العنوان الصحف اليومية.. والدكتور داهش.. وهذيان الجماهير!
الكاتب محمد عبد الفتاح
تاريخ النشر الثلاثاء 04-سبتمبر-1973
مشاهدات 80
نشر في العدد 166
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 04-سبتمبر-1973
الصحف اليومية.. والدكتور داهش..
وهذيان الجماهير!
عندما تشتد وطأة الأحداث على جماهير الناس، وعندما تُطعن آمالهم وتذوب في واقع المشاكل والمصاعب، وعندما لا يستطيع ذهن الجماهير وفكرهم استيعاب مرارة التاريخ العصيب، والظروف الراهنة، عندما يحدث كل ذلك فإنَّ فكر وسلوك الناس يحدث تطرف في الأحكام، أو الرؤية والتصورات، فكما يحدث للرجل الأمُيِّ عند معالجة أموره عند المشعوذين والدجالين أيضًا، فإنَّ عامة الناس تلجأ إلى الخرافات وتبحث عنها وتصبغها بهالة كبيرة من الواقع، وربما يكون ذلك نوعًا من الهروب، وبعدًا عن معاناة وإجهاد الذهن وهذا في إيجاد راحة للحاكم والمحكومين، فبعد نكسة 1967 كثرت هذه الخرافات، ولهثت وراءها الجماهير، وكانت أقصاها تلك المقولة التي تدعي ظهور السيدة مريم العذراء فوق كنيسة الزيتون بمصر الجديدة بالقاهرة، فلقد اندفع الناس إلى ميدان الكنيسة، وأقاموا به أسابيع وأشهر لرؤية السيدة مريم، وتوهَّم البعض رؤيتها، وأخذ يسهب في وصفها وهي تحمل السيد المسيح، وتُلوِّح إلى الجماهير المحتشدة.
وبعد أن ملَّ الناس، والصحف مقولة السيدة مريم العذراء أخذت أذهانهم تبحث عن خرافات جديدة، فظهرت أشباح الموتى التي تقابل الأحياء وتعطيهم النصيحة وتحذرهم من صعوبات الحياة.
وآخر ما شغل بال الناس هو حكاية العروس التي ابتلعتها الأرض في مدينة الإسكندرية وما حيك حولها من قصص الجن، والخطف، والمعجزات، وانتقلت موجة الخرافات إلى الأرض المحتلة بمدينة غزة وتحدثت الصحف، ووكالات الأنباء عن حكاية أهل غزة مع المقابر التي تتحدث ليلًا وتتحرك وتضئ، ويخرج الشهداء منها ليحُثُّوا الناس على الجهاد والقتال في سبيل الله!!
ثم تصل تلك الحكايات إلى الكويت عن طريق إحدى الصحف المحلية، فتنشر مسلسلًا يوميًّا عن الدكتور داهش العجيب، وفي التعريف بالدكتور داهش تقول الصحيفة:
رجل يصنع «المعجزات» في هذه الأيام.. هل هذا معقول؟
لكن الدكتور داهش الذي يعيش في بيروت يمشي في الهواء، ويدخل البيوت من السقف، والجدران، والأبواب المغلقة، ثم يكون معك ومع غيرك في مكان آخر بنفس اللحظة، ويستطيع أن يعطيك صحيفة تصدر بعد أربعة أيام، وأن يُحوِّلَ مجموعة الأوراق البيضاء في جيبك إلى ثروة من المال، ولكن الأغرب من ذلك كله أنه أُعدِمَ رميًا بالرصاص في إيران عام 1947، ومع ذلك ما يزال الآن في بيروت يؤلِّف الكتب، ويبشِّر الناس بدعوة روحية تقول: إنَّ الأديان كلها واحد لا فرق بينها على الإطلاق!!
والدكتور داهش له أتباع يؤمنون به ويعتبروه «نبي العصر» وهؤلاء الأتباع من كبار الأطباء والمحامين والمهندسين والأدباء، والشعراء بالإضافة إلى العشرات من الأشخاص العاديين الذين شاهدوا «معجزاته» الخارقة، وكما نسمع في هذه الأيام عن الماركسية، واللينينية، وغيرها فهناك أيضًا «الداهشية»! ويقول أحد مفكري «العقيدة» الجديدة أنَّ الداهشية ليست نظريات وافتراضات، بل حقائق روحية مدعومة بالبراهين المحسوسة.
وفي الحلقة الثانية تقول الصحيفة:
أثار التحقيق الذي نشرناه أمس عن الدكتور داهش اهتمامًا في الأوساط الشعبية؛ لما جاء فيه من عجائب هذا الرجل، واليوم نلتقي بالسيد ماجد مهدي الذي يزور الكويت حاليًّا وهو من أتباع الدكتور والمؤمنين برسالته، والسيد مهدي كان قد ألقى في فرنسا محاضرة عن «الداهشية» شرح فيها معجزات الدكتور العجيب، والدعوة التي جاء بها إلى أبناء القرن العشرين للعودة إلى الروحانيات، وعبادة الله والإيمان بقوة الروح وفاعليتها التي تتخطى قوانين الطبيعة.
وإن كانت تلك الخرافات تجد اهتمامًا في الأوساط الأميَّة، فما هي مصلحة الإعلام العربي في اللهو بعقول الناس؟
إن هذه الخرافات والأساطير تربى الشعوب على الوهم ... تلك الشعوب التى تخشى، وتخاف، وتُذل من منظمة صهيونية مثل إسرائيل.
محمد عبدالفتاح