; الصائمون والمجتمع الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان الصائمون والمجتمع الإسلامي

الكاتب محمد مصطفي ناصيف

تاريخ النشر الجمعة 05-نوفمبر-2004

مشاهدات 46

نشر في العدد 1626

نشر في الصفحة 49

الجمعة 05-نوفمبر-2004

 

إن الإسلام لا يقيم هذا الشهر الكريم كموسم مؤقت، تقام فيه شعائر ثم تطوى صفحته إلى العام القادم.. كما هو حال المجتمعات الإسلامية اليوم.

 وإنما يريد الإسلام حقيقة أن تسود روح رمضان السنة كلها بمبادئه وقيمه وأدبه ومثله العليا، وأخلاقياته الكريمة حيث يجعل من شهر رمضان فرصة لتدريب المسلمين على هذه القيم.. حتى تصبح من أخلاقه وأساسياته، فتسود روح الأخوة الإسلامية وترفرف عليه أعلام السكينة، ورايات الأمن والأمان.. ليتكون على إثرها مجتمع يهدف الإسلام إلى إقامة بنيانه مؤكدًا ما جاء في كتابه العزيز ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ﴾ (الحجرات: 10)، حيث كان نهار الصائمين نشاطًا وإنتاجًا وإتقانًا، وليلهم تزاورًا وتهجدًا وقرآنًا، وشهرهم كله تعلمًا وتعبدًا وإحسانًا، ألسنتهم صائمة عن قول الرفث أو الجهل، وآذانهم صائمة فلا تسمع حرامًا، وعيونهم صائمة فلا تنظر إلى فحش، وقلوبهم صائمة فلا تعزم على خطيئة، وأيديهم صائمة.. فلا تمتد بسوء أو أذى.

 ومنهم من لم ينتفع بشهر رمضان مما فيه من صيام وقيام؛ حيث جعله الله تعالى للقلب والروح.. فجعلوه للبطن والمعدة، وجعله سبحانه للعلم والصبر.. فجعلوه للغضب والطيش، وجعله تعالى للسكينة والوقار... فجعلوه للغيبة والشجار، وجعله جل شأنه ليغيروا فيه من صفات أنفسهم.. فما غيروا إلا مواعيد أكلهم وشربهم وشهواتهم، وجعله جل وعلا تهذيبًا للغني الطاعم ومواساة للبائس والمحروم.. فجعلوه معرضًا لفنون الأطعمة والأشربة تزداد فيه تخمة الغني.. بقدر ما تزداد حسرة الفقير.

والمجتمع الذي تحكمه المثل العليا والآداب الإنسانية الرفيعة من التسامح وحسن الخلق والبر وصلة الرحم.. هو نفس المجتمع الذي تريد شريعة الإسلام أن تقيمه من خلال فريضة الصوم؛ لأن أهم دعامات النجاح والتوفيق في المجتمع المسلم وأهم عناصر القوة فيه أيضًا: أن تسوده المرحمة والأخوة والسلام والأمن والطمأنينة والتكافل الاجتماعي؛ لأن قائد المسلمين وقدوتهم ﷺ كان أجود الناس وأرحمهم وكان أجود ما يكون في رمضان.. حين يلقاه جبريل يدارسه القرآن فهو أجود بالخير من الريح المرسلة.

وسيادة السلام والأمن في المجتمع الصائم أشار إليها بقوله ﷺ: «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قائله فليقل: إني امرؤ صائم» (رواه البخاري) فإذا حاذر كل صائم فأحسن القول ورد على الإساءة بالصفح وأعلن أنه لن يرد بالمثل لأنه صائم.. ثم كان كريمًا جوادًا في قضاء حوائج إخوانه ومن هم بحاجة إليه، عندها يصبح رمضان وما أشاعه من أخلاقيات قد تمثلها الصائمون، ثم يتعود عليها الجيل المسلم الذي تغلغلت فيه هذه السجايا الحميدة وتصبح عادة فتطبعًا فطبعًا عندها يقوم كيان المجتمع المسلم من جديد ويصبح المسلمون كما قال الله فيهم: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 110).

الرابط المختصر :