العنوان حروف على رقعة الشطرنج: الشيوعية مطية الصهيونية
الكاتب سامي عطا حسن
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أكتوبر-1988
مشاهدات 88
نشر في العدد 887
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 18-أكتوبر-1988
لو نظرنا إلى الأحزاب الشيوعية العربية لوجدنا أن اليهود هم الذين أسسوا وقادوا ووجهوا الأحزاب الشيوعية العاملة في الساحة العربية، بل إن المراقب للأحداث ولتاريخهم الحافل في المنطقة العربية تعتريه الدهشة لخياناتهم الصريحة والتي فاقت خيانات فرسان النكبة، ولئن كانت نكبة فلسطين قد كشفت الغطاء عن الواقع العربي الإسلامي المجزأ المستعمر الذي لا يملك من أمره شيء، فإنها مزقت آخر ستار كانت تتخفى وراءه الحركة الشيوعية تجاه قضيتنا الدامية، وأبرزت للعيان حقيقة موقفها الأسود المتقلب المتآمر من الأمة العربية، ولا بأس من ضرب أمثلة موجزة نبين من خلالها للقارئ الكريم الدور البارز الذي لعبه اليهود في تأسيس وقيادة وتوجيه الأحزاب الشيوعية العربية، ولنبدأ الحديث عن دورهم في تأسيس وتوجيه الحزب الشيوعي الفلسطيني.
ترجع جذور الحزب الشيوعي في فلسطين -بصورة رئيسة- إلى الحركة العمالية اليهودية التي تشكلت في أوساط اليهود في روسيا القيصرية، تحت تنظيمين مختلفين في الأسلوب متحدين في الهدف، وهما منظمتا: البونل، والبوعالي تسيون، واللتان كان لهما أكبر الأثر في قيام ونجاح ثورة أكتوبر الشيوعية في روسيا.
وقد كان للبوعالي تسيون الدور الواضح والبارز في تأسيس وقيادة وتوجيه الحزب الشيوعي في فلسطين؛ إذ بعد صدور كتاب هرتزل -الدولة اليهودية- أصدر (ناحمان سيركين) أحد قادة البوعالي تسيون كتابًا تحت عنوان: المسألة اليهودية والدولة الاشتراكية اليهودية.
وقد رأى ناحمان فيه أنه من الضروري الجمع بين الصهيونية والاشتراكية؛ لأن ذلك في مصلحة المشروع الصهيوني، ثم قال: ينبغي على الصهيونية بالضرورة أن تتزاوج مع الاشتراكية، إذا كانت تهدف إلى إقامة إسرائيل، ففي رداء اشتراكي تستطيع الصهيونية أن تكون ملكًا لليهودية بأجمعها، وهكذا كان.
تأسست المجموعة الأولى من مجموعات البوعالي تسيون في روسيا في بدايات القرن العشرين، ومع أن المؤتمر التأسيسي الأول للحزب قد انعقد في آذار سنة ١٩٠٦، إلا أن كراس تاريخ الحزب الرسمي الصادر عن لجنته المركزية يشير إلى أن ولادة البوعالي تسيون في روسيا ترجع إلى سنوات ۱۹۰۰- ۱۹۰۱م، في مدينة مينسك، ومن هذه المدينة امتد نشاط البوعالي تسيون إلى المدن الروسية الكبرى التي كان اليهود يتواجدون فيها بكثافة أمثال: أوديسا، وفيلنا، وفارصوفيا، ثم امتد نشاط هذا التنظيم خارج حدود الدولة الروسية في كل من النمسا عام ۱۹۰۳، والولايات المتحدة عام ١٩٠٣ كذلك، وإلى إنجلترا وفلسطين عام ۱۹۰۵، وإلى الأرجنتين عام ۱۹۰۷، وإلى بلغاريا عام ١٩١٠ وغيرها من البلدان التي لليهود فيها وجود ملحوظ، وقد اجتمع ممثلو هذه المجموعات عام ۱۹۰۷ في لاهاي، وأسسوا: (الاتحاد العمالي الاشتراكي اليهودي العالمي: البوعالي تسيون)، وقد أقر المؤتمرون أو المتآمرون بأن أهم أهداف هذا الاتحاد تتلخص بالنضال في (سبيل تحقيق الحل الإقليمي للمسألة اليهودية عن طريق إقامة مركز يهودي ديمقراطي في فلسطين) وفي العام ١٩٠٩ أضيفت إلى كلمة فلسطين عبارة (والبلدان المجاورة).
