العنوان الصحوة الإسلامية.. بين الأمراء والعلماء
الكاتب غازي التوبة
تاريخ النشر الثلاثاء 17-مارس-1998
مشاهدات 74
نشر في العدد 1292
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 17-مارس-1998
ساطع الحصري من أوائل الذين أسهموا في إحلال القومية العربية محل العقيدة الدينية
ليس من شك في أن التحليل العميق والدقيق لمختلف أوضاعنا التاريخية والاجتماعية والسياسية والحركية يساعدنا على التوجه السليم، ويساعدنا على تحقيق الأهداف المرجوة والمرسومة في العمل الإسلامي. وفي اعتقادي أن الصحوة الإسلامية التي نعيش بين ظهرانيها لم تأخذ حقها من الدراسة والتفسير، وإنما من الحديث عليها مرورًا سريعًا، وربما تناولها أعداء الإسلام بالتعليق أكثر من تناول أبناء الإسلام لها، لذلك سأحاول هنا أن أبين ماهية الصحوة، واسبابها، وكيفية الاستفادة منها.
لقد شكل سقوط الخلافة العثمانية وإلغاؤها عام ١٩٢٦م حدثًا كبيرًا في تاريخ المسلمين إذ حلت قيادة جديدة محل القيادة العثمانية التي استمرت أربعمائة عام تقود العالم الإسلامي، فماذا كان توجه القيادة الجديدة وما الذي فعلته؟ كانت القيادات التي قادت المنطقة العربية بعد سقوط الخلافة العثمانية قومية التوجه تعتبر القومية العربية هي المرجعية التي يجب أن ترجع إليها وتستلهمها في بناء تفكير الناس، ومشاعرهم، وحياتهم، وشؤونهم التربوية والاقتصادية والسياسية والتشريعية والاجتماعية إلخ، فما أبرز الأعمال التي قامت بها لتحقيق ذلك الهدف.
- إحلال القومية العربية محل العقيدة الدينية: كان ساطع الحصري من أوائل المفكرين الذين أسهموا في تحقيق الدعوة إلى إحلال القومية العربية محل العقيدة الدينية كأساس لبناء المجتمع العربي، ومما زاد في خطورة دعوته أنه احتل مركزًا تربويًا مرموقًا في العراق بعد قيام الحكم القومي فيها عام ١٩٢٠م، مما أتاح له صياغة البرامج التعليمية والتربوية فيها، ثم انتقل إلى سورية عام ١٩٤١م، وقام فيها بالدور نفسه الذي قام به في العراق، ومن نافلة القول التذكير بأن الحصري علماني التوجه ولا يرى الدين عاملًا من عوامل القومية العربية.
- إحلال الرابطة القومية محل الرابطة الدينية: دعا الفكر القومي إلى أن تكون الرابطة القومية هي التي تربط بين أبناء المنطقة وليست الرابطة الدينية بمعنى أن يكون ولاء الفرد لانتمائه القومي العربي، يعظم القومية العربية، ويوالي من يواليها، ويعادي من يعاديها، ويضحي في سبيلها، وتكون منزلته ارتفاعًا وانخفاضًا بمقدار ما يقدم لها من تضحيات
- نقل التشريعات الغربية: نقلت القيادات القومية التشريعات الغربية وقوانينها في كل مجالات الحياة التجارية والزراعية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية إلخ، ولم تستثن من ذلك إلا قوانين محدودة تتعلق بالأحوال الشخصية كالزواج والطلاق.
- نقل النموذج الرأسمالي ثم الاشتراكي: نقلت القيادات القومية النموذج الرأسمالي الربوي بكل شروره وآثامه وربطت اقتصاد بلادها بالسوق، مما زاد في سوء الأوضاع الاقتصادية، ثم نقلت النموذج الاشتراكي في مرحلة تالية مما زاد في اضطراب الأوضاع الاقتصادية، ولم تراع التشريعات الاقتصادية تعاليم الإسلام التي تحرم الربا، ولم تستفد من قيم التعاون والرحمة والصدقة التي تدعو إليها.
- نقل الفنون والآداب الغربية: انتشرت الآداب والفنون الغربية من مسرح وسينما وتمثيل ورسم وتحت في المنطقة عن طريق الترجمة والمدارس الاجنبية والاحتكاك بالغرب، وأدى تقليد الفنون الغربية إلى امتلاء الساحة الاجتماعية بالعري والفجور، وتدني الأذواق، وتفسخ الأخلاق، وتحكم الأهواء إلخ، وأدى تقليد الآداب الغربية إلى التنكر لكل تاريخنا الأدبي العريق، والانبهار بالأدب الغربي ونشوء مدارس مقلدة له مثل مدرسة الديوان، ومدرسة أبولو، وكانت ثمرة التقليد أيضًا النظر إلى تاريخنا الأدبي من خلال مقارنته بالتاريخ الأدبي الأوروبي، فكما أن الأدب الأوروبي من بمراحل هي الكلاسيكية ثم الرومانسية ثم الرمزية ثم الواقعية ثم السيريالية... إلخ. فيجب أن يمر أدبنا العربي بتلك المراحل.
ماذا كانت نتيجة ذلك كله؟
كانت نتيجته تغريب طائفة محدودة من المجتمع في عددها وحجمها وتأثيرها، لكن برزت إلى جانب ذلك في السبعينيات والثمانينيات دعوة قوية تنادي بالعودة إلى الإسلام وتحكيمه في عدة مظاهر منها ارتداء المرأة المسلمة الحجاب وإعمار الشباب للمساجد، وانتشار الكتاب الإسلامي، وظهور جمعيات خيرية إسلامية، والتصويت للنواب الإسلاميين في بعض البلدان والاعتزاز بالقيم الإسلامية، والحنين إلى الماضي الإسلامي، وكان المفاجئ أن هذه المظاهر لم تحدث في بلد واحد، وإنما حدثت في بلدان متعددة ذات ظروف تاريخية مختلفة تمتد من أقصى المشرق إلى المغرب منها تركيا، بلاد الشام مصر، الجزائر، تونس، فلسطين الخليج... إلخ، وقد حدثت في بلدان كانت أبعد ما يكون عن الانبعاث الإسلامي لابتعادها الطويل عن المحيط الإسلامي كالجزائر التي حكمها الاستعمار الفرنسي ما يقرب من ١٣٠عامًا، وأستهدف محو الإسلام منها وجعلها قطعة من فرنسا، وكتونس التي خضعت لتغريب مبرمج لمدة قرن تقريبًا، وكتركيا التي حاربت فيها الكمالية كل مظاهر الإسلام دون استثناء، ومع كل هذه المحاولات العنيفة لاقتلاع الإسلام نادت جماهير غفيرة من المسلمين في كل تلك الأماكن بالعودة إلى الإسلام، وسعت إلى تمكينه، وإلى إعادة تحكيمه في مختلف شؤون الحياة، فماذا كان تفسير هذه الظاهرة وما أسبابها؟ أعاد بعض الدارسين هذه الظاهرة إلى عدة أسباب منها:
- نكسة ١٩٦٧م.
- حاجة بعض الحكام المواجهة التيارات اليسارية.
- الظروف الاقتصادية السيئة.
- الثورة الإيرانية.
وسنتناول تفنيد هذه الأسباب التي ذكرها بعض الباحثين في مقال لاحق إن شاء الله، ولكن. ما حقيقة الصحوة الإسلامية وماهيتها؟
الصحوة تعبير عن الأمة التي بناها الرسول r خلال إقامته في المدينة. هذه الأمة التي وصفها الله بأنها خير أمة أخرجت للناس، فقد قال تعالى: ﵟكُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗﵞ (آل عمران: 110)، وقد استمرت هذه الأمة الإسلامية حقيقة فاعلة مؤثرة تبني وتشيد أكثر من ألف عام، وذلك لأنها تملك كل مقومات الأمة الحقيقية فهي أمة ذات أرض واحدة تعقد من الصين شرقًا إلى الأطلسي غربًا، يستطيع المسلم أن يتجول فيها ويعيش في أي جزء منها، وهي أمة ذات لغة واحدة هي اللغة العربية تقرأ بها القرآن الكريم وتؤدي بها صلاتها، وهي أمة ذات ثقافة واحدة تدور حول القرآن الكريم والسنة المشرفة، وهي أمة ذات عادات وتقاليد واحدة تنبثق من أخلاق الإسلام وتوجيهات رسوله r، وهي امة ذات تاريخ واحد يقوم على مجاهدة المشركين وموالاة الصالحين، وهي أمة ذات امال واحدة تتطلع إلى تمكين الإسلام ورفع رايته إلخ، وقد أنشأت هذه الأمة حضارة متميزة تركت أثارًا في مختلف مجالات العمران الزراعية والتجارية والاقتصادية... إلخ
ومما امتازت به أمتنا وجود قيادتين لها على مدار التاريخ:
الأولى: قيادة الأمراء: أو القيادة السياسية التي تقود الجيوش وتدافع عن الأمة في وجه الغزاة المعتدين، وتوسع رقعة الأرض الإسلامية مما يتيح للدعوة الإسلامية أن تنتشر، ويفتح المجال أمام شعوب جديدة لتدخل في رحمة الإسلام وضيائه.
الثانية: قيادة العلماء: تقود جموع المسلمين، وتعلمهم أمور دينهم. وتنشر الفقه بينهم، وتزكي أخلاقهم، وتوجههم إلى المعروف، وتنهاهم عن المنكر، وقد تجلت هذه القيادة في عدد كبير من العلماء يعجز القلم عن حصرهم منهم مالك بن أنس، والشافعي وأحمد بن حنبل، وعبد الله ابن المبارك، وسفيان الثوري والحسن البصري، وابن تيمية والشاطبي ...إلخ. رحمهم الله جميعًا.
لذلك عندما سقطت الخلافة العثمانية على يد كمال اتاتورك بعد الحرب العالمية الأولى خسرت الأمة قيادتها السياسية، لكن بقيت قيادة العلماء تقود الأمة، لذلك كان أثر القيادات القومية محدودًا في كيان الأمة، وعندما ارتفع جانب من التضييق الذي كانت تمارسه القيادات القومية، ظهرت الأمة على حقيقتها مرة ثانية وكانت الصحوة الإسلامية في مختلف أنحاء العالم الإسلامي
باختصار يمكن أن نقول إن الصحوة الإسلامية هي تعبير عن الأمة الإسلامية والتي ظن بعضهم أنها انتهت بعد سقوط قيادتها السياسية، لكنها لم تنته ولن تنتهي بإذن الله، لأنها عادت إلى البروز في ساحة الواقع بقيادتها الثانية، وهي قيادة العلماء الذين رووها بدمائهم ومدادهم على مدى قرن من الزمان، والذين تعجز عن حضرهم وعدهم، لكن تذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: مصطفى صبري وحسن البنا، وعبد العزيز البدري، وعز الدين القسام، وأبو الأعلى المودودي وعبد الحميد بن باديس إلخ رحمهم الله جميعًا
والآن ما الذي نستفيده من هذا التفسير؟
هناك عدة حقائق تفرض نفسها نتيجة هذا التفسير هي:
- إن الحركة الإسلامية ليست هي الطارئة في المنطقة، وليست هي الشذوذ والاستثناء كما يحاول أن يصورها دعاة القومية ومعهم دعاة التحديث والتغريب، لكن الحركة الإسلامية هي الأصل في المنطقة لأنها تعبر عن الأمة المقاييس الموضوعية التي تعرف الإسلامية التي هي حقيقة راسخة وقائمة بكل الأمة والتي كانت الصحوة الإسلامية إحدى تجلياتها.
- إن الهدف الأساسي لأعداء الأمة الإسلامية أمران الأول: توليد أمة مكان الأمة الإسلامية، وهذا ما استهدفه الفكر القومي العربي خلال قرن مضى لكنه فشل في ذلك، فمن هنا كانت أزمته وأزمة المنطقة معه، الثاني تفتيت كيان الأمة الإسلامية، وهذا ما يراهن عليه كل أعداء الأمة، لذلك يجب على الحركة الإسلامية أن تفشل مخططاتهم بأن تدعم كل ما يؤدي إلى تماسك الأمة.
- يجب على العلماء الذين قدر الله أن يقودوا الأمة في هذه الفترة أن يكونوا حريصين على تدعيم ثوابت الأمة، والا يفرطوا بأي حقائق تقوم عليها. لأنهم يقفون على أرض راسخة قوية من جهة، ولأن هناك دوائر وأجهزة تسهر بصورة لم يشهدها التاريخ السابق تتلقف أي تفريط لتبني عليه من أجل الاستفادة منه في تفكيك الأمة من جهة ثانية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل