا يغطي قيمة الشيك.
3. أو قد يكون الرصيد كافيًا إلا أنه غير قابل
للسحب كرصيد تاجر أشهر إفلاسه.
4. أمر محرر الشيك للبنك بعدم دفع قيمته.
5. إذا تعمد محرر الشيك كتابته أو توقيعه بطريقة
تمنع صرفه.