وكان ممثل المجموعة الفلسطينية للبوعالي تسيون في هذا المؤتمر هو اليهودي الروسي (بيربوروشوف) والذي يعتبر بمثابة الأب الروحي للصهيونية الاشتراكية؛ إذ كان يصف نفسه باستمرار بأنه الصهيوني الاشتراكي الديمقراطي الماركسي.
وكان بوروشوف هذا ينطلق من قناعته بأنه من الممكن الجمع بين العقيدتين الصهيونية والماركسية، والخروج بمحصلة نظرية واحدة لهما.
كما كان يعتبر اليهود (أمة قائمة في ظل شروط إنتاج غير طبيعية)؛ بسبب عدم توفر الأرض القومية الخاصة بهم.
وقد شبه بوروشوف التركيبة الاجتماعية لكل أمة من الأمم بهرم مركب من طبقات اجتماعية، تقوم الواحدة منها فوق الأخرى، وذلك حسب بعدها أو قربها من عمليات الإنتاج الأساسية:
طبقة عريضة من العمال والفلاحين في قاعدة الهرم، تأتي فوقها طبقة من مستخدمي الخدمات العامة والنقل وفئة الحرفيين، وفي قمة الهرم تقوم فئات المالكين وأصحاب الأعمال والمثقفين، وعند تحليله لتركيبة اليهود الاجتماعية وجد أن تركيبتهم تبدو وكأنها هرم معكوس، بحيث تتركز فئات عريضة من الحرفيين مسنودة بفئات ضيقة من العمال، وخاصة من عمال المرافق غير الحيوية، التي عليها أيضًا أن تسند الثقل الكبير لفئة ضخمة من التجار.
وقد أكد بوروشوف على أن هذه التركيبة الاجتماعية غير الطبيعة كانت تشكل عائقًا أمام التطور اللاحق للبروليتاريا اليهودية الممركزة في المراحل الأخيرة من عملية الإنتاج، والمعرضة دومًا للمنافسة القومية الشديدة على أماكن العمل، خاصة في أوقات الأزمات الاقتصادية، فالحل إذن في رأي بوروشوف يتمثل في: السعي لقلب الهرم المعكوس، وإقامة مجتمع يهودي طبيعي مشابه لمجتمعات الأمم الأخرى، وكان هذا يعني عمليًا بأن يسعى اليهود للحصول على أرض خاصة بهم يقيمون فوقها دولتهم القومية؛ ليضمنوا لأنفسهم قيام شروط إنتاج طبيعي، ويتحولوا إلى عمال وفلاحين بهدف قلب الهرم المعكوس، وتغيير طبيعة تركيبتهم الاجتماعية.
وهكذا وصل بوروشوف إلى الاستنتاج بأن حل المسألة اليهودية لن يتأتى عن طريق النضال في سبيل (الاستقلال الذاتي القومي الثقافي)، كما كانت تطالب منظمة (البوند)، ولا عن طريق الاندماج والنضال إلى جانب القوى الثورية المحلية في سبيل الثورة الاجتماعية، وإنما عن طريق الهجرة المنظمة إلى المكان الذي يوفر لليهود إمكانية تغيير تركيبتهم الاجتماعية، ويسمح لهم بالنفاذ إلى مرافق الإنتاج الأساسية؛ ولذلك نادى بوروشوف بضرورة ما أسماه النضال في سبيل (الاستقلال الإقليمي للشعب اليهودي في فلسطين) ولكن لماذا فلسطين بالذات؟ هذا ما سنكتب عنه -إن شاء الله- في وقت قريب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل