العنوان الصحوة الإسلامية متی بزغ فجرها في الأفق؟
الكاتب عبدالله ناصح علوان
تاريخ النشر الثلاثاء 31-مارس-1987
مشاهدات 59
نشر في العدد 811
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 31-مارس-1987
إن كثيرًا ممن يحبون سبر أغوار الحقيقة- من شتى الاتجاهات الفكرية والسياسية والعقيدية في العالم- يريدون أن يعرفوا المزيد عن الصحوة الإسلامية التي أصبحت تطل برأسها اليوم على بلاد الإسلام في كل مكان.. رغم الحكومات اللا دينية التي تأخذ بخناقها، وتلاحقها وتحاربها، وتحول دون انتشارها وامتدادها.. ورغم مخططات الدول الاستعمارية والشيوعية والصهيونية العالمية، والماسونية الخفية.. التي تستهدف استئصال الصحوة، وقلع جذورها من أرض الإسلام، حتى لا يقوم للمسلمين قائمة، ولا يرتفع لهم رأس!!
والكلام عن الصحوة الإسلامية في العصر الحديث يضطرنا أن نميز بين عهدين:
الأول: عهد الغفوة والسبات.
الثاني: عهد الصحوة والعمل.
● فعهد الغفوة: يبدأ ظهوره من أواخر الحكم العثماني إلى إلغاء الخلافة إلى عشرين عامًا بعد الإلغاء، فأمة الإسلام في هذا العهد كانت تغط في نوم عميق، وما تدري المؤامرات التي كانت تُحاك ضدها، ولم تكن تأخذ بأسباب النصر ماديًا ومعنويًا، ولم تكن تفكر في توحيد جبهتها أمام قوى التآمر والاستعمار.. محليًا ودوليًا، ولم تتحرك أحاسيسها ومشاعرها .. لتقف- على اختلاف مستوياتها- صفًا واحدًا بجانب الخلافة الإسلامية، لتستأصل من أرض الإسلام شأفة التآمر، وترد كيد العملاء والخونة والمستعمرين على أعقابهم خزايا نادمين مدحورين.
فكان من نتائج هذه الغفوة أن استلم زمام الأمور في أكثر البلاد الإسلامية العلمانيون، فأصبح الحُكم للعلمانية، والتشريع للبرلمان، والسيادة للقانون. بل أطفئت- و يا للأسف- شعلة الخلافة العملاقة الرائدة التي كانت تشرق على الدنيا بنورها وهديها، وتطل على العالم بشموخها وعزتها.. بل كانت الدول الكبرى تهابها، وتحشى بأسها، وتتصاغر أمام قوتها ووحدتها، وتحسب لها ألف حساب.
● أما عهد الصحوة: فكانت إطلالته على العالم الإسلامي بعد عشرين عامًا على وجه التقريب من إلغاء الخلافة، حيث كانت دولة الإسلام الضخمة العظيمة مجزأة إلى دويلات صغيرة، فكان من نتائج ردود الفعل هذه أن تقوم في العالم الإسلامي حركات إصلاحية ودعوية، تولى زمامها رجال أخلصوا دينهم لله، وكرسوا جهودهم للإسلام، وعقدوا العزم على المُضي قدمًا لإعادة التاريخ والأمجاد، بل أعلنوا على مسامع الدنيا شعار: الإسلام دين ودولة، وعبادة وجهاد، وأخلاق وسياسة.. بل هو بالاختصار، نظام حكم ومنهج حياة.. وسوف يأتي الكلام عن هذه الحركات الدعوية المعاصرة بإلماحة مختصرة في موضع آخر إن شاء الله.
ولكي نحيط ببحث الصحوة الإسلامية إحاطة شاملة، ونتكلم عنها بعمق واستيعاب، يحسن التعرض- أولًا- لابتداء ظهورها في العالم الإسلامي، وكيف أطلت برأسها على الدنيا.؟
● الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله.
متى ابتدأ ظهور الصحوة؟
على أعقاب إلغاء الخلافة الإسلامية عام ١٩٢٤ على يد «أتاتورك» غاب الحُكم الإسلامي عن كثير من بلاد الإسلام، واتجهت الحكومات التي كان بأيديها الزمام إلى علمنة البلاد التي هي تحت سيطرتها، ففصلت الدين عن الدولة، وأبعدت التشريع الإسلامي عن واقع الحياة.. فأصبحت السيادة للقانون، والتشريع للبرلمانات، والحُكم للعلمانية.
وكان من نتيجة ذلك أن تشتت أمة الإسلام، وتمزقت إلى دويلات، وحكمها عملاء، وحل عليها الضعف والوهن، وأصبحت ألعوبة بيد الدول الكبرى، وعلى رأسها أمريكا وروسيا.
ولعبت الماسونية العالمية الخفية التي تدبرها اليهودية دورًا كبيرًا في اجتذاب أصحاب النفوذ والجاه والغنى.. فاصطنعت منهم حُكامًا يأتمرون بأمرها، وينفذون مخططاتها بأساليب متنوعة، وشعارات مطروحة، يطرحون شعار الوطنية حينًا، والتقدمية أحيانًا، ويرفعون شعار القومية تارة، والاشتراكية أخرى..
هذا عدا عن مناداتهم بشعارات: تحرير المرأة، وتحرير العامل، وتحرير الفلاح.. إلى
غير ذلك من هذه الشعارات المطروحة، والشارات المرفوعة.. التي تستهدف صرف
الجيل المسلم عن العمل للإسلام، والمجاهدة في سبيله، لينعطف بكليته نحو مبادئ وشعارات وأفكار.. ما أنزل الله بها من سلطان، وبالتالي ليجري لاهثًا وراء الميوعة والإباحية والانحلال!!
● فمن الطبيعي بعد كارثة إلغاء الخلافة، وتفتيت الدولة الإسلامية إلى دويلات، وطرح الشعارات المزيفة، وما ترتب عليها من آثار وانعطافات في فكر الجيل المسلم ومعتقداته وتصوراته، فمن الطبيعي بعد هذا كله أن تنبثق في المجتمعات الإسلامية حركات ودعوات تنادي بالعودة إلى حُكم الإسلام، والعمل على الأخذ بمبادئه في شتى مجالات الحياة؛ لتعود للمسلمين خلافتهم الإسلامية وأمجادهم التاريخية والسياسية.
فمن أشهر هذه الحركات: حركة «الإخوان المسلمين» في مصر، وحركة «الجماعة الإسلامية» في باكستان، وحركة «التبليغ» في الهند، وحركة «حزب التحرير» في الأردن، وغيرها من الحركات.. ولا شك أن حركة «الإخوان المسلمين» التي أسسها الإمام الشهيد حسن البنا هي أوسع هذه الحركات انتشارًا وامتدادًا وشمولًا وحركية في العالم.
● ومن الطبيعي كذلك أن ترتفع- نتيجة ردود الفعل هذه- في أجواء العالم الإسلامي
شعارات: الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن شريعتنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا.. وأن تطرح كذلك شارات: الإسلام دين ودولة، ومصحف وسيف، وعبادة وسياسة، ونظام حُكم، ومناهج حياة.
●ومن الطبيعي أيضًا أن تنبري في بلاد الإسلام هنا وهناك أقلام إسلامية مُخلصة، لتعطي للجيل الإسلامي التصور الصحيح عن الإسلام في خصائصه، وشمولية مبادئه، وعظمة تشريعه، وفعالية عطائه.. وتطالب أمة الإسلام بالعودة إلى أصالتها في تميز الشخصية الإسلامية، وفي التزام المنهج الرباني، وفي النهوض بمبادئ الدعوة، وفي التحرك الصادق للعمل على بناء العِزة، وتأسيس الدولة، والاحتكام إلى شريعة الله..
فبناء على ولادة هذه الحركات، ورفع هذه الشعارات، وإعلان هذه النداءات، وانطلاق هذه الأقلام.. استجاب الكثير والكثير من شباب الإسلام إلى دعوة الإسلام، وانتموا إلى جماعات العاملين المُخلصين، وانطلقوا في ميادين الدعوة إلى الله مُبلغين هادين.. يبلغون رسالات الله، ويخشونه، ولا يخشون أحدًا إلا الله.
فكان من نتيجة ذلك أن أطلت الصحوة الإسلامية على العالم الإسلامي، وظهرت آثارها في كل القطاعات العمالية، والنسائية، والمهنية، فحينما سرت تجد الشباب المسلم الملتزم بالدعوة، وأينما توجهت تجد الجيل المؤمن الذي يعطي ولاءه للإسلام، وأينما ألتفت تجد المظهر الشرعي المتميز، والسلوك الإسلامي الرائد!! تجد كل هذا.. من شباب وشابات آمنوا بربهم فزادهم هدى.
هل عرفنا كيف انبثق فجر الصحوة الإسلامية على بلاد الإسلام؟ وكيف تمت ولادتها في العالم الإسلامي في كل مكان؟
● جيل الصحوة بحاجة لرعاية ماسة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